الوقف تدور عليه الأحكام الخمسة التكليفية، لكن اختلف العلماء -رحمهم الله تعالى- في الأصل فيه، هل هو المشروعية مطلقًا، أو المنع؟ على أقوال:
القول الأول: أن الوقف مستحب مندوب إليه.
وهذا هو قول جمهور العلماء: الحنفية (^١)، والمالكية (^٢)، والشافعية (^٣)، والحنابلة (^٤).
قال الترمذي: " والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم لا نعلم بين المتقدمين منهم في ذلك اختلافًا في إجازة وقف الأرضين وغير ذلك " (^٥).
_________________
(١) مختصر الطحاوي ص ١٣٩، الكتاب ٢/ ١٨٠، أوقاف الخصاف ص ١٨، الإسعاف ص ٧، المبسوط ١٢/ ٢٧.
(٢) المدونة مع المقدمات ٢/ ٤١٨، أحكام القرآن لابن العربي ٢/ ٧٠٥، المنتقى ٦/ ١٢٢.
(٣) الأم ٤/ ٥٢، مختصر المزني ١٣٣، حلية العلماء ٦/ ١٣، المهذب ١/ ٥٧٨.
(٤) مسائل أحمد رواية الكوسج ٢/ ٥٤٣، رواية الخلال ١/ ٢٤٧، رواية أبي داود ص ٢٢١، شرح الزركشي ٥/ ٢٤٥١، المبدع ٥/ ٣١٢، مطالب أولي النهى ٤/ ٢٧١.
(٥) جامع الترمذي مع عارضة الأحوذي ٦/ ١٤٤٠.
[ ١ / ٦٦ ]
وقال ابن حزم: " صدقات الصحابة بالمدينة أشهر من الشمس لا يجهلها أحد " (^١).
وقال الموفق ابن قدامة: "وأكثر أهل العلم من السلف ومن بعدهم على القول بصحة الوقف " (^٢).
وقال النفراوي: " اختلف أهل الإسلام في حكمه، والصحيح -وهو مذهب الجمهور- جوازه بل ندبه؛ لأنه من أحسن ما تقرب به إلى الله تعالى" (^٣).
وقال الشيرازي: " الوقف قربة مندوب إليها، ويجوز وقف كل عين ينتفع بها على الدوام " (^٤).
وقال الخلال: أخبرنا محمد بن علي بن محمود الوراق: حدثنا صالح بن أحمد بن حنبل أنه قال لأبيه قول شريح: " لا حبس عن فرائض الله " قال أبي: هذا خلاف قول النبي ﷺ؛ لأن النبي ﷺ أمر عمر، وسأله عن أرض أصابها، فقال: " احبسها وسبل ثمرتها " (^٥).
وقال برهان الدين ابن مفلح: " وهو من القرب المندوب إليها. قال أحمد: من يرد الوقف إنما يرد السنة التي أجازها النبي ﷺ، وفعلها أصحابه " (^٦).
القول الثاني: التفصيل، فيصح في بعض الأشياء دون بعض.
_________________
(١) المحلى ١٠/ ١٨٣.
(٢) المغني ٨/ ١٨٥، مرجع سابق.
(٣) الفواكه الدواني ٢/ ٢٢٤.
(٤) المهذب ١/ ٤٤٠.
(٥) الوقوف للخلال ص ٤.
(٦) المبدع ٥/ ٣١٢.
[ ١ / ٦٧ ]
وبه قال ابن حزم.
قال ابن حزم: " التحبيس -وهو الوقف- جائز في الأصول من الدور والأرضين بما فيها من الغراس والبناء إن كانت فيها، وفي الأرحاء (^١)، وفي المصاحف والدفاتر، ويجوز أيضًا في العبيد، والسلاح، والخيل في سبيل الله ﷿ في الجهاد فقط لا في غير ذلك " (^٢).
القول الثالث: أن الوقف جائز شرعا في السلاح والكراع فقط، باطل فيما عدا ذلك.
وبه قال إبراهيم النخعي.
(٣) أخرج ابن الجعد: ثنا عبد الله قال: ثنا علي قال: أنا أبو إسحاق الفزاري، عن المغيرة، عن إبراهيم: " لا حبيس إلا حبيس في سبيل الله. قال: من سلاح أو كراع " (^٣).
القول الرابع: أن الوقف غير جائز إلا إذا اتصل به قضاء القاضي، أو أضافه إلى ما بعد الموت بأن قال: إذا مت فقد جعلت داري أو أرضي وقفا على كذا، أو قال: هو وقف في حياتي صدقة بعد وفاتي.
وبه قال أبو حنيفة نقله عنه متقدمو أصحابه، وحمله المتأخرون من أصحابه على أن المراد به: أنه غير لازم، أما أصل الجواز فثابت عنده.
_________________
(١) الرَّحا: التي يُطحَن فيها، تُكتَب بالألف والياء؛ لأنه يقال: رَحَوْت الرَّحا ورَحَيْتُها، وقالوا: رَحَوَان ورَحَيَان، وجمعها أَرْحَاء، فهذا هو الجمع المشهور، حتى إن سيبويه قال: ولا نعلمه كُسِر على غير ذلك، وقد حكى غيره: أَرْحٍ ورُحِيٌّ وأَرْحِيَة. (المخصص لابن سيده. مادة: رحى).
(٢) المحلى ١٠/ ١٧٣، مرجع سابق.
(٣) مسند ابن الجعد (٢٥٨٨) ٢/ ٩٠٣.
[ ١ / ٦٨ ]
قال محمد [بن] الحسن: " كان أبو حنيفة لا يجيز شيئًا من الحبس على وجه من الوجوه إلا في خصلة واحدة في الوصية عند الموت " (^١).
وجاء في وقف هلال: " قلت: أرأيت رجلًا قال: أرضي هذه، وسمى حدودها صدقة موقوفة؟ قال أبو حنيفة: هذا كله باطل لا يجوز، ولا يكون وقفًا، وله أن يحدث فيه ما بدا له بعد ذلك " (^٢).
وقال السرخسي: "وظن بعض أصحابنا أنه غير جائز على قول أبي حنيفة، وإليه يشير في ظاهر الرواية، فنقول: أما أبو حنيفة فيجيز ذلك، ومراده أنه لا يجعله لازمًا، وأما أصل الوقف فثابت عنده " (^٣).
وقال الكاساني: " ولا خلاف أيضا في جوازه في حق زوال ملك الرقبة إذا اتصل به قضاء القاضي أو أضافه إلى ما بعد الموت " (^٤).
القول الخامس: أن الوقف لا يجوز مطلقا.
وبه قال الشعبي (^٥)، وشريح (^٦).
قال السرخسي: "سئل الشعبي عن الحبس فقال: جاء محمد ﷺ ببيع الحبس" (^٧).
وقال الموفق ابن قدامة: "ولم ير شريح الوقف، وقال: لا حبس عن فرائض الله " (^٨).
_________________
(١) الحجة على أهل المدينة ص ٥٧، شرح السير الكبير ٥/ ٢٠١٨.
(٢) أحكام الوقف لهلال ص ٥.
(٣) المبسوط ١٢/ ٢٧.
(٤) بدائع الصنائع ٨/ ٣٩٠٨.
(٥) المبسوط ١٢/ ٢٩، نفسه.
(٦) وقف هلال ص ٥، الإسعاف ص ٧، المغني ٨/ ١٨٥، المبدع ٥/ ٣١٢.
(٧) المبسوط ١٢/ ٢٩، نفسه.
(٨) المغني ٨/ ١٨٥، مرجع سابق. (تعليق الشاملة): سقطت كلمة «بن» من المطبوع
[ ١ / ٦٩ ]
الأدلة:
أدلة القول الأول: (مشروعية الوقف)
استدل أصحاب هذا القول بما يلي:
١ - قوله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ (^١).
(٤) فقد روى البخاري ومسلم من طريق إسحاق بن عبد الله أنه سمع أنس بن مالك ﵁ يقول: فلما نزلت هذه الآية قام أبو طلحة فقال: يا رسول الله إن الله يقول: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾، وإن أحب أموالي إلي بيرحاء، وإنها صدقة لله أرجو برها وذخرها عند الله، فضعها حيث أراك الله، فقال: " بخ، ذلك مال رابح -أو رايح شك ابن مسلمة- وقد سمعت ما قلت، وإني أرى أن تجعلها في الأقربين " (^٢).
