صورة المسألة: أن يقول: هذا البيت وقف علي، فهل يصح هذا؟
للعلماء في ذلك قولان:
القول الأول: صحة الوقف على النفس.
وهو المعتمد عند الحنفية (^١)، ووجه عند الشافعية (^٢)، ورواية عند الحنابلة (^٣)، وإليه ذهب الظاهرية (^٤)، واختاره شيخ الإسلام (^٥)، وابن القيم (^٦).
القول الثاني: عدم صحة الوقف على النفس.
وبه قال محمد بن الحسن من الحنفية (^٧)، وهو قول جمهور أهل العلم:
_________________
(١) المبسوط ١٢/ ٤١، بدائع الصنائع ٦/ ٢١٩، البحر الرائق ٥/ ٢٣٨، الإسعاف ص ٩٤.
(٢) روضة الطالبين ٤/ ٣٨٣، مغني المحتاج ٢/ ٣٨٠.
(٣) المغني ٨/ ١٩٤، كشاف القناع ٤/ ٢٤٧.
(٤) المحلى، مصدر سابق، ٩/ ١٧٥.
(٥) الفتاوى ٣١/ ٣٢، الاختيارات ص (١٧٠).
(٦) إعلام الموقعين، مصدر سابق، ٣/ ٣٧٣.
(٧) مختصر الطحاوي ص ١٣٧، المبسوط ١٢/ ٤١، البحر الرائق ٥/ ٢٣٨.
[ ١ / ٤٠٤ ]
المالكية (^١)، والشافعية (^٢)، والحنابلة (^٣).
وفي المغني: "سئل الإمام أحمد عن ذلك؟ فقال: لا أعرف الوقف إلا ما أخرجه لله، وفي سبيل الله، فإذا وقفه عليه حتى يموت فلا أعرفه ".
الأدلة:
أدلة القول الأول:
١ - عمومات أدلة مشروعية الوقف، فيدخل فيها الوقف على النفس (^٤).
٢ - عمومات أدلة صحة الشرط في الوقف، ويدخل في ذلك شرط كون الوقف على النفس (^٥).
٣ - عن جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال لرجل: " ابدأ بنفسك فتصدق عليها، فإن فضل شيء فلأهلك، فإن فضل عن أهلك شيء فلذي قرابتك، فإن فضل عن ذي قرابتك شيء فهكذا وهكذا " (^٦).
(١٢٠) ٤ - ما رواه أبو داود من طريق محمد بن عجلان، عن المقبري، عن أبي هريرة ﵁ قال: أمر النبي ﷺ بالصدقة، فقال رجل: يا رسول الله عندي دينار، فقال: تصدق به على نفسك، قال: عندي آخر، قال: تصدق به على ولدك، قال: عندي آخر، قال: تصدق به على زوجتك أو قال زوجك، قال: عندي آخر، قال: تصدق به على خادمك، قال: عندي آخر، قال: أنت أبصر" (^٧).
_________________
(١) الإشراف ٢/ ٦٧٣، المنتقى ٦/ ١٢٢، التاج والإكليل ٧/ ٦٣٧.
(٢) روضة الطالبين ٤/ ٣٨٣، مغني المحتاج ٢/ ٣٨٠.
(٣) المغني ٨/ ١٩٤، الفروع ٤/ ٥٨٥، الإنصاف ٧/ ١٦.
(٤) تخريجها برقم (١).
(٥) ينظر: مبحث الوقف على النفس.
(٦) سبق تخريجه برقم (١١٠).
(٧) سنن أبي داود في الزكاة/ باب في صلة الرحم (١٦٩١)، ومن طريقه البيهقي في الشعب (٣٤٢١)، وأخرجه البخاري في الأدب المفرد (١٩٧) بنحوه، والحاكم في المستدرك ١/ ٥٧٥ من طريق أحمد بن يسار، (أبو داود، وأحمد) عن محمد بن كثير به بنحوه، وأخرجه الحميدي في مسنده (١١٧٦)، وأبو يعلى في مسنده (٦٦١٦) من طريق القواريري، وعند أبي يعلى مقرونًا بيحيى، والحاكم في المستدرك ١/ ٥٧٥ من طريق قبيصة، وابن حبان في صحيحه (٤٢٣٣) من طريق إبراهيم بن بشار، ثلاثتهم (القواريري، وقبيصة، وإبراهيم) عن سفيان الثوري به، وأخرجه الشافعي في مسنده ١/ ٢٦٦، ومن طريقه البيهقي في السنن ٧/ ٧٦٨ عن ابن عيينة، وأحمد في المسند ٢/ ٢٥١، والنسائي في سننه ٥/ ٦٦ من طريق يحيى القطان، وابن حبان في صحيحه (٣٣٣٧) من طريق الليث، والطبراني في الأوسط (٨٥٠٨) من طريق روح بن القاسم، والبيهقي في السنن ٧/ ٧٦٨ من طريق أبي عاصم، خمستهم (ابن عيينة، ويحيى، والليث، وروح، وأبو عاصم) عن ابن عجلان به بنحوه. الحكم على الحديث: صححه ابن حبان، والحاكم على شرط مسلم، وأقره الذهبي، وفيه ابن عجلان وهو مدلس مقل، لكنه صرح بالسماح عند أحمد.
