إن أول وقف في الإسلام هو مسجد (قباء) (^١) الذي أسسه الرسول ﷺ حين قدم مهاجرًا إلى المدينة قبل أن يدخلها.
ثم بعد ذلك المسجد النبوي بالمدينة، حيث بناه الرسول ﷺ في السنة الأولى للهجرة عند مبرك ناقته حين قدم المدينة (^٢).
فقد روى البخاري ومسلم من طريق أبي التياح يزيد بن حميد الضبعي، قال: حدثني أنس بن مالك ﵁ قال: لما قدم رسول الله ﷺ المدينة، نزل في علو المدينة، في حي يقال لهم بنو عمرو بن عوف، قال: فأقام فيهم أربع عشرة ليلة، ثم أرسل إلى ملأ بني النجار، قال: فجاءوا متقلدي سيوفهم، قال: وكأني أنظر إلى رسول الله ﷺ على راحلته وأبو بكر ردفه، وملأ بني النجار حوله، حتى ألقى بفناء أبي أيوب، قال: فكان يصلي حيث أدركته الصلاة، ويصلي في مرابض الغنم، قال: ثم إنه أمر ببناء المسجد، فأرسل
_________________
(١) قباء: بضم القاف قرية كانت قرب المدينة، وصارت الآن جزءًا من المدينة حيث امتد بنيانها إليها، وأصله اسم بئر هناك عرفت به القرية، وهي مساكن بني عمرو بن عوف من الأنصار. انظر: معجم البلدان ٤/ ٣٠١، مراصد الاطلاع ٣/ ١٠٦١.
(٢) انظر: أحكام الأوقاف لمصطفى الزرقاء ص ٧.
[ ١ / ١٢٧ ]
إلى ملإ بني النجار فجاءوا، فقال: "يا بني النجار ثامنوني حائطكم هذا» فقالوا: لا والله، لا نطلب ثمنه إلا إلى الله" (^١).
أما أول وقف خيري في الإسلام فقد اختلف المسلمون فيه:
فقيل: إن أول صدقة في الإسلام هي صدقة رسول الله ﷺ حين وقف الحوائط (^٢) السبعة بالمدينة التي كانت لرجل يهودي اسمه مخيريق، وكان محبًا ودودًا للنبي ﷺ وقاتل مع المسلمين يوم أحد، وأوصى إن أصبت أي قتلت فأموالي لمحمد يضعها حيث أراه الله تعالى، وقد قتل يوم أحد وهو على يهوديته، فقال النبي ﷺ: " مخيريق خير يهود "، وقبض النبي ﷺ تلك الحوائط السبعة فتصدق بها أي وقفها (^٣).
(٣٢) روى الواقدي: " كان مخيريق اليهودي من أحبار اليهود، فقال يوم السبت، ورسول الله ﷺ بأحد: يا معشر اليهود إنكم لتعلمون أن محمدًا نبي، وأن نصره عليكم لحق، قالوا: إن اليوم يوم السبت. قال: لا سبت، ثم أخذ سلاحه، ثم حضر مع النبي ﷺ فأصابه القتل. فقال رسول الله ﷺ: مخيريق خير يهود، وقد كان مخيريق حين خرج إلى أحد، قال: إن أصبت فأموالي لمحمد يضعها حيث أراه الله " (^٤) فهي عامة صدقات رسول الله ﷺ.
_________________
(١) تقدم تخريجه برقم (١٥).
(٢) الحوائط: جمع حائط، وهو الحديقة أو البستان. ينظر: القاموس المحيط ٢/ ٣٥٥.
(٣) انظر: أحكام الأوقاف للخصاف ص ١ - ٤، نيل الأوطار ٦/ ٢٦. قصة مخيريق هذه أخرجها الواقدي في مغازيه، والخصاف في كتابه أحكام الأوقاف من عدة طرق في بعضها الواقدي، وأخرج البيهقي في السنن الكبرى ٦/ ١٦ عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ "جعل سبع حيطان له بالمدينة صدقة على بني المطلب وبني هاشم "، ولم يذكر أنها كانت لمخيريق، وتقدم قريبا.