وبوّب له البخاري: باب: إذا وقف أرضا ولم يبين الحدود فهو جائز، وكذلك الصدقة (^٣).
٢ - قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ (١٢)﴾ (^٤).
وجه الدلالة: قال السعدي: " وآثارهم، وهي آثار الخير، وآثار الشر التي كانوا هم السبب في إيجادها في حال حياتهم ، أو عمل خيرًا من صلاة أو زكاة أو صدقة، أو إحسان فاقتدى به غيره، أو عمل مسجدًا، أو محلًا من المحال التي يرتفق بها الناس " (^٥).
_________________
(١) من آية ٩٢ من سورة آل عمران.
(٢) صحيح البخاري في الوصايا/ باب من تصدق إلى وكيله (٢٧٥٨)، وصحيح مسلم في الزكاة/ باب فضل النفقة والصدقة (٩٩٨).
(٣) التصرف في الوقف ١/ ٦٤، مرجع سابق.
(٤) آية ١٢ من سورة يس.
(٥) تفسير السعدي ص ٨١٦.
[ ١ / ٧٠ ]
٣ - قوله تعالى: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥)﴾ (^١)، وقوله تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ (^٢)، وقوله تعالى: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ (^٣)، وقوله تعالى: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ (^٤)، وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ﴾ (^٥)، وقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٨٠)﴾ (^٦).
وجه الدلالة: أن هذه الآيات ونحوها دلت على الإحسان على الفقراء والمساكين، والأقارب، والمسارعة إلى فعل الطاعات ووجوه الخير المتنوعة، ومن أعظم طرق ذلك ووسائله الوقف.
(٥) ٤ - ما رواه البخاري من طريق نافع، عن ابن عمر ﵄ قال: أصاب عمر بخيبر أرضًا، فأتى النبي ﷺ، فقال: أصبت أرضًا لم أصب مالًا قط أنفس فيه فكيف تأمرني به؟ قال: " إن شئت حبست أصلها وتصدّقت بها "، فتصدق عمر أنه لا يباع أصلها، ولا يوهب، ولا يورث في الفقراء، والقربى، والرقاب، وفي سبيل الله، والضيف، وابن السبيل لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف أو يطعم صديقا غير متمول فيه " (^٧).
قال النووي: " وفي هذا الحديث دليل على صحة أصل الوقف، وأنه مخالف لسوائب الجاهلية " (^٨).
_________________
(١) من آية ١٩٥ من سورة البقرة.
(٢) من آية ١٤٨ من سورة البقرة.
(٣) من آية ٢٦ من سورة الإسراء.
(٤) من آية ٧٧ من سورة الحج.
(٥) من آية ١١٥ من سورة آل عمران.
(٦) من آية ٢٨٠ من سورة البقرة.
(٧) صحيح البخاري (٢٦٢٠).
(٨) النووي على مسلم ١١/ ٨٦.
[ ١ / ٧١ ]
قال ابن حجر: " وحديث عمر هذا أصل في مشروعية الوقف " (^١).
(٦) ٥ - ما رواه البخاري من طريق طلحة بن أبي سعيد قال: سمعت سعيدًا المقبري يحدث أنه سمع أبا هريرة ﵁ يقول: قال النبي - ﷺ: " من احتبس فرسًا في سبيل الله إيمانا بالله وتصديقًا بوعده فإن شبعه، وريّه، وروثه، وبوله في ميزانه يوم القيامة " (^٢).
قال ابن حجر: " قال المهلب وغيره: في هذا الحديث جواز وقف الخيل للمدافعة عن المسلمين، ويستنبط منه جواز وقف غير الخيل من المنقولات، ومن غير المنقولات من باب الأولى " (^٣).
(٧) ٦ - ما رواه الترمذي من طريق أبي مسعود الجريري، عن ثمامة بن حزن القشيري قال: شهدت الدار حين أشرف عليهم عثمان، فقال: " ائتوني بصاحبيكم اللذين ألباكم علي، قال: فجيء بهما فكأنهما جملان أو كأنهما حماران، قال: فأشرف عليهم عثمان فقال: أنشدكم بالله والإسلام هل تعلمون أن رسول الله ﷺ قدم المدينة وليس بها ماء يستعذب غير بئر رومة، فقال رسول الله ﷺ: " من يشتري بئر رومة، فيجعل دلوه مع دلاء المسلمين بخير له منها في الجنة؟ فاشتريتها من صلب مالي " (^٤).
_________________
(١) فتح الباري ٥/ ٤٠٢.
(٢) صحيح البخاري في الجهاد/ باب من احتبس فرسا ٣/ ٢١٦.
(٣) سير أعلام النبلاء ١٧/ ٥٧٩، ترتيب المدارك ٤/ ٧٥١، فتح الباري ٦/ ٥٧.
(٤) سنن الترمذي (٣٧٠٣). وأخرجه النسائي (٦/ ٢٣٥)، وابن خزيمة في صحيحه (٤/ ١٢١)، وابن أبي عاصم في السنة (٢/ ٥٩٤)، والدارقطني في سننه (٢/ ١٩٦)، والضياء في المختارة (١/ ٤٤٨)، وعبد الله بن أحمد في زوائد المسند (١/ ٧٤)، والبيهقي في سننه (٦/ ١٦٨)، والنسائي أيضًا في الكبرى (٤/ ٩٧) وغيرهم. كلهم من طريق أبي مسعود الجريري واسمه سعيد بن إياس، عن ثمامة بن حزن .. به. ورواه عن أبي مسعود الجريري يحيى بن أبي الحجاج وهلال البصري. قال الترمذي: هذا حديث حسن، وقد روي من غير وجه عن عثمان. وهذا الخبر فيه ضعف؛ وذلك من أجل الجريري أبي مسعود وهو وإن كان من الثقات لكنه اختلط بآخره، فكان يلقن فيتلقن كذلك، قاله الحافظ ابن رجب في شرح العلل (٢/ ٧٤٢). إلا أن هذا الخبر جاء من عدة طرق عن عثمان ﵁، وفرقه الإمام البخاري رحمه الله تعالى في ثلاثة مواضع من صحيحه، فذكره تحت باب في الشرب ومن رأى صدقة الماء وهبته ووصيته جائزة في كتاب المساقاة، وذكره في مناقب عثمان، وذكره في باب إذا وقف أرضًا أو بئرًا واشترط لنفسه مثل دلاء المسلمين. قال: وقال عبدان: أخبرني أبي عن شعبة عن أبي إسحاق عن أبي عبد الرحمن أن عثمان ﵁ حيث حوصر أشرف عليهم، وقال: أنشدكم ولا أنشد إلا أصحاب النبي ﷺ ألستم تعلمون أن رسول الله ﷺ قال: " من حفر رومة فله الجنة "، فحفرتها؟ ألستم تعلمون أنه قال: " من جهز جيش العسرة فله الجنة "، فجهزتها؟ قال: فصدقوه بما قال. هكذا ذكره البخاري تعليقًا مجزومًا به وقد رواه الترمذي (٣٦٩٩)، والنسائي في سننه (٦/ ٢٣٦)، وفي الكبرى (٤/ ٩٨)، وابن خزيمة في صحيحه (٤/ ١٢١)، والدارقطني في سننه (٤/ ١٩٩)، وابن حبان في صحيحه (١٥/ ٣٤٨)، والبيهقي في سننه (٦/ ١٦٧)، والقطيعي في زياداته على فضائل الصحابة (١/ ٥١٦)، والضياء في المختارة (١/ ٤٨٢)، والحاكم في المستدرك (١/ ٤٢٠)، والبزار في مسنده (٢/ ٥٦)، وابن أبي شيبة في أخبار المدينة (٤/ ٥٠)، وغيرهم. كلهم من طريق أبي إسحاق السبيعي، عن أبي عبد الرحمن وهو السلمي -كما جاء مصرحًا به عند النسائي وغيره- عن عثمان ﵁ - … به. وقال الترمذي عقبه: هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه من حديث أبي عبد الرحمن السلمي عن عثمان. وصححه ابن خزيمة، وابن حبان، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. وصححه الضياء المقدسي كما في المختارة. ورواه عن أبي إسحاق شعبة وزيد بن أبي أنيسة عنه، عن أبي عبد الرحمنالسلمي … به. وخالفهما يونس بن أبي إسحاق وإسرائيل بن يونس، فروياه