وفيها أمور:
الأمر الأول: تعريف المفلس:
تعريف المفلس في اللغة:
المفلس مأخوذ من الفلس، وهو: شيء تافه من المال، قليل القيمة، وجمعه فلوس.
قال ابن فارس: " الفلس، معروف، والجمع فلوس، يقولون: أفلس الرجل، معناه صار ذا فلوس بعد أن كان ذا دراهم " (^١).
وقال الجوهري: " وقد أفلس الرجل: صار مفلسا، كأنما صارت دراهمه فلوسًا وزيوفًا ويجوز أن يراد به أنه صار إلى حال يقال فيها: ليس معه فلس .. وقد فلسه القاضي تفليسا: نادى عليه أنه مفلس " (^٢).
فالمفلس في اللغة هو: من لا مال له إلا الفلوس التي هي أدنى أنواع
_________________
(١) معجم مقاييس اللغة (٤/ ٤٥١)، مادة (فلس).
(٢) الصحاح (٣/ ٩٥٩)، مادة (فلس)، وانظر: لسان العرب لابن منظور (٦/ ١٦٦) مادة (فلس).
[ ١ / ٣٣٥ ]
المال قيمة، فهو معدوم لا مال له ولا ما يدفع به حاجته (^١)، يدل على هذا المعنى.
(٨٦) ما رواه مسلم من طريق العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " أتدرون من المفلس؟ "، قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع الحديث (^٢).
تعريف المفلس اصطلاحا:
المفلس في اصطلاح الفقهاء: هو من عليه ديون حالة أكثر من ماله (^٣).
الأمر الثاني: حكم وقف المفلس:
اختلف الفقهاء في صحة وقف المفلس إذا حجر عليه القاضي (^٤) على قولين:
القول الأول: عدم صحة وقف المفلس.
وهذا قول الصاحبين من الحنفية (^٥)، والمالكية (^٦)، والشافعية (^٧)، والحنابلة (^٨).
_________________
(١) المغني ٦/ ٥٣٦، كشاف القناع ٣/ ٤١٧، مغني المحتاج ٢/ ١٤٦.
(٢) صحيح مسلم في البر والصلة/ باب تحريم الظلم (٢٥٨١).
(٣) الذخيرة (٨/ ١٦٠)، بداية المجتهد (٢/ ٤٦١)، روضة الطالبين (٤/ ١٢٧)، مغني المحتاج (٢/ ١٤٦)، المغني لابن قدامة (٤/ ٤٥٢)، كشاف القناع (٣/ ٤١٧).
(٤) سيأتينا حكم وقف المدين إذا لم يحجر عليه القاضي.
(٥) المبسوط (٢٤/ ١٦٣)، الهداية (٣/ ٣٢٠)، البناية شرح الهداية (١٠/ ١٣٢ - ١٣٣)، مجمع الأنهر (٢/ ٤٤٢).
(٦) الذخيرة (٨/ ١٥٧ - ١٦٠)، الكافي لابن عبد البر (٢/ ١٥٨)، بداية المجتهد (٢/ ٤٦١ - ٤٦٢)، أحكام صدقة التطوع ص ٢٥١.
(٧) روضة الطالبين (٤/ ١٢٧ - ١٣٠)، مغني المحتاج (٢/ ١٤٦).
(٨) المغني لابن قدامة (٦/ ٥٣٧)، (٥٧١)، كشاف القناع للبهوتي (٣/ ٤١٧ - ٤١٨).
[ ١ / ٣٣٦ ]
القول الثاني: صحة وقف المفلس.
وهو قول أبي حنيفة، وزفر (^١).
الأدلة:
أدلة الرأي الأول:
(٨٧) ١ - ما رواه الدارقطني من طريق أبي إسحاق إبراهيم بن معاوية بن الفرات، نا هشام بن يوسف، عن معمر، عن ابن شهاب، عن ابن كعب بن مالك، عن أبيه: أن رسول الله ﷺ " حجر على معاذ ماله، وباعه في دين كان عليه " (^٢).
_________________
(١) المراجع السابقة نفسها.
