ذهب مجاهد بن جبر والحسن البصري وإسحق بن راهُويه، وأحمد بن حنبل في رواية، وابن خُزيمة إلى عدم القضاء على من أفطر قبل الغروب، وهو يظن أن الشمس قد غربت، مُسْتدلِّين بما روى زيد بن وهب قال ﴿أُخرِجتْ عِساسٌ من بيت حفصة، وعلى السماء سحابٌ، فظنوا أن الشمس قد غابت، فأفطروا، فلم يلبثوا أن تجلَّى السحابُ، فإذا الشمس طالعة، فقال عمر: ما تجانفنا من إثم﴾ رواه ابن أبي شيبة (٢/٤٤٠-٤٤١) والبيهقي. ورواه عبد الرزاق (٧٣٩٥) ولفظه ﴿ وقالوا: نقضي هذا اليوم، فقال عمر: ولِمَ؟ فوالله ما تجنَّفنا لإثم﴾ والعِساس: جمع عُسٍّ، وهو القدح والإِناء الضخم.
[ ١١٧ ]
وذهب الجمهور إلى إيجاب القضاء ورجَّحه ابن حجر بقوله [إنه لو غُمَّ هلالُ رمضان فأصبحوا مفطرين، ثم تبين أن ذلك اليوم من رمضان فالقضاء واجب بالاتفاق فكذلك هذا] وقد استدلوا على رأيهم بالأدلة التالية:
أ - عن فاطمة عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله تعالى عنهما قالت ﴿أفطرنا على عهد النبي ﷺ يومَ غيمٍ، ثم طلعت الشمس، قيل لهشام: فأُمروا بالقضاء؟ قال: بُدٌّ من قضاء وقال مَعْمَر: سمعت هشامًا يقول: لا أدري أَقَضَوْا أم لا؟﴾ رواه البخاري (١٩٥٩) وأبو داود وأحمد والبيهقي. ورواه ابن ماجة (١٦٧٤) بلفظ: ﴿ فلا بد من ذلك﴾ .
ب - عن بِشر بن قيس عن عمر بن الخطاب ﵁ قال ﴿كنت عنده عشيَّةً في رمضان وكان يومَ غيمٍ، فظن أن الشمس قد غابت، فشرب عمر وسقاني، ثم نظروا إليها على سفح الجبل، فقال عمر: لا نبالي، والله نقضي يومًا مكانه﴾ رواه البيهقي (٤/٢١٧) ورواه الإمام الشافعي في كتاب الأم (٢/٩٦) من طريق خالد بن أسلم بلفظ ﴿فقال عمر: الخطبُ يسير﴾ ورواه مالك (١/٢٥٦) وزاد ﴿وقد اجتهدنا﴾ ورواه عبد الرزاق في مصنفه (٧٣٩٢) وزاد ﴿نقضي يومًا﴾ وفي رواية ثانية له (٧٣٩٤) من طريق بِشْر بن قيس بلفظ ﴿قال عمر: أتموا يومكم هذا، ثم اقضوا يومًا﴾ .
[ ١١٨ ]
والصواب هو رأي الجمهور لأَنَّ الأثر في البند أيقول (بُدٌّ من قضاء) و(فلا بدَّ من ذلك) . فهو نص واضح الدلالة على أنهم قد أُمروا بالقضاء. أما قول معمر (سمعت هشامًا يقول: لا أدري أَقضوا أم لا؟) فلا يبطل القول الأول ولا يلغيه، لأن الأول إثبات، والثاني شك، والإثبات مقدَّم على الشك، ثم إن هشامًا روى أنهم أُمروا بالقضاء، وهذا هو الحكم وهو ما نبحث عنه، فإن جاء قوله بعد ذلك إنه لا يعلم إِنْ هم قضَوْا أو لا فإنه لا يُبطل هذا الحكم، لأن فعل الناس لحكمٍ أو عدم فعلهم له لا يقدم ولا يؤخر في ثبوته، فثبوت الحكم شيء، والتزام الناس به شيء آخر. ولمن بقي متشكِّكًا نقدِّم الأثر في البند ب وهو شرح وبيان لما غمض في البند أ، فهو يقول (لا نبالي، والله نقضي يومًا مكانه) ويقول (أتموا يومكم هذا ثم اقضوا يومًا) وهذا منطوق قطعي الدلالة. وعليه فإن الثابت من قول عمر هو القضاء، وقد قاله أمام الصحابة ولم يُعرف له مخالِف.
أما أثر زيد بن وهب عند ابن أبي شيبة وعبد الرزاق والبيهقي الذي يُفهم منه عدم القضاء، فإن البيهقي راوي الحديث يقول عقب روايته له [وكان يعقوب بن سفيان الفارسي يحمل على زيد بن وهب بهذه الرواية المخالفة للروايات المتقدمة ويعدها مما خولف فيه، وزيد ثقة إلا أن الخطأ غير مأمون] فلا تصلح هذه الروايةُ لمعارضة الأثرين الثابتين المثبِتين للقضاء.