عن أبي إسحاق عن أبي سلمة أن عثمان أشرف عليهم حين حاصروه فقال: " أنشد بالله رجلًا سمع من رسول الله ﷺ يقول … " فذكره. ورواية يونس عن أبيه أخرجها أحمد في المسند (١/ ٥٩)، والنسائي (٦/ ٢٣٦)، وفي الكبرى (٤/ ٩٧)، والدارقطني في سننه (٤/ ١٩٨)، والضياء في المختارة (١/ ٥٢٨)، وغيرهم. كلهم من طريق يونس عن أبي إسحاق … به. ورواية إسرائيل أخرجها الدارقطني في سننه (٤/ ١٩٨). ولكن هذا الإسناد الظاهر أنه منقطع؛ فإن أبا سلمة يظهر أنه لم يسمع من عثمان. قال المزي في تهذيب الكمال في ترجمته: روى عن أبيه، وعثمان بن عفان، وطلحة، وعبادة بن الصامت، وقيل لم يسمع منهما ". وقال ابن حجر -معلقًا على هذا-: " وذكر المزي أنه لم يسمع من طلحة ولا من عبادة ابن الصامت، فأما عدم سماعه من طلحة فرواه ابن أبي خيثمة والدوري عن ابن معين، وأما عدم سماعه من عبادة فقاله ابن خراش، ولئن كان كذلك فلم يسمع أيضًا من عثمان ولا من أبي الدرداء، فإن كلًا منهما مات قبل طلحة، والله تعالى أعلم ". تهذيب التهذيب (١٢/ ١٠٥). وقال ابن رجب في فتح الباري (٣/ ٣٠٢): " وفي سماع أبي سلمة من عثمان نظر ". ومما يدل على أن أبا سلمة لم يسمع هذا من عثمان: أنه روى ابن شبة في أخبار المدينة (٤/ ٦٥) نحو هذا الخبر. وقال: " فيه أبو سلمة بلغني أن أبا قتادة ورجلًا آخر معه دخلا على عثمان ﵁ وهو محصور فاستأذناه في الحج … إلخ ". قال ابن شبة: أخبرنا إبراهيم بن المنذر، حدثنا عبد الله بن وهب، أنبأنا يونس بن يزيد عن ابن شهاب عن أبي سلمة … فذكره. وهذا مما يؤكد أن أبا سلمة لم يحضر هذه الواقعة ولم يسمع ذلك من عثمان ﵁. هذا فيما يتعلق برواية أبي سلمة عن عثمان ﵁، أما بالنسبة إلى الاختلاف فيه على أبي إسحاق وهل هو من روايته عن أبي عبد الرحمن السلمي، أو من روايته عن أبي سلمة أو أن الطريقين كلاهما صحيح؟ ظاهر صنيع البخاري أن رواية شعبة ومن تابعه هي الصواب، وأن رواية يونس وإسرائيل خطأ. وقال البزار عقب روايته له: " وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن عثمان إلا من هذا الوجه الذي ذكرناه إلا أن يكون يونس بن أبي إسحاق قد خالف في إسناده فرواه عن أبيه عن أبي سلمة، ونحن لم نحفظه إلا من حديث أبي إسحاق عن أبي عبد الرحمن، ولا رواه عن شعبة إلا عثمان بن جبلة ". وقال الدارقطني في علله (٣/ ٥٢): " يرويه أبو إسحاق السبيعي واختلف عليه ". فرواه زيد بن أبي أنيسة وشعبة وعبد الكبير بن دينار، عن أبي إسحاق، عن أبي عبد الرحمن السلمي، وخالفهم يونس بن أبي إسحاق، وإسرائيل بن يونس فروياه عن أبي إسحاق عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، وقول شعبة ومن تابعه أولى بالصواب والله أعلم". فقول أئمة العلل والمبرزين فيه تقديم طريق شعبة ومن تابعه عن أبي إسحاق على طريق ابنه وحفيده بينما ذهب الضياء في المختارة (١/ ٥٣٠)، والحافظ ابن حجر في فتح الباري (٥/ ٥١١) إلى أن كلا الطريقين صحيح. قال الضياء: " وليس ببعيد أن تكون الروايتان صوابًا، فإن في هذه الرواية زيادة على تلك الرواية فيكون أبو إسحاق سمعه منهما، يرويه مرة عن هذا ومرة عن ذاك، والله أعلم ". وقال الحافظ ابن حجر في فتح الباري (٥/ ٥١١) -بعد نقله كلام الدارقطني-: " واتفاق شعبة وزيد بن أبي أنيسة على روايته هكذا أرجح من انفراد يونس عن أبي إسحاق، إلا أن الرجل أعرف به من غيرهم فيتعارض الترجيح فلعل لأبي إسحاق فيه إسنادين ". ولكن بالنظر في كلام أئمة العلل ومقارنتهم لأصحاب أبي إسحاق وخصوصًا مقارنتهم لشعبة مع غيره نجدهم يكادون يطبقون على تقديم شعبة على يونس وإسرائيل، فقدمه ابن معين، والإمام أحمد، وأبو زرعة، والترمذي وغيرهم. فإن قيل: البخاري والترمذي رحمهما الله تعالى قدما رواية إسرائيل ومن تابعه في حديث: " لا نكاح إلا بولي "، وهي موصولة على رواية شعبة وسفيان وهي مرسلة. فالجواب: أن البخاري والترمذي لم يقدما رواية إسرائيل ومن تابعه باعتبار أنها أصح من رواية شعبة، وإنما لأجل أنها احتفت قرينة توجب عندهما تقديم رواية إسرائيل، وهي ما صرح بها الترمذي ﵀ من اختلاف المحلين. والدليل على ذلك أيضًا: أن الترمذي وهو يتكلم على ترجيح إحدى الروايتين قال: وإن كان شعبة والثوري أحفظ وأثبت من جميع هؤلاء الذين رووا عن أبي إسحاق هذا الحديث فظهر بهذا -والله أعلم- تقديم رواية شعبة وزيد على رواية يونس وإسرائيل. بقي الكلام على قول البزار: ولا رواه عن شعبة إلا عثمان بن جبلة. ومثل قول الدارقطني كما في أطراف الغرائب والأفراد (١/ ١٧٣): " تفرد به عثمان بن جبلة بن أبي رواد عن شعبة عن أبي إسحاق عن أبي عبد الرحمن ". وقد أجاب عن ذلك الحافظ ابن حجر في الفتح (٥/ ٥١١) بقوله: " وتفرد عثمان لا يضر فإنه ثقة ". وقد جاء هذا الخبر من عدة طرق عن عثمان ﵁ غير ما ذكرت لكن ما ذكرت هو أحسنها. وقال ابن الملقن في البدر المنير (٧/ ١٠٤): " هذا الحديث صحيح ذكره البخاري في موضعين من صحيحه بغير إسناد ". وقد تقدم أن البخاري ذكره في ثلاثة مواضع. وقال الحافظ بن حجر في الإصابة (٢/ ٤٦٢): " وجاء من طرق كثيرة شهيرة صحيحة عن عثمان لما أن حصروه أنشد الصحابة في أشياء منها تجهيزه جيش العسرة … ومنها شراؤه بئر رومة ".
[ ١ / ٧٢ ]
فهذا الحديث أورده كل من الدارقطني والبيهقي في الأوقاف كدليل على اتخاذ السقايات (^١).
(٨) ٧ - ما رواه ابن ماجه من طريق مرزوق بن أبي الهذيل، حدثني الزهري، حدثني أبو عبد الله الأغر، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: " إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته: علما علّمه ونشره، وولدا صالحًا تركه، ومصحفًا ورّثه، أو مسجدًا بناه، أو بيتا لابن السبيل
_________________
(١) انظر: الدارقطي ٤/ ١٩٧، البيهقي ٦/ ١٦٨.
[ ١ / ٧٦ ]
بناه، أو نهرا أجراه، أو صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته يلحقه من بعد موته" (^١).
فقد أورده ابن خزيمة في كتاب الصدقات والأحباس دليلًا على فضل بناء السوق لأبناء السابلة، وحفر الأنهار للشارب (^٢).
(٩) ٨ - ما رواه مسلم من طريق العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له " (^٣).
قال النووي: " فيه دليل لصحة أصل الوقف وعظيم ثوابه، فالصدقة الجارية هي الوقف" (^٤).