(٢) سنن الدارقطني (٤/ ٢٣٠ - ٢٣١). والبيهقي (٦/ ٤٨)، والعقيلي في الضعفاء (١/ ٦٨)، والحاكم (٢/ ٦٧)، والطبراني في الأوسط كما في مجمع البحرين (٤/ ٥٦) من طريق أبي إسحاق إبراهيم بن معاوية بن الفرات الخزاعي، به. ورواه ابن ربيعة، عن يزيد بن حبيب وعمارة بن غزية، كما في الضعفاء للعقيلي (٤/ ٦٨)، ثلاثتهم (معمر، ويزيد، وعمارة) عن ابن شهاب، به. وأخرجه الحاكم (٣/ ٢٧٣)، وعنه البيهقي (٦/ ٤٨) من طريق إبراهيم بن موسى، كلاهما (إبراهيم بن معاوية، وإبراهيم بن موسى) عن هشام، عن معمر به. الحكم على الحديث: الحديث مرسل، قال عبد الحق الأشبيلي في الأحكام الوسطى (٣/ ٢٨٦ - ٢٨٧): " كذا أسنده هشام بن يوسف عن معمر، عن الزهري، عن ابن كعب بن مالك، عن أبيه، والمرسل أصح؛ لأن عبد الرزاق أرسله عن معمر، عن الزهري، عن ابن كعب أن معاذًا". وبه أعل الحديث ابن عبد الهادي في التنقيح (٣/ ٢٥ - ٢٦)، لما نقل قول الحاكم قال: " في قوله نظر، والمشهور في الحديث الإرسال ". وقال في المحرر (٢/ ٤٩٦): " الصحيح أنه مرسل ". ولهذا قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٤/ ١٤٣): " فيه إبراهيم بن معاوية الزيادي، وهو ضعيف ". وقد أخرجه عبد الرزاق في المصنف (٨/ ٢٦٨)، (١٥١٧٧) أنا معمر، عن الزهري، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك به مرسلًا. وأخرجه إسحاق بن راهويه كما في المطالب (١٤٦١)، وفي النكت الظراف (١٣/ ٢٧٥)، وأبو داود في المراسيل (١٧٢)، والبيهقي (٦/ ٤٨) من طريق عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزهري، عن ابن كعب بن مالك به مرسلًا. وأخرجه سعيد بن منصور كما في منتقى الأخبار (٥/ ١١٤) بشرحه، والتنقيح (٣/ ٢٠١)، والمشكاة (٢٩١٨) عن ابن المبارك. كلاهما (عبد الرزاق، وابن المبارك) عن معمر به مرسلًا. وأخرجه الطبراني في الكبير (٢٠/ ٣٠)، رقم (٤٤) من طريق عبد الله بن أحمد، عن أحمد، عن عبد الرزاق به مختصرًا. وقال الحاكم: " هذا الحديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ". ووافقه الذهبي، وصححه ابن الملقن في البدر المنير (٦/ ٦٤٥). قلت: وفيما قالاه نظر؛ لأنَّ إبراهيم بن معاوية بن الفرات الخزاعي قد تكلم فيه، وقد انفرد به كذا قال الطبراني، فقد ضعَّفه زكريا الساجي، كما قال الذهبي في الميزان، وقال العقيلي: " بصري لا يتابع على حديثه ". وقال العقيلي في الضعفاء (٤/ ٦٨): " رواه عبد الرزاق، عن معمر عن الزهري، عن ابن كعب بن مالك، وقال الليث: عن يونس، عن ابن شهاب، عن ابن كعب بن مالك، وقال ابن وهب عن يونس، عن ابن شهاب، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك " أن معاذًا كثر دينه في عهد رسول الله ﷺ، وقال ابن ربيعة عن يزيد بن أبي حبيب وعمارة ابن غزية، عن ابن شهاب، عن ابن كعب بن مالك، عن أبيه: أن معاذًا ادّان وهو غلام شاب، والقول ما قال يونس ومعمر " يعني المرسل. وقال عبد الحق الإشبيلي: " المرسل أصح من المتصل ". والخلاصة: أن الحديث يصح مرسلا، فقد رواه معمر ويونس عن ابن شهاب مرسلا، وأما رواية يزيد وعمارة الموصولة عن ابن شهاب، ففي إسناده ابن لهيعة. وأما رواية إبراهيم بن موسى عن هشام عن معمر متصلًا، فقد خولف في ذلك فرواه ابن المبارك وعبد الرزاق عن معمر مرسلا.
[ ١ / ٣٣٧ ]
ونوقش هذا الدليل من وجهين:
الأول: أنه مرسل.
الثاني: أن النبي ﷺ باع مال معاذ بسؤاله هو؛ لأنه لم يكن في ماله وفاء بدينه، فسأل النبي ﷺ أن يتولى بيع ماله لينال ماله بركة رسول الله ﷺ، فيصير فيه وفاء بديونه.
وقالوا: ولا يظن بمعاذ ﵁ أنه كان يأبى أمر رسول الله ﷺ إياه ببيع ماله حتى يبيعه عليه بغير رضاه، فإنه كان سمحا جوادا لا يمنع أحدا شيئا، ولأجله ركبته الديون، فكيف يمتنع من قضاء دينه بماله بعد أمر رسول الله ﷺ (^١).
وأجيب عن هذه المناقشة: بأنه قد جاء في بعض الروايات التصريح بالتماس غرماء معاذ الحجر عليه (^٢)، وبيع ماله من قبل رسول الله ﷺ، فلا يقال بعد ذلك أن بيع ماله كان بسؤاله هو (^٣).