(٤) مغازي الواقدي ١/ ٢٦٢، والواقدي متروك. وأخرجه ابن سعد في الطبقات ١/ ٥٠١، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق ١٠/ ٢٢٩ عن محمد بن عمر (وهو الواقدي) حدثني محمد بن بشر بن حميد، عن أبيه قال: سمعت عمر بن عبد العزيز يقول في خلافته: سمعت بالمدينة والناس يومئذ بها كثير من مشيخة المهاجرين، والأنصار: (إن حوائط النبي ﷺ يعني السبعة التي أوقف من أموال مخيريق، وقال: إن أصبت فأموالي لمحمد يضعها حيث أراه الله ". ضعيف جدًا؛ فيه علل منها: أن الواقدي متهم بالكذب. ومنها أنه معضل. وأخرجه ابن شبة في أخبار المدينة ١/ ١٦٩ قال: حدثنا محمد بن يحيى، ثنا عبد العزيز ابن عمران، عن عبد الله بن جعفر بن المسور، عن أبي عون، عن ابن شهاب قال: " كانت صدقات رسول الله ﷺ أموالا لمخيريق، وأوصى مخيريق بأمواله للنبي ﷺ ". وهذا مرسل، ومراسيل الزهري من أضعف المراسيل. وأخرجه الطبري في تاريخه ٣/ ٢٦٠، قال حدثنا ابن حميد، ثنا سلمة، حدثنا محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة به نحوه، وهذا معلول فإنه معضل، وقد جاء من عدة طرق، ولا يصح منها شيء البتة. وقد ذكره ابن هشام في السيرة ٢/ ١٤٠، وأبو نعيم في دلائل النبوة ١/ ٩٠ عن ابن إسحاق، وله غير ذلك من الطرق المنكرة والمنقطعة. وقال ابن رجب في فتح الباري ٣/ ٢٩٩ عقب ذكره لهذا الخبر، وروى ابن سعد ذلك بأسانيد متعددة وفيها ضعف ".
[ ١ / ١٢٨ ]
وعن عائشة ﵂: " أن رسول الله ﷺ جعل سبع حيطان له بالمدينة صدقة على بني عبد المطلب وبني هاشم " (^١) (منقطع).
وقيل: إن أول صدقة في الإسلام هي صدقة عمر بن الخطاب ﵁ سنة سبع من الهجرة حين رجع النبي ﷺ من خيبر.
(٣٣) روى عمر بن شبه، عن عمرو بن سعد بن معاذ قال: " سألنا عن أول حبس في الإسلام؟ فقال المهاجرون: صدقة عمر، وقال الأنصار: صدقة رسول الله ﷺ " (^٢).
_________________
(١) تقدم تخريجه برقم (١٢).
(٢) عزاه ابن حجر في الفتح لابن شبه ٥/ ٤٠٢، ولم أقف عليه في أخبار المدينة وفي إسناده الواقدي (الفتح)، نيل الأوطار ٦/ ٢٦.
[ ١ / ١٢٩ ]
(٣٤) وقال عبد الله: حدثني أبى، حدثنا حماد، أخبرنا عبد الله، عن نافع عن ابن عمر ﵄ قال: " أول صدقة -أي موقوفة- كانت في الإسلام صدقة عمر " (^١).
وسواء قلنا إن أول صدقة في الإسلام هي صدقة الرسول ﷺ أو صدقة عمر بن الخطاب، فالوقف في الإسلام نوع من أنواع الصدقات التي رغب الشارع فيها وندب إليها، وهو قربة من القرب التي يتقرب بها العبد إلى ربه، ولا فرق في ذلك بين الوقف على جهة عامة كالفقراء وطلبة العلم ونحو ذلك، أو الوقف على القرابة والذرية، إلا أن السلف الأول من هذه الأمة يفضلون أن يكون آخره للمساكين.
وقد توالت أوقاف الصحابة الكرام لا يبتغون من ذلك إلا مرضاة الله تعالى والتقرب إليه، واستمر الناس من بعدهم يقفون أموالهم تقربا إلى الله تعالى (^٢).
_________________
(١) مسند أحمد ٢/ ١٥٦ - ١٥٧، وفي إسناده عبد الله بن عمر العمري، وهو ضعيف.
(٢) مجلة البحوث الإسلامية عدد ٣٦ ص ١٩٨ د. عبد الله الزيد.
[ ١ / ١٣٠ ]