(١٠) ٩ - ما رواه البخاري من طريق أبي إسحاق، عن عمرو بن الحارث ختن (^٥) رسول الله ﷺ أخي جويرية بنت الحارث قال: " ما ترك
_________________
(١) سنن ابن ماجه في المقدمة/ باب ثواب معلم الناس الخير (٢٤٢)، وأخرجه ابن خزيمة في صحيحه/ باب فضائل بناء السوق (٢٤٩٠)، ومن طريقه البيهقي في الشعب (٣٤٤٨). الحكم على الحديث: الحديث حسنه المنذري في الترغيب والترهيب ١/ ٥٨. وفي إسناده مرزوق بن أبي الهذيل، قال الحافظ في التقريب ٢/ ٢٣٧: " لين الحديث ".
(٢) صحيح ابن خزيمة ٤/ ١٢١.
(٣) صحيح مسلم (١٦٣١).
(٤) النووي على مسلم ١١/ ٨٥.
(٥) الختن: كل من كان من قبل المرأة، مثل: الأب والأخ، قال ابن الأعرابي: الختن: أبو امرأة الرجل وأخو امرأته، وكل من كان قبل امرأته. ويقال: الختن لزوج البنت والأخت (انظر: لسان العرب. مادة ختن).
[ ١ / ٧٧ ]
رسول الله ﷺ عند موته درهمًا، ولا دينارًا، ولا عبدًا ولا أمةً، ولا شيئًا إلا بغلته البيضاء وسلاحه، وأرضًا جعلها صدقةً " (^١).
قال ابن حجر: "إنه تصدق بمنفعة الأرض، فصار حكمها حكم الوقف" (^٢).
كذلك أورده النسائي، وجعله أول حديث في كتاب الأحباس (^٣).
(١١) ١٠ - ما رواه أبو داود: حدثنا هشام بن عمار، حدثنا حاتم بن إسماعيل، ح وحدثنا سليمان بن داود المهرى، أخبرنا ابن وهب، أخبرنى عبد العزيز بن محمد، ح، وحدثنا نصر بن على، حدثنا صفوان بن عيسى -وهذا لفظ حديثه- كلهم عن أسامة بن زيد، عن الزهري، عن مالك بن أوس بن الحدثان قال: كان فيما احتج به عمر ﵁ - أنه قال: " كانت لرسول الله ﷺ ثلاث صفايا: بنو النضير، وخيبر، وفدك، فأما بنو النضير فكانت حبسًا لنوائبه، وأما فدك فكانت حبسًا لأبناء السبيل، وأما خيبر فجزأها رسول الله ﷺ ثلاثة أجزاء: جزءين بين المسلمين، وجزءًا نفقة لأهله، فما فضل عن نفقة أهله جعله بين فقراء المهاجرين" (^٤).
_________________
(١) أخرجه البخاري في الوصايا - باب الوصايا ٣/ ١٨٦، وفي الجهاد باب بغلة النبي ﷺ ٣/ ٢٢، والنسائي في الأحباس ٦/ ٢٢٩.
(٢) فتح الباري ٥/ ٣٦٠.
(٣) سنن النسائي ٦/ ٢٢٩.
(٤) سنن أبي داود في باب صفايا رسول الله ﷺ من الأموال، من كتاب الخراج والإمارة الفيء (٢٩٦٧) ٣/ ٣٧٥، ومن طريقه البيهقي في السنن الكبرى في باب ما أبيح له من أربعة أخماس الفيء …، من كتاب النكاح ٧/ ٥٩، والضياء في المختارة (٢٧٤)، وأخرجه البزار (٢٥٦) من طريق صفوان بن عيسى عن أسامة، به. والحديث سكت عنه أبو داود، والمنذري، وحسنه الضياء في المختارة.
[ ١ / ٧٨ ]
(١٢) ١١ - ما رواه البيهقي من طريق الأعمش، عن إبراهيم، عن مسروق، عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ "جعل سبع حيطان له بالمدينة صدقة على بني عبد المطلب، وبني هاشم " (^١).
(١٣) ١٢ - ما رواه البخاري ومسلم من طريق عروة بن الزبير، عن عائشة ﵂ أن فاطمة ﵂ بنت رسول الله ﷺ أرسلت إلى أبي بكر ﵁ تسأله ميراثها من رسول الله ﷺ مما أفاء الله عليه بالمدينة، وفدك، وما بقي من خمس خيبر. فقال أبو بكر ﵁: إن رسول الله قال: " لا نورث، ما تركناه صدقة، إنما يأكل آل محمد في هذا المال "، وإني والله لا أغير شيئًا من صدقة رسول الله ﷺ على حالها التي كانت عليه في عهد رسول الله ﷺ (^٢).
(١٤) ١٣ - ما رواه البخاري ومسلم من طريق عبد الله بن كعب قال: سمعت كعب بن مالك يقول: قلت: يا رسول الله إن من توبتي أن أنخلع من
_________________
(١) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى في باب الصدقات المحرمات، من كتاب الوقف ٦/ ١٦٠. مسروق لم يسمع من عائشة ﵂. وأخرجه ابن سعد في الطبقات ١/ ٥٠١، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق ١٠/ ٢٢٩، عن محمد بن عمر (وهو الواقدي) حدثني محمد بن بشر بن حميد عن أبيه قال: سمعت عمر بن عبد العزيز يقول في خلافته: سمعت بالمدينة، والناس يومئذ بها كثير من مشيخة المهاجرين، والأنصار (إن حوائط النبي ﷺ يعني السبعة التي أوقف من أموال مخيريق، وقال: إن أصبت فأموالي لمحمد يضعها حيث أراه الله). وهذا الإسناد فيه علل منها: أن الواقدي متهم بالكذب. ومنها أنه معضل.
(٢) صحيح البخاري/ باب غزوة خيبر من كتاب المغازي (٤٢٤٠) الفتح ٧/ ٥٦٤، ومسلم في باب قول النبي ﷺ لا نورث ..، من كتاب الجهاد والسير (١٧٥٩)، ٣/ ١٣٨٠.
[ ١ / ٧٩ ]
مالي صدقة إلى الله وإلى رسوله ﷺ، قال: " أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك " قلت: أمسك سهمي الذي بخيبر (^١).
وجه الدلالة: أن الرسول ﷺ أقره على وقف بعض ماله، وهذا الحديث عقد له الإمام البخاري بابًا أسماه: باب إذا تصدق، أو وقف بعض ماله، أو بعض رقيقه، أو دوابه فهو جائز (^٢).
(١٥) ١٤ - ما رواه البخاري ومسلم من طريق أبي التياح قال: حدثني أنس بن مالك ﵁: لما قدم رسول الله ﷺ المدينة أمر بالمسجد وقال: " يا بني النجار ثامنوني بحائطكم هذا ". قالوا: لا والله لا نطلب ثمنه إلا إلى الله (^٣).
فقد أقر الرسول ﷺ صدقتهم هذه وقبلها.
(١٦) ١٥ - ما رواه البخاري ومسلم من طريق الأعرج، عن أبي هريرة ﵁ قال: أمر رسول الله ﷺ بالصدقة فقيل: منع ابن جميل وخالد بن الوليد وعباس بن عبد المطلب، فقال النبي ﷺ: " ما ينقم ابن جميل إلا أنه كان فقيرا فأغناه الله ورسوله، وأما خالد فإنكم تظلمون خالدًا قد احتبس أدرعه (^٤) وأعتده في سبيل الله … " (^٥).
قال النووي: " وفيه دليل على صحة الوقف" (^٦).
_________________
(١) صحيح البخاري في الوصايا/ باب إذا تصدق أو وقف بعض ماله ٣/ ١٩٢، ومسلم في التوبة/ باب حديث توبة كعب ابن مالك وصاحبيه (٢٧٦٩).
(٢) صحيح البخاري ٣/ ١٩٢.
(٣) صحيح البخاري في فضائل المدينة/ باب حرم المدينة (١٨٦٨)، ومسلم -كتاب المساجد/ باب ابتناء مسجد النبي ﷺ (٥٢٤).
(٤) أدرعه: جمع درع وهو: لبوس الحديد، تذكر وتؤنث. انظر: لسان العرب مادة "درع"
(٥) صحيح البخاري في الزكاة/ باب قوله تعالى: وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله ٢/ ١٢٩، ومسلم في الزكاة/ باب في تقديم الزكاة ومنعها (٩٨٣).
(٦) النووي على مسلم ٧/ ٥٦.
[ ١ / ٨٠ ]
وقال ابن حجر: "واستدل بقصة خالد على مشروعية تحبيس الحيوان والسلاح " (^١).