ثم إذا كان بيع المال بطلبه هو، فما معنى النص على الحجر عليه في الحديث، وهل يكون الحجر عليه أيضا بطلبه هو؟ هذا لا يمكن.
(٨٨) ٢ - ما رواه مسلم من طريق عياض بن عبد الله، عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: أصيب رجل في عهد رسول الله ﷺ في ثمار ابتاعها فكثر
_________________
(١) المبسوط (٢٤/ ١٦٤).
(٢) كما في رواية أبي داود المطولة -في المراسيل- التي تقدمت الإشارة إليها؛ أما ما رواه الدارقطني أن معاذا أتى رسول الله ﷺ فكلمه ليكلم غرماءه، فلا حجة فيه أن ذلك لالتماس الحجر، وإنما فيه طلب معاذ الرفق به من غرمائه بشفاعة رسول الله ﷺ. التلخيص الحبير لابن حجر (٣/ ٣٩)، وانظر: نيل الأوطار لشوكاني (٥/ ٢٤٥).
(٣) التلخيص الحبير لابن حجر (٢/ ٣٩)، نيل الأوطار (٥/ ٢٤٥).
[ ١ / ٣٣٩ ]
دينه، فقال رسول الله ﷺ: " تصدقوا عليه " فتصدق الناس عليه، ولم يبلغ ذلك وفاء دينه، فقال رسول الله ﷺ لغرمائه: " خذوا ما وجدتم، وليس لكم إلا ذلك " (^١) (^٢).
وجه الدلالة: أن النبي ﷺ لم يزد على خلع ماله لهم، ولم يحبسه (^٣)، وهذا التصرف من النبي ﷺ في مال الرجل لا يتحقق إلا بالحجر عليه، بل إن بيع المال على المدين نوع من الحجر، وعليه فلا يصح وقفه.
٣ - ما رواه الإمام مالك، عن عمر بن عبد الرحمن بن دلاف المزني، عن أبيه: " أنَّ رجلًا من جهينة كان يسبق الحاج، فيشتري الرواحل فيغلي بها، ثم يسرع السير فيسبق الحاج فأفلس فرفع أمره إلى عمر بن الخطاب، فقال: " أما بعد، أيها الناس فإن الأسيفع أسيفع جهينة رضي من دينه وأمانته بأن يقال سبق الحاج، ألا وإنه قد دان معرضا فأصبح قد دين به، فمن كان له عليه دين فليأتنا بالغداة نقسم ماله بينهم، وإياكم والدين، فإن أوَّلَه هَمٌّ، وآخره حرب " (^٤) (ضعيف).
وجه الدلالة: أن عمر ﵁ قسم مال الرجل بين غرمائه، وهذا لا يكون إلا بعد الحجر عليه.
ونوقش: بأن الأثر يحمل على أن مال الأسيفع من جنس الدين، وإن ثبت البيع فإنما هو برضاه، ولم ينقل أن الغرماء طالبوا وإنما ابتدأهم عمر، فدل على أنه برضاه (^٥).
_________________
(١) صحيح مسلم في المساقاة/ باب استحباب الوضع من الدين (١٥٥٦).
(٢) الذخيرة للقرافي (٨/ ١٥٧)، بداية المجتهد (٢/ ٤٦٢)، الروضة الندية (٢/ ٣٤٤).
(٣) الذخيرة للقرافي، مصدر سابق، (٨/ ١٥٧).
(٤) تقدم تخريجه برقم (٨٤).
(٥) المبسوط، مصدر سابق، ٢٤/ ١٦٦.
[ ١ / ٣٤٠ ]
وأجيب: أما الدعوى بأن ماله من جنس الدين، فإنها دعوى عارية عن الدليل، فهي تأويل بلا مستند.
وأما دعوى أن البيع إن ثبت إنما كان برضاه، فإن سياق الأثر يدل على أن البيع تم بغير رضاه لما رافقها من تأنيب وتشهير، ولا قرينة تدل على أن البيع وقع برضاه (^١).
وقولهم: إنه لم ينقل أن الغرماء طالبوه بذلك يقال جوابا عليه:
أنه جاء في الأثر ما يدل على أن صنيع عمر ﵁ إنما كان بناء على طلب من الغرماء، حيث جاء في الأثر: (فرفع أمره إلى عمر) ولا بد أن يكون الرافع هم الغرماء؛ لأنهم هم الذين يعنيهم الأمر.
٤ - القياس على المريض مرض الموت، حيث ورد النص (^٢) بالحجر عليه عن التصرف في ثلثي ماله لحق ورثته.
قالوا: فكذلك يحجر على المدين المفلس لحق غرمائه، بل إنه أولى بالحجر عليه (^٣).