[ ١ / ٤٠٥ ]
وجه الاستدلال: أن الوقف نوع من الصدقة، والصدقة مأمور بها، فإذا جازت الصدقة على النفس فكذلك الوقف عليها.
٥ - حديث وقف عثمان ﵁ لبئر رومة (^١).
وجه الاستدلال: أن عثمان ﵁ وقف بئر رومة، وجعل لنفسه حق الانتفاع منها.
ونوقش: بأن الوقف هنا ليس وقفًا على النفس استقلالًا، وإنما هو
_________________
(١) سبق تخريجه برقم (٧).
[ ١ / ٤٠٦ ]
دخول الواقف كغيره في الانتفاع من الوقف العام، كصلاته في المسجد الذي أوقفه (^١).
(١٢١) ٦ - ما رواه البخاري ومسلم من طريق الأعرج، عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ رأى رجلًا يسوق بدنة، فقال: " اركبها "، قال: يا رسول الله إنها بدنة، قال: " اركبها ويلك " في الثالثة، أو في الثانية (^٢).
وجه الاستدلال: أن البدنة المهداة قد خرجت عن ملك صاحبها، ومع ذلك أجاز النبي ﷺ لصاحبها الانتفاع بها، فكذلك الوقف على النفس.
(١٢٢) ٧ - وقال البخاري: "وأوقف أنس دارًا فكان إذا قدمها نزلها" (^٣).
(١٢٣) ٨ - وقال البخاري: " وجعل ابن عمر نصيبه من دار عمر سكنى لذي الحاجة من آل عبد الله " (^٤).
٩ - أنه لو وقف على جهة عامة جاز أن يكون كواحد من تلك الجهة، فيصلي في المسجد الذي وقفه، ويدفن في المقبرة التي سبلها، ونحو ذلك،
_________________
(١) الحاوي الكبير، مصدر سابق، ٧/ ٥٢٥.
(٢) متفق عليه: البخاري (١٦٨٩)، ومسلم (١٣٢٢).
(٣) علقه البخاري مجزومًا به، وأخرجه البيهقي ٦/ ٢٦١ أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي أنبأ أبو الحسن محمد بن محمود المروزي، ثنا أبوعبد الله محمد بن علي الحافظ، ثنا محمد بن المثنى، ثنا الأنصاري، حدثني أبي، عن ثمامة، عن أنس: "أنه وقف دارًا بالمدينة فكان إذا حج مرَّ بالمدينة فنزل داره".
(٤) علقه البخاري بصيغة الجزم في الوصايا/ باب إذا وقف أرضًا، وأخرجه ابن سعد في الطبقات ٤/ ١٦٢ عن خالد بن مخلد قال: حدثنا عبد الله بن عمر، عن نافع قال: " تصدق ابن عمر بداره محبوسة لا تباع، ولا توهب، ومن سكنها من ولده لا يخرج منها، ثم سكنها ابن عمر ".
[ ١ / ٤٠٧ ]
بل الجواز هنا أولى من حيث إنه موقوف عليه بالتعيين، وهناك دخل في الوقف؛ لشموله الاسم (^١).
ويأتي أنه إذا وقف على الفقراء أو العلماء دخل معهم إذا اتصف بصفتهم.