(١٧) ١٦ - ما رواه ابن شبة من طريق سليمان بن بلال، عن جعفر، عن أبيه: أن عمر ﵁ قطع لعلي بن أبي طالب ﵁ ينبع، ثم اشترى علي إلى قطيعة عمر أشياء فحفر فيها عينًا، فبينما هم يعملون فيها إذ انفجر عليهم مثل عنق الجزور من الماء فأتي علي فبشر بذلك، فقال: يسر الوارث … ثم تصدق بها على الفقراء والمساكين، وفي سبيل الله، وابن السبيل القريب والبعيد، وفي السلم، وفي الحرب ليوم تبيض فيه وجوه، وتسود وجوه؛ ليصرف الله بها وجهي عن النار " (^٢).
(منقطع؛ محمد بن علي بن الحسين لم يسمع من جده على ﵁.
١٧ - حكى القرطبي ﵀ إجماع الصحابة على جواز الوقف فقال: "إن المسألة إجماع من الصحابة، وذلك أن أبا بكر، وعمر، وعثمان، وعليا، وعائشة، وفاطمة، وعمرو بن العاص، وابن الزبير، وجابرًا، كلهم وقفوا الأوقاف، وأوقافهم بمكة والمدينة معروفة مشهورة " (^٣).
(١٨) ما رواه الخصاف في أحكام الأوقاف قال: محمد بن عمر
_________________
(١) فتح الباري ٣/ ٣٣٩.
(٢) أخبار المدينة لابن شبة ١/ ٢١٢، وأخرجه البيهقي أيضًا في السنن ٦/ ١٦٠ من طريق جعفر بن محمد عن أبيه به، وأخرجه ابن شبة في أخبار المدينة ١/ ٢١٣ من طريق ابن أبي يحيى عن محمد بن كعب القرضي عن عمار بن ياسر ﵃ قال: " أقطع النبي ﷺ عليًا ﵁ بذي العشيرة من ينبع، ثم أقطعه عمر ﷺ بعدما استخلف " بنحوه. وفي إسناده ابن أبي يحيى، وهو ضعيف (الجرح والتعديل ٢/ ١٢٥، الكامل لابن عدي ١/ ٢١٧).
(٣) تفسير القرطبي ٦/ ٣٣٩.
[ ١ / ٨١ ]
الواقدي حدثني قدامة بن موسى بن بشير مولى المازنيين قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: " لما كتب عمر بن الخطاب ﵁ صدقته في خلافته دعا نفرًا من المهاجرين والأنصار فأحضرهم وأشهدهم على ذلك فانتشر خبرها، قال جابر: فما أعلم أحدًا ذا مقدرة من أصحاب رسول الله ﷺ من المهاجرين والأنصار إلا حبس مالًا من ماله صدقة موقوفة لا تشترى ولا تورث ولا توهب ".
قال قدامة بن موسى: وسمعت محمد بن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة يقول: ما أعلم أحدًا من أصحاب رسول الله ﷺ من أهل بدر من المهاجرين والأنصار إلا وقد وقف من ماله حبسًا لا يشترى ولا يورث ولا يوهب حتى يرث الله الأرض ومن عليها (^١).
وقال الشافعي: " بلغني أن أكثر من ثمانين رجلًا من أصحاب النبي ﷺ من الأنصار تصدقوا بصدقات محرمات، … وقد حفظنا الصدقات عن عدد كثير من المهاجرين والأنصار، وإن نقل الحديث فيها كالتكلف " (^٢).
_________________
(١) وهذا الأثر أثر منكر. الواقدي: متهم بالكذب، رماه به الإمام أحمد وغيره، وقال عنه الذهبي في الميزان (٣/ ٦٦٦): استقر الإجماع على وهن الواقدي. وشيخ الواقدي: قدامة بن موسى غير مشهور، وإلا لعله وقع تصحيف لاسيما وأن النسخة التي بين يدي فيها تصحيفات كثيرة، ولعل الصواب (قدامة بن موسى عن بشير مولى المازنيين) فإن الواقدي من المكثرين عن قدامة بن موسى الجمحي، إمام المسجد النبوي وهو ثقة، وقدامة بن موسى ذكر ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٢/ ٣٨١) في ترجمة بشير أنه ممن روى عن بشير مولى المازنيين وذكر أن بشيرا يروي عن جابر بن عبد الله، والله أعلم. وقد ذكر ابن حزم في المحلى (٨/ ١٥٠) نحو هذا الأثر قال: إن عبد الملك بن حبيب روى عن الواقدي قال: " ما من أحد من أصحاب رسول الله ﷺ إلا وقد أوقف وحبس أرضًا إلا عبد الرحمن بن عوف … ".
(٢) الأم ٤/ ٥٣.
[ ١ / ٨٢ ]
قال ابن حزم: "جملة صدقات الصحابة بالمدينة أشهر من الشمس لا يجهلها أحد" (^١).
وقال البغوي: " والعمل على هذا عند عامة أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ، ومن بعدهم من المتقدمين لم يختلفوا في إجازة وقف الأرضين وغيرها من المنقولات، وللمهاجرين والأنصار أوقاف بالمدينة وغيرها لم ينقل عن أحد منهم أنه أنكره، ولا عن واقف أنه رجع عما فعله لحاجة وغيرها " (^٢).
وقال ابن قدامه عن قول جابر ﵁: " لم يكن أحد من أصحاب النبي ﷺ ذا مقدرة إلا وقف " قال: " وهذا إجماع منهم، فإن الذي قدر منهم على الوقف وقف وأشهر ذلك، فلم ينكره أحد، فكان إجماعًا " (^٣).
ونوقش الاستدلال بأوقاف الصحابة ﵃: بأنها لا تخلو من أمرين:
أحدهما: أن تكون في زمن رسول الله ﷺ، فيحتمل أنها كانت قبل نزول سورة النساء، فلم تقع حبسًا عن فرائض الله تعالى.
الثاني: أن تكون بعد وفاة الرسول ﷺ، فهذا يحتمل أن ورثتهم أمضوها بالإجازة، وهذا هو الظاهر ولا كلام فيه (^٤).
وأجيب: بأنه مردود؛ إذ إن قولهم: إنها كانت قبل نزول سورة النساء يرده وقف عمر بن الخطاب ﵁ لثمغ حين رجع رسول الله ﷺ من خيبر سنة سبع من الهجرة كما أوضحناه سابقًا.
في حين أن سورة النساء وأخص آية المواريث نزلت قبل ذلك بكثير؛
(١٩) لما رواه الترمذي من طريق عبيد الله بن عمرو، عن عبد الله بن
_________________
(١) المحلى ٨/ ١٥٠.
(٢) شرح السنة ٨/ ٢٨٨.
(٣) المغني ٨/ ١٨٦.
(٤) بدائع الصنائع ٨/ ٣٩٠٩ - ٣٩٠٩.
[ ١ / ٨٣ ]
محمد بن عقيل، عن جابر بن عبد الله قال: جاءت امرأة سعد بن الربيع بابنتيها من سعد إلى رسول الله ﷺ، فقالت: يا رسول الله، هاتان ابنتا سعد بن الربيع، قتل أبوهما معك يوم أحد شهيدا، وإن عمهما أخذ مالهما، فلم يدع لهما مالا، ولا تنكحان إلا ولهما مال، قال: «يقضي الله في ذلك» فنزلت: آية الميراث، فبعث رسول الله ﷺ إلى عمهما، فقال: «أعط ابنتي سعد الثلثين، وأعط أمهما الثمن، وما بقي فهو لك» (^١).
ولا يخفى أن أحدًا كانت في السنة الثالثة من الهجرة، فأين هي من السنة السابعة التي وقع فيها أول وقف في الإسلام على قول بعض أهل العلم كما سبق بيانه (^٢).