قال ابن القيم: " كالمريض مرض الموت لما تعلق حق الورثة بماله منعه الشارع من التبرع بما زاد على الثلث، فإن في تمكينه من التبرع بماله إبطال حق الورثة منه، وفي تمكين المدين من التبرع إبطال حقوق الغرماء، والشريعة
_________________
(١) انظر: الحجر على المدين لأحمد الخطيب ص (٢٩٤)، أحكام صدقة التطوع ص ٢٥٤.
(٢) وهو حديث سعد بن أبي وقاص: أخرجه البخاري (٢٧٤٣)، ومسلم (١٦٢٨) حيث زاره النبي ﷺ في مرضه، وفيه قال سعد: " أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال: لا. قلت: أفأتصدق بشطره؟ قال: لا. قلت: أفأتصدق بثلثه؟ قال: نعم الثلث، والثلث كثير ". وغير حديث سعد مما ورد في هذا المعنى، ينظر: مبحث العطية في مرض الموت من كتابنا أحكام الهبة.
(٣) بداية المجتهد (٢/ ٤٦٢).
[ ١ / ٣٤١ ]
لا تأتي بمثل هذا فإنها إنما جاءت بحفظ حقوق أرباب الحقوق بكل طريق، وسد الطرق المفضية إلى إضاعتها " (^١).
(٨٩) وما رواه البخاري من طريق أبي الغيث، عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: " من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه، ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله " (^٢)، ولا ريب أن هذا التبرع إتلاف لها، فكيف ينفذ تبرع من دعا رسول الله ﷺ على فاعله؟ (^٣).
٥ - أن الحجر كما جاز على السفيه نظرا له، فكذلك يجوز على المدين نظرا للغرماء؛ لأن المدين قد يلحق الضرر بغرمائه بالإقرار والتلجئة، بأن يبيع ماله من إنسان عظيم القدر لا يمكن الانتزاع من يده أو يقر له، وذلك صوريا حتى يسلم له ماله (^٤).
ونوقش: بأن خوف التلجئة موهوم؛ لأنه احتمال مرجوح فلا تهدر به أهلية الإنسان، ويرتكب البيع بلا تراض (^٥).
ويمكن الجواب عن هذه المناقشة: بأن احتمال التلجئة واحد من احتمالات كثيرة لتصرف المدين في ماله بما يضر بالغرماء، فذكرها هنا إنما هو تمثيل للتصرفات المضرة بالغرماء إن أطلق له التصرف في ماله مع تعلق حق الغرماء به.
_________________
(١) إعلام الموقعين (٤/ ٨ - ٩).
(٢) صحيح البخاري في الاستقراض/ باب من أخذ أموال الناس (ح ٢٢٥٧).
(٣) إعلام الموقعين (٤/ ٨ - ٩).
(٤) الهداية (٣/ ٣٢٠)، البناية (١٠/ ١٣٣ - ١٣٤)، المبسوط (٢٤/ ١٦٣).
(٥) الهداية (٣/ ٣٢٠)، البناية (١٠/ ١٣٥)، أحكام صدقة التطوع ص ٢٥٤.
[ ١ / ٣٤٢ ]
أدلة الرأي الثاني: (صحة وقفه)
١ - قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (^١).
وجه الدلالة: أن بيع الحاكم مال المدين بغير رضاه تجارة عن غير تراض، فتكون باطلة، وإذا كان بيع المال على المدين نوع حجر كان الحجر باطلا أيضا (^٢)، فيجوز وقفه؛ لعدم صحة الحجر عليه.
ويمكن مناقشة الاستدلال بالآية: بأنها مخصوصة بالأدلة التي ساقها الجمهور لإثبات مشروعية الحجر على المدين المفلس.
وإن كان أبو حنيفة لا يرى التخصيص بالحديث، بل يعتبره ناسخا، والناسخ ينبغي أن يكون في قوة المنسوخ.
(٩٠) ٢ - ما رواه البخاري من طريق الزهري قال: حدثني ابن كعب بن مالك أن جابر بن عبد الله ﵄ أخبره أن أباه قتل يوم أحد شهيدا وعليه دين، فاشتد الغرماء في حقوقهم، فأتيت النبي ﷺ … فسألهم أن يقبلوا تمر حائطي ويحللوا أبي، فأبوا، فلم يعطهم النبي ﷺ حائطي وقال: " سنغدو عليك "، فغدا علينا حين أصبح، فطاف في النخل ودعا في ثمرها بالبركة فجددتها فقضيتهم، وبقي لنا من ثمرها (^٣) (^٤).
وجه الدلالة: أنه ليس في الحديث ذكر للحجر ولا لبيع مال جابر، فدل على أنه ليس طريقا متعينا للقضاء، وإلا لما عدل عنه رسول الله ