وفيها أمران:
الأمر الأول: وقف الصبي غير المميز (^١).
إذا وقف الصبي غير المميز، فوقفه غير معتبر لا يترتب عليه إلزام ولا التزام.
_________________
(١) التمييز: مأخوذ من ميَّزتُهُ من باب باع، وهو عزل الشيء وفصله عن غيره. فمن العلماء: من حده بالسن: وهو من بلغ سبع سنوات. ومن العلماء: من حده بالحال: هو من فهم الخطاب، ورد الجواب. وقيل: من يعرف مضاره، ومنافعه. وقيل هو: الذي لا يفهم البيع والشراء، يعني من لا يعرف أن البيع سالب للملكية، والشراء جالب لها. ينظر: مجلة الأحكام العدلية مادة (٩٤٣)، حاشية ابن عابدين ٥/ ٤٢١، جواهر الإكليل ١/ ٢٢، المصباح المنير ٢/ ٥٨٧، وينظر: صيغ العقود (١/ ٥٠٤).
[ ١ / ٢٥٨ ]
وهذا محل اتفاق بين الفقهاء (^١).
ويدل لهذا الأدلة الآتية:
١ - قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا (٤)﴾ (^٢).
وجه الدلالة: أن انتقال الملك بالوقف متوقف على الرضا المعتبر، وهو مفقود من الصبي غير المميز (^٣).
٢ - قوله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ (^٤).
قال الطبري ﵀: " والصواب من القول في تأويل ذلك عندنا أن الله جل ثناؤه عم بقوله: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ فلم يخص سفيهًا دون سفيه، فغير جائز لأحد أن يؤتي ماله صبيًا صغيرًا كان أو رجلًا كبيرًا " (^٥).
(٥٠) ٣ - ما رواه الإمام أحمد من طريق حماد بن سلمة، عن حماد، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة ﵂ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: " رُفع القلم عن
_________________
(١) ينظر: بدائع الصنائع (٧/ ١٧١) فقد جاء فيه: " أما المجنون فلا تصح منه التصرفات القولية كلها، فلا يجوز طلاقه وعتاقه وكتابته وإقراره، ولا ينعقد بيعه وشراؤه حتى لا تلحقه الإجازة، ولا يصح منه قبول الهبة والصدقة والوصية، وكذا الصبي الذي لا يعقل". وينظر أيضا: الإسعاف ص ١٠، الفتاوى الهندية (٥/ ٤٥)، الجواهر الثمينة (٢/ ٣٢٨)، ومختصر خليل ص ١٨٨، ٣٤٤، مواهب الجليل (٤/ ٢٤١)، شرح أبي الحسن لرسالة ابن أبي زيد (٢/ ١٢٦)، شرح العدوي على الرسالة ٢/ ٢١٠، الحاوي (١٠/ ٣٠١)، المنثور للزركشي (٢/ ٢٩٥)، مغني المحتاج ٢/ ٣٧٦، شرح المنتهى ٢/ ٤٨٩، كشاف القناع (٣٠/ ٤٥٨) وقد جاء فيه: " والمجنون والطفل دون التمييز لا يصح تصرفهما بإذن ولا غيره؛ لعدم الاعتداد بقولهما ".
(٢) من آية ٤ من سورة النساء.
(٣) ينظر: جواهر الإكليل (٢/ ٢)، كشاف القناع (٣/ ١٥١)، صيغ العقود ص ٢٦٥.
(٤) من آية ٥ من سورة النساء.
(٥) جامع البيان (٣/ ٢٤٧).
[ ١ / ٢٥٩ ]
ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصغير حتى يكبر، وعن المجنون حتى يعقل " (^١).
٤ - أن الصبي في أول أحواله عديم التمييز، فكان كالمجنون بل أدنى حال منه؛ لأنه قد يكون للمجنون تمييز وإن لم يكن له عقل، والصبي غير المميز عديم التمييز (^٢).
_________________
(١) مسند أحمد (٦/ ١٠٠، ١٠١)، والدارمي (٢٣٠١) عن عفان، وأحمد (٦/ ١٠١) عن حسن بن موسى، وعفان، وروح، وأبو داود في الحدود/ باب في المجنون يسرق (٣٩٨)، وابن ماجه في الطلاق/ باب طلاق المعتوه (٢٠٤١) من طريق يزيد بن هارون، والنسائي في الطلاق/ باب من لا يقع طلاقه (٦/ ١٥٦)، وابن ماجه (٢٠٤١)، وابن الجارود في المنتقى (١٤٨) من طريق عبد الرحمن بن مهدي، وأبو يعلى (٧/ ٣٦٦)، ومن طريقه ابن حبان (١٤٢) من طريق شيبان بن فروخ، والحاكم (٢/ ٥٩)، ومن طريقه البيهقي (٦/ ٨٤) من طريق أبي الوليد الطيالسي، وموسى بن إسماعيل، ثمانيتهم (حسن بن موسى، وعفان، وروح، ويزيد بن هارون، وعبد الرحمن بن مهدي، وأبو الوليد الطيالسي، وموسى بن إسماعيل) عن حماد بن سلمة، به. الحكم على الحديث: الحديث صحَّحه جمعٌ من أهل العلم كابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم، والذهبي، وابن دقيق العيد. وقال الترمذي: " سألت محمدًا عن هذا الحديث؟ فقال: أرجو أن يكون محفوظًا، فسألته: روى هذا الحديث غير حماد؟ قال: لا أعلمه ". الحديث حسنٌ لحال حمَّاد بن أبي سليمان، فهو صدوقٌ، وبقيَّة رجاله ثقات. وله شواهد: منها حديث علي، وأبي قتادة، وأبي هريرة، وشداد بن أوس، وثوبان، وابن عباس ﵃.
(٢) ينظر: كشف الأسرار ٤/ ٤٤٨.
[ ١ / ٢٦٠ ]
٥ - أن الصبي غير المميز لا تحصل المصلحة بتصرفه؛ لعدم تمييزه ومعرفته (^١).
وتصحيح عقوده التي يصدرها وسيلة لضياع حقوقه وأمواله.
الأمر الثاني: وقف الصبي المميز:
إذا وقف الصبي المميز فإن وقفه لا يصح.
ولا أثر لإذن الولي في ذلك، فلو أذن الولي للصبي في مباشرة الوقف فإنه لا يغير الحكم.
وهذا هو قول أكثر الفقهاء، فهو مذهب الحنفية (^٢)، والمالكية (^٣)، والشافعية (^٤)، وهو المذهب عند الحنابلة، وعليه الأصحاب (^٥).
ويدل لهذا ما يأتي:
١ - قوله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ (^٦).
قال الطبري ﵀: " والصواب من القول في تأويل ذلك عندنا أن الله جل ثناؤه عم بقوله: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ فلم يخص سفيهًا دون سفيه، فغير جائز لأحد أن يؤتي ماله صبيًا صغيرًا كان أو رجلًا كبيرا " (^٧).
_________________
(١) ينظر: المغني ٦/ ٣٤٧، الشرح الكبير ٢/ ٣٠٧ مصدران سابقان.
(٢) المبسوط ١٤/ ٤١، بدائع الصنائع ٧/ ١٧١، كشف الأسرار ٤/ ٤٢٣، الدر المختار مع حاشية ابن عابدين ٦/ ١٧٣، جامع أحكام الصغار ٣/ ١٨٧.
(٣) الشرح الكبير للدردير ٤/ ٩٨، جواهر الإكليل ٢/ ٢١٢، الخرشي على مختصر خليل ٧/ ١٠٣، عقد الجواهر الثمينة ٣/ ٦١.
(٤) نهاية المحتاج، مصدر سابق، ٦/ ٤١.
(٥) ينظر: المغني ٨/ ٢٥٥، المبدع ٥/ ٣٦٥، شرح منتهى الإرادات ٢/ ٤٢.
(٦) من آية ٥ من سورة النساء.
(٧) جامع البيان (٣/ ٢٤٧).
[ ١ / ٢٦١ ]
٢ - عن عائشة ﵂ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: " رُفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصغير حتى يكبر، وعن المجنون حتى يعقل " (^١).
٣ - أن الصبي المميز محجور عليه لحظ نفسه (^٢)، فلا يصح وقفه.
٤ - أن الصبي مظنة الرحمة والإشفاق، لا مظنة الإضرار به، والله تعالى أرحم الراحمين فلم يشرع في حقه المضار (^٣)، ومن ذلك عدم صحة وقفه.
٥ - وأما الدليل على عدم أحقية الولي في الإذن والإجازة في الوقف؛ لأن ولايته نظرية، وليس من النظر إثبات الولاية فيما ضرره محض في حق الصبي كالوقف (^٤).
٦ - قياس وقف غير البالغ على طلاقه لزوجته؛ لاتفاقهما في حصول الضرر عليه وعلى ماله (^٥).
القول الثاني: صحة وقف الصبي المميز.
وهو رواية عن الإمام أحمد (^٦).
وبه قال أبو بكر الأصم إذا كان بإذن القاضي (^٧).
وحجته: القياس على صحة إبرائه.
ونوقش هذا الاستدلال: بعدم تسليم الأصل المقيس عليه؛ إذ هو موضع خلاف بين أهل العلم.
_________________
(١) سبق تخريجه برقم (٥٠).
(٢) المغني (٨/ ٢٥٥)، جامع البيان (٣/ ٢٤٧).
(٣) كشف الأسرار، مصدر سابق، ٤/ ٤٢٣.
(٤) كشف الأسرار (٤/ ٤٢٣)، صيغ العقود ص ٢٦٥.
(٥) بدائع الصنائع، مصدر سابق، (٧/ ١٣٩).
(٦) الإنصاف، مصدر سابق، (٥/ ٣٨).
(٧) أنفع الوسائل ص ١٥٣.
[ ١ / ٢٦٢ ]
ونوقش قول أبي بكر الأصم: بأن القاضي لا يملك أن يوقف من مال الصبي شيئًا فكيف يملك الإذن؟ ففاقد الشيء لا يعطيه.
الترجيح:
الراجح -والله أعلم- أن الصبي المميز لا يصح وقفه؛ لقوة دليل الجمهور على ما ذهبوا إليه، وضعف دليل القول الثاني بمناقشاته.