_________________
(١) سنن الترمذي في الفرائض/ باب ما جاء في ميراث البنات (٢٠٩٢). وأحمد ٢٣/ ١٠٨، وأبو داود في الفرائض/ باب ما جاء في ميراث الصلب (٢٨٩١) من طريق بشر بن المفضل، وفي (٢٨٩٢) من طريق داود بن قيس، وابن ماجة في الفرائض/ باب فرائض الصلب (٢٧٢٠) من طريق ابن عيينة، أربعتهم (بشر، وداود، وعبيد الله، وابن عيينة) عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر ﵄. الحكم على الحديث: قال الترمذي: حسن صحيح، والحديث مداره على عبد الله ابن محمد بن عقيل، قال الإمام أحمد في رواية، وابن سعد: " منكر الحديث ". وقال ابن المديني، والنسائي في رواية عنهما: " ضعيف ". وقال ابن حاتم: " لين الحديث ليس بالقوي "، وقال البخاري: " مقارب الحديث "، وصحح له الإمام أحمد حديثا، وحسن البخاري ذلك الحديث، وقال عمر بن علي الفلاس " رأيت يحيى يعني القطان، وعبد الرحمن يعني ابن المهدي يحدثان عنه، والناس يختلفون فيه "، وقال الحاكم: " مستقيم الحديث "، وقال الذهبي: "حديثه في مرتبة الحسن "، وقال ابن حجر في التقريب: " صدوق في حديثه لين، ويقال تغير بآخرة". ولعل الحديث محتمل للتحسين لسلامة متنه وضبط ابن عقيل له.
(٢) ينظر: مبحث أول وقف في الإسلام.
[ ١ / ٨٤ ]
وأما قولهم: إن ما كان بعد وفاة الرسول ﷺ فقد أمضاها ورثة الصحابة بالإجازة فهو قول مردود -أيضًا- فقد ترك عمر ﵁ ولديه زيدا وأخته صغيرين جدا، وكذلك عثمان وعلي -رضوان الله عليهم- وغيرهم، فلو كان الحبس غير جائز لما حل ترك أنصباء الصغار تمضي حبسًا (^١)، ولا يخفى أن الصغار ليسوا من أهل الإجازة والتبرعات.
١٨ - أن الوقف جائز؛ لأنه إزالة ملك يلزم بالوصية، فإذا نجزه حال الحياة لزم من غير حكم كالعتق (^٢).
دليل القول الثاني: (التفصيل بين صحة وقف البعض دون البعض)
الاقتصار على ما ورد به الأثر بوقفه دون ما لم يرد به الأثر.
ونوقش هذا الاستدلال من وجوه:
الوجه الأول: أن هذه الآثار ليس فيها دلالة على حصر الوقف في هذه الأشياء دون غيرها.
الوجه الثاني: أن الأصل في الوقف أنه قربه مأمور بها، وعلى هذا يكثر منه، ولا يقصر على أشياء دون غيرها.
الوجه الثالث: أن الشريعة لا تفرق بين المتماثلات.
أدلة القول الثالث: (يجوز في السلاح والكراع فقط)
استدل لهذا الرأي بما يأتي:
(٢٠) ١ - ما رواه البخاري ومسلم من طريق مالك بن أوس بن الحدثان، عن عمر ﵁ قال: " كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله ﷺ مما لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب، فكانت لرسول
_________________
(١) المحلى، مصدر سابق، ١٠/ ١٨٥.
(٢) المغني، مصدر سابق، ٥/ ٥٩٩.
[ ١ / ٨٥ ]
الله ﷺ خاصة، وكان ينفق على أهله نفقة سنته، ثم يجعل ما بقي في السلاح والكراع عدة في سبيل الله " (^١).
ونوقش هذا الاستدلال: بقول ابن حزم ﵀: " إنه كما يجب القول بما صح عن النبي ﷺ في هذا الحديث من وقف السلاح والكراع، كذلك يجب القول بما صح عنه ﷺ من إيقاف غير الكراع والسلاح، فلا نقصر الوقف على الكراع والسلاح " (^٢).
(٢١) ٢ - ما رواه ابن أبي شيبة: حدثنا هشيم، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي قال: قال على ﵁: " لا حبس عن فرائض الله إلا ما كان من سلاح أو كراع " (^٣).
ونوقش هذا الاستدلال: بأن المراد حبس الجاهلية، كما صرفه الإمام مالك إلى حبس الجاهلية عندما اعترضه أبو يوسف بهذا الدليل،
(٢٢) روى البيهقي عن الشافعي ﵀ قال: " اجتمع مالك وأبو يوسف عند أمير المؤمنين فتكلما في الوقف وما يحبسه الناس.
فقال يعقوب: هذا باطل. قال شريح: جاء محمد ﷺ بإطلاق الحبس.
فقال مالك: إنما جاء محمد ﷺ بإطلاق ما كانوا يحبسونه لآلهتهم من البحيرة، والسائبة، فأما الوقف، فهذا وقف عمر بن الخطاب ﵁ حيث استأذن النبي ﷺ فقال: " حبس أصلها وسبل ثمرتها ".
فأعجب الخليفة ذلك منه، وبقي يعقوب (^٤).
_________________
(١) صحيح البخاري في الجهاد/ باب المجن (٢٩٠٤)، ومسلم في الجهاد/ باب حكم الفيء (١٧٥٧).
(٢) المحلى ١٠/ ١٧٥.
(٣) مصنف ابن أبي شيبة (٢٠٩٢٢)، وفي إسناده هشيم بن بشير ثقة كثير التدليس.
(٤) السنن الكبرى - الوقف/ باب من قال لا حبس عن فرائض الله ٦/ ١٦٣.
[ ١ / ٨٦ ]
(٢٣) ٣ - ما رواه ابن أبي شيبة من طريق القاسم، عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه قال: " لا حبس إلا في سلاح أو كراع " (^١) (منقطع).
(٢٤) ٤ - ما رواه ابن أبي شيبة من طريق حميد بن عبد الرحمن، عن حسن، عن مغيرة، عن إبراهيم قال: "كانوا يحبسون الفرس والسلاح في سبيل الله" (^٢).
ونوقش من وجهين:
الوجه الأول: أن خبر إبراهيم هذا حكاية أنهم كانوا يوقفون السلاح والفرس في سبيل الله، ونحن موافقون على جواز وقف الفرس والسلاح، لكن ليس فيه دلالة على قصر الوقف على الفرس والسلاح.
الوجه الثاني: قيل للإمام أحمد: قوله " ما كانوا يحبسون إلا الكراع والسلاح؟
قال: " ليس ذا شيئًا أصحاب رسول الله ﷺ أوقفوا الدور والأرضين " (^٣).
أدلة القول الرابع:
استدل أصحاب هذا القول بما يلي:
(٢٥) ١ - ما رواه الدارقطني من طريق ابن لهيعة، عن أخيه عيسى بن
_________________
(١) مصنف ابن أبي شيبة ٦/ ٢٥٠، وابن حزم في المحلى ٨/ ١٥٠، وابن الجعد في المسند ص ٢٦٠ من طريق هشيم بن بشير عن مطرف، وهو منقطع؛ القاسم لم يدرك جده ابن مسعود (تهذيب الكمال ٦/ ٧٢). وطريق هشيم عن مطرف رواه ابن عيينة ومحمد بن فضيل عن مطرف عن رجل عن القاسم.
(٢) مصنف ابن أبي شيبة (٩٧٣) في البيوع/ باب في الرجل يجعل الشيء حبسا في سبيل.
(٣) الوقوف ١/ ٢٤٤.
[ ١ / ٨٧ ]
لهيعة، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ أنه قال: قال رسول الله ﷺ: " لا حبس عن فرائض الله ﷿ " (^١).
أي لا مال يحبس بعد موت صاحبه عن القسمة بين ورثته، والواقف حبس عن فرائض الله تعالى فكان منفيا شرعا (^٢).
ونوقش هذا الدليل: بأنه مردود من وجوه:
الوجه الأول: أن الحديث ضعيف.
الوجه الثاني: أنه لو صح، فقد ذكر ابن حزم: أنه يلزم أن يكون منسوخًا؛ وذلك لأن الحبس وقع من الصحابة بعده، وبعلم رسول الله ﷺ إلى أن مات ﵇ (^٣).
الوجه الثالث: أن قولهم فاسد؛ لأنهم لا يختلفون في جواز الهبة والصدقة في الحياة والوصية بعد الموت، وكل هذه مسقطة لفرائض الورثة عما لو لم تكن فيه لورثوه على فرائض الله ﷿، فيجب بهذا القول إبطال كل هبة، وكل وصية؛ لأنها مانعة من فرائض الله تعالى بالمواريث.
فإن قالوا: هذه شرائع جاء بها النص:
قلنا: والحبس شريعة جاء بها النص، ولولا ذلك لم يجز (^٤).