١٠ - قال ابن القيم: " … فإن الواقف أخرج رقبة الوقف لله، وجعل نفسه أحد المستحقين للمنفعة مدة حياته، فإن لم يكن أولى من البطون المرتبة فلا يكون دون بعضهم، وهذا محض القياس، وإن قلنا الوقف ينتقل إلى الموقوف عليهم بطنًا بعد بطن يتلقونه من الواقف، فالطبقة أحد الموقوف عليهم، ومعلوم أن أحد الشريكين إذا اشترى لنفسه، أو باع من الشركة جاز على المختار لاختلاف حكم الملكين، فلأن يجوز أن ينقل ملكه المختص إلى طبقات موقوف عليها هو أحدها أولى " (^٢).
١١ - أن المقصود من الوقف القربة، وهي حاصلة بالوقف على النفس (^٣).
أدلة القول الثاني: (عدم صحة الوقف على النفس)
استدل لهذا الرأي بما يلي:
١ - عن ابن عمر ﵄ في قصة وقف عمر ﵁، وفيه قال النبي ﷺ: "حبس الأصل وسبل الثمرة" (^٤).
وجه الاستدلال: أن تسبيل الثمرة تمليكها للغير، ولا يتصور أن يملك
_________________
(١) ينظر: المغني ٨/ ١٩٤، إعلام الموقعين ٣/ ٣٧٤، مصدران سابقان،.
(٢) إعلام الموقعين، مصدر سابق، ٣/ ٣٧٣.
(٣) نيل الأوطار ٦/ ١٣٢.
(٤) تقدم تخريجه برقم (١).
[ ١ / ٤٠٨ ]
الشخص من نفسه لنفسه، وحقيقة الوقف على النفس تمليك للنفس على النفس (^١).
ونوقش من وجهين:
الوجه الأول: عدم التسليم بأن الوقف على النفس تمليك من النفس للنفس، بل هو إخراج الملك إلى الله تعالى على وجه القربة، فإذا شرط البعض أو الكل لنفسه فقد جعل ما صار مملوكًا لله تعالى لنفسه لا أن يجعل ملك نفسه لنفسه (^٢).
الوجه الثاني: أن امتناع تمليك الشخص نفسه لعدم الفائدة، فإذا وجدت الفائدة كما هنا فلا دليل على المنع (^٣).
٢ - أن التقرب بإزالة الملك، واشتراط كامل الانتفاع أو بعضه لنفسه يمنع زوال ملكه فيبطل الوقف (^٤).
ونوقش: بعدم التسليم؛ فالوقف خرج من ملك الواقف إلى ملك الله تعالى.
٣ - أن في الوقف على النفس منع الواقف نفسه من التصرف في رقبة الملك، والوقف لم يوضع لمنع التصرف فقط (^٥).
ونوقش: بعدم التسليم؛ فالوقف على النفس فيه حبس الأصل عن التصرف، وتسبيل المنفعة للواقف، ثم لمن بعده، وهذه حقيقة الوقف.
_________________
(١) كشاف القناع ٤/ ٢٤٧، مغني المحتاج ٢/ ٣٨٠، فتح الباري ٥/ ٤٠٤.
(٢) البحر الرائق، مصدر سابق، ٥/ ٢٣٨.
(٣) فتح الباري، مصدر سابق، ٥/ ٤٠٤.
(٤) المبسوط، مصدر سابق، ١٢/ ٤١.
(٥) ينظر: شرح الخرشي ٧/ ٨٤، المغني ٨/ ١٩٤.
[ ١ / ٤٠٩ ]
٤ - أنه لا يصح الوقف على النفس قياسًا على العتق، فلو استثنى المعتق بعض أحكام الرق لنفسه لم يجز ذلك، فكذا الوقف (^١).
ونوقش: بعدم التسليم، فيصح أن يعتق السيد ويستثني منافع العبد مدة حياته، ونحو ذلك.
٥ - أن الوقف تمليك إما للرقبة أو المنفعة، ولا يجوز له أن يملك نفسه من نفسه كما لا يجوز أن يبيع ماله من نفسه (^٢).
ونوقش: بالفرق بين البيع والوقف؛ إذ البيع من النفس لا تظهر فيه مصلحة، بخلاف الوقف.
الترجيح:
الراجح -والله أعلم- صحة الوقف على النفس؛ لقوة دليله، ويؤيده أيضا: أن كثيرًا من المانعين جوزوا أن يستثنى الواقف كل الغلة أو بعضها مدة حياته كما سيأتي، وهذا نوع من الوقف على النفس.
وأيضا ما فيه من مصلحة الواقف؛ إذ يحتاج إليه الشخص لمنع نفسه من التصرف الناقل للملك مع حاجته إلى الإفادة منه مدة حياته.