_________________
(١) سنن الدارقطني في الفرائض ٤/ ٦٨، ومن طريقه البيهقي في الوقف/ باب من قال: لا حبس عن فرائض الله ﷿ ٦/ ١٦٢. الحكم على الحديث: الحديث ضعيف، علته ابن لهيعة وأخوه. قال الدارقطني: " لم يسنده غير ابن لهيعة عن أخيه، وهما ضعيفان، وهذا اللفظ إنما يعرف من قول شريح القاضي ".
(٢) بدائع الصنائع ٨/ ٣٩٠٩.
(٣) المحلى، مصدرسابق، ١٠/ ١٧٨.
(٤) المصدر السابق.
[ ١ / ٨٨ ]
ولهذا لزم صرف المراد بالحبس إلى أحباس الجاهلية التي كانوا يحبسونها وهي البحيرة والسائبة، والوصيلة، والحامي. ولهذا قال مالك في مناظرته لأبي يوسف عند الرشيد: "والحبس الذي جاء محمد ﷺ بإطلاقها التي في كتاب الله تعالى (^١): ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ﴾ (^٢).
الوجه الرابع: على فرض صحته فهو محمول على أنه لا يحبس عن وارث شيء جعله الله تعالى له بعد نزول آية المواريث، وقد كانوا في الجاهلية يورثون الرجال المحاربين، ويمنعون الإناث، والصغار (^٣).
الوجه الخامس: أن حق الوارث لا يتعلق بالتركة إلا بعد مرض أو موت المورث، فما صدر من المالك حال الصحة، فليس للوارث فيه شيء حتى يقال بأنه حبس عن ميراثه (^٤).
(٢٦) ٢ - ما رواه البيهقي قال: أخبرنا أبو زكريا يحيى بن إبراهيم المزكي، ثنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب، ثنا أبو أحمد محمد بن عبد الوهاب، أنبأ جعفر بن عون أنبأ مسعر، عن أبي عون، عن شريح قال: " جاء محمد ﷺ بمنع الحبس " (^٥).
قالوا: وهذا منه رواية عن النبي ﷺ أنه يجوز بيع الموقوف؛ لأن الحبيس هو الموقوف فعيل بمعني المفعول؛ إذ الوقف حبس لغة، فكان
_________________
(١) أحكام القران لابن العربي ٢/ ٧٠٤.
(٢) من آية ١٠٣ من سورة المائدة.
(٣) الإسعاف ص ١٠.
(٤) الأم ٤/ ٥٨.
(٥) أخرجه البيهقي في الوقف/ باب من قال لا حبس عن فرائض الله ﷿ ٦/ ١٦٣، وشريح يشير بذلك إلى ما ورد عن الرسول ﷺ أنه قال: لا حبس عن فرائض الله ﷿، وقد سبق ضعف هذا الحديث.
[ ١ / ٨٩ ]
الوقف محبوسا فيجوز بيعه، وبه تبين أن الوقف لا يوجب زوال الرقبة عن ملك الواقف (^١).
وأما وقف رسول الله ﷺ فإنما جاز؛ لأن المنع من الوقف كونه حبسا عن فرائض الله ﷿ ووقف رسول الله ﷺ لم يقع حبسا عن فرائض الله تعالى لقوله ﷺ: " لا نورث ما تركناه صدقة " (^٢).
ورده ابن حزم فقال: بل جازت -صدقة رسول الله ﷺ؛ لأنه ﵊ جعلها صدقة، هكذا قال عمرو بن الحارث: " ما ترك رسول الله ﷺ دينارًا، ولا درهمًا، ولا عبدا إلا بغلته البيضاء، وأرضا جعلها صدقة" (^٣).
فإن قيل: إنه ﵇ لم يورث؟
قلنا: نعم، ولكن كونه لا يورث لا يوجب: كون أرضه وقفا، بل تباع ويتصدق بالثمن، فظهر فساد اعتراضهم (^٤).
٣ - أن الوقف يجوز إذا حكم به حاكم؛ لأن حكمه صادف محل الاجتهاد وأفضى اجتهاده إليه، وقضاء القاضي في موضع الاجتهاد بما أفضى إليه اجتهاده جائز، كما في سائر الاجتهادات.
٤ - أن الوقف يجوز إذا أضيف إلى ما بعد الموت؛ لأنه لما أضافه إلى ما بعد الموت فقد أخرجه مخرج الوصية، فيجوز كسائر الوصايا.
ثم قالوا: لكن جوازه بطريق الوصية لا يدل على جوازه لا بطريق الوصية.
_________________
(١) البدائع ٨/ ٣٩٠٩.
(٢) سبق تخريجه برقم (١٣).
(٣) سبق تخريجه برقم (١٠).
(٤) المحلى، مصدر سابق، ١٠/ ١٨٤.
[ ١ / ٩٠ ]
ألا ترى لو أوصى بثلث ماله للفقراء جاز، ولو تصدق بثلث ماله على الفقراء لا يجوز (^١).
أدلة القول الخامس: (عدم الجواز مطلقا)
استدل أصحاب هذا القول بما يلي:
١ - قوله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (١٠٣)﴾ (^٢).
فالله تعالى قد عاب على العرب ما كانت تفعل من تسييب البهائم وحمايتها، وحبس أنفسها عنها (^٣).
ونوقش هذا الاستدلال: بأنه لا حجة فيه؛ لأن الله سبحانه عاب عليهم أن يتصرفوا بعقولهم بغير شرع توجه إليهم، أو تكليف فرض عليهم (^٤)، بينما الوقف ورد به الشرع في أدلة كثيرة سبق ذكر طرف منها.
(٢٧) ٢ - ما رواه الدارقطني من طريق محمد وعبد الله ابني أبي بكر وعمرو بن دينار، عن بكر بن حازم أن عبد الله بن زيد بن عبد ربه ﵁ جاء إلى رسول الله ﷺ فقال: " يا رسول الله إن حائطي هذا صدقة، وهو إلى الله ورسوله. فجاء أبواه فقالا: يا رسول الله، كان قوام عيشنا، فرده رسول الله ﷺ، ثم ماتا فورثهما ابنهما " (^٥).
_________________
(١) بدائع الصنائع ٨/ ٣٩١٠.
(٢) آية ١٠٣ من سورة المائدة.
(٣) أحكام القران لابن العربي ٢/ ٧٠٥.
(٤) المصدر نفسه.
(٥) سنن الدارقطني في كتاب المساجد ٤/ ٢٠١/ باب وقف المساجد والسقايات. والحاكم في المستدرك في كتاب معرفة الصحابة/ ذكر مناقب عبد الله بن زيد ..، ٣/ ٣٧٩ من طريق عبد الله بن أبي بكر عن أبي بكر عن عبد الله بن زيد، وعنه البيهقي في السنن الكبرى في كتاب الوقف/ باب من قال لا حبس عن فرائض الله ﷿ ٦/ ١٦٣. الحكم على الحديث: قال الدارقطني: " وهذا حديث مرسل "، وقال البيهقي: " مرسل، وأبو بكر بن حزم لم يدرك عبد الله بن زيد، وروي من أوجه أخر عن عبد الله بن زيد كلهن مراسيل " وقال ابن حزم: " منقطع؛ لأن أبا بكر لم يلق عبد الله بن زيد ".
[ ١ / ٩١ ]
وجه الدلالة: أن رسول الله ﷺ رد وقف عبد الله بن زيد ﵁، فدل على عدم مشروعيته.
ونوقش الاستدلال بالحديث من وجوه:
الأول: أن الحديث ضعيف.
الثاني: أن النبي ﷺ أبطل الوقف؛ لأنه تصدق بجميع ما يملك، وليس لأحد أن يضر بنفسه وبمن يعول، ويدل لهذا قولهما: " يا رسول الله، كان قوام عيشنا" (^١).
الثالث: أن الحائط كان ملكًا لأبويه فتصرف فيه بغير إذنهما ولم ينفذاه، بدليل أنه جاء في الحديث: " ثم ماتا، فورثهما ابنهما " (^٢).
٣ - ما روي عن ابن عباس ﵄ قال: " لما نزلت سورة النساء وفرضت فيها الفرائض، قال رسول الله ﷺ: " لا حبس عن فرائض الله ﷿ " (^٣).
(٢٨) ٤ - ما رواه الطحاوي من طريق زياد بن سعد، عن ابن شهاب أن عمر ﵁ قال: " لولا أني ذكرت صدقتي لرسول الله ﷺ لرددتها " (^٤).
_________________
(١) ينظر: المحلى، مصدر سابق، ٨/ ١٥٣.
(٢) ينظر: الحاوي الكبير ٧/ ٥١٣، المغني ٨/ ١٨٦.
(٣) تقدم تخريجه برقم (٢٥).
(٤) شرح معاني الآثار ٤/ ٩٦. وأخرجه ابن عبد البر في التمهيد ١٦/ ٤٥٠، وابن حزم في المحلى ١٠/ ١٨٥. وهو منقطع؛ الزهري لم يدرك عمر ﷺ.
[ ١ / ٩٢ ]
ونوقش من وجهين:
الأول: أنه منقطع.
الثاني: قال ابن حزم: " ونحن نبت ونقطع بأن عمر ﵁ لم يندم على قبوله أمر رسول الله ﷺ، وما اختاره له في تحبيس أرضه وتسبيل ثمرتها، والله تعالى يقول: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ (^١)، وليت شعري إلى أي شيء كان يصرف عمر تلك الصدقة لو ترك ما أمره به ﵊ فيها؟ حاشا عمر هذا " (^٢).
٥ - ما روي عن شريح أنه قال: "جاء محمد ببيع الحبس " (^٣).
وهذا الدليل استدل به –أيضًا- أصحاب القول الثالث، وقد سبق مناقشة الاستدلال به.
٦ - أن شريحًا -وهو قاضي عمر، وعثمان، وعلي الخلفاء الراشدين المهديين -رضوان الله عليهم-أجمعين- قال: " لا حبس عن فرائض الله ".
فعن عطاء بن السائب قال: سألت شريحًا عن رجل جعل داره حبسا على الآخر، فالآخر من ولده؟ فقال: " إنما أقضي ولست أفتي.
قال: فناشدته. فقال: " لا حبس على فرائض الله ".
وهذا لا يسع القضاة جهله.
ولا يسع الأئمة تقليد من يجهل مثله ثم لا ينكر عليه منكر من أصحاب رسول الله ﷺ، ولا من تابعيهم رحمة الله عليهم (^٤).
_________________
(١) من آية ٣٦ من سورة الأحزاب.
(٢) المحلى، مصدر سابق، ١٠/ ١٨٥.
(٣) تقدم تخريجه برقم (٢٦).
(٤) شرح معاني الآثار ٤/ ٩٦.
[ ١ / ٩٣ ]
ونوقش هذا الاستدلال:
أن قولهم: " إن هذا لا يسع القضاة جهله، ولا يسع الأئمة تقليد من يجهل مثله، ناقشه ابن حزم ﵀ فقال: " هلا قالوا هذا في كل ما خالفوا فيه شريحا، وأي نكرة في جهل شريح سُنة وألف سُنة ".
ثم ذكر أنه غاب عن كثير من الصحابة كثير من الأحكام، فغاب عن ابن مسعود نسخ التطبيق، وغاب عن أبي بكر ميراث الجدة، وغاب عن عمر أخذ الجزية من المجوس سنين، وإجلاء الكفار من جزيرة العرب إلى آخر عام من خلافته.
قال: " ومثل هذا لو تتبع لبلغ أزيد من ألف سنة غابت عمن هو أجل من شريح، ولو لم يستقض إلا من لا تخفى عليه سنة، ولا تغيب عن ذكره ساعة من دهر حكم من أحكام القرآن ما استقضي أحد ولا قضى ولا أفتى أحد بعد رسول الله ﷺ، لكن من جهل عذر، ومن علم غبط " (^١).
وقد عتب مالك على شريح: قال الإمام مالك: " تكلم شريح ببلاده ولم يرد المدينة، فيرى آثار الأكابر من أزواج النبي ﷺ وأصحابه والتابعين بعدهم، وهلم جرا إلى اليوم، وما حبسوا من أموالهم لا يطعن فيه طاعن، وهذه صدقات النبي ﷺ سبعة حوائط، وينبغي للمرء أن لا يتكلم إلا فيما أحاط به خبرًا " (^٢).
وتأول ابن يونس قول شريح بأنه يورث، على معنى أنه لا يزيل الملك، كقول أبي يوسف ومحمد صاحبي أبي حنيفة (^٣).
(٢٩) قال الخلال: أخبرنا عبد الملك بن عبد الحميد الميموني: أنه
_________________
(١) المحلى مصدر سابق،، ١٠/ ١٧٩.
(٢) المقدمات الممهدات ٢/ ٤١٨.
(٣) التاج والإكليل ٧/ ٦٢٦.
[ ١ / ٩٤ ]
سأل أبا عبد الله: أيش معنى قول شريح جاء محمد يبيع الحبس؟ قال لي: لأنه لم يكن هذه الحبس يعني الوقوف وأن ذاك كان في الجاهلية ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ﴾ ثم قال أبو عبد الله: " بلغني أن مالكًا قال: ما حج شريح قط، ما مر بمكة فنظر إلى الدور فسأل عنها، هذه دار لطلحة حبيس، وهذه الدار لفلان حبيس، وهذه الدار لفلان حبيس " (^١).
(٣٠) ٧ - ما روى ابن حزم عن الواقدي قال: " ما من أحد من أصحاب رسول الله ﷺ إلا وقد أوقف وحبس أرضًا، إلا عبد الرحمن بن عوف ﵁ فإنه كان يكره الحبس " (^٢).
فكراهية عبد الرحمن بن عوف ﵁ للحبس دليل على أن الحبس غير جائز.
ونوقش:
أن هذا الدليل أورده ابن حزم ورده بقوله: هذه رواية أخباث، فإنها زادت ما جاءت فيه ضعفًا (^٣).
وعلى كل حال فلو فرض صحة هذا الأثر، فإنه دليل على صحة الوقف وجوازه؛ وذلك لأنه يشير إلى أن جميع الصحابة -رضوان الله عليهم-قد وقفوا الأراضي ما عدا عبد الرحمن، وعامة الصحابة لا يتصور منهم الاتفاق على عمل لا يجوز في الشريعة.
أما كراهية عبد الرحمن: فإنه ربما هو استنتاج من الراوي لعدم وقفه، وربما أنه فعلًا كره أن يقف لا لعدم جوازه ولكن لأمور خاصة متعلقة
_________________
(١) الوقوف ١/ ٢٠٤.
(٢) المصدر نفسه.
(٣) نفسه.
[ ١ / ٩٥ ]
على أنه لو كان ﵁ لا يرى جواز الوقف، فإنه معارض بالأحاديث الصحيحة، وبعمل عامة أصحاب رسول الله ﷺ.
(٣١) ٨ - وقال البخاري: " وباع حسان حصته منه من معاوية، فقيل له: تبيع صدقة أبي طلحة؟ " (^١).
ونوقش هذا الاستدلال: بأن الصحابة ﵃ أنكروا ذلك عليه.
٩ - أن الوقف تبرع بالمنفعة وهي معدومة وقت إنشائه، وتمليك المعدوم لا يصح.
ونوقش هذا الاستدلال من وجهين:
الأول: أنه لم يرد في الشريعة المنع من تمليك المعدوم مطلقا، بل جازت هبة المعدوم، والوصية به، بل والمعاوضة عليه في بعض الصور.
الثاني: أنه لو منع من تمليك المعدوم، فهذا في عقود المعاوضات لبنائها على المشاحة دون عقود التبرعات لبنائها على المسامحة.
الترجيح:
الراجح -والله أعلم- قول جمهور أهل العلم؛ لقوة أدلتهم، ومما يؤيد قول جمهور أهل العلم: أن أبا يوسف رجع بعد المناظرة التي دارت بينه وبين الإمام مالك بحضرة الرشيد، فظهر عليه مالك، وقال: " هذه أوقاف رسول الله ﷺ ينقلها أهل المدينة خلفهم عن سلفهم " قال الباجي: "وهذا فعل أهل الدين والعلم في الرجوع إلى الحق حين ظهر وتبين " (^٢).
حتى إن محمد بن الحسن استبعد قول أبي حنيفة وسماه تحكما على الناس من غير حجة، فقال: " ما أخذ الناس بقول أبي حنيفة وأصحابه إلا
_________________
(١) صحيح البخاري مع فتح الباري ٥/ ٣٧٨.
(٢) المنتقى مصدر سابق، ٦/ ١٢٢.
[ ١ / ٩٦ ]
بتركهم التحكم على الناس، فإذا كانوا هم الذين يتحكمون على الناس بغير أثر ولا قياس لم يقلدوا هذه الأشياء … " (^١).
_________________
(١) المبسوط، مصدر سابق، ١٢/ ٢٨.
[ ١ / ٩٧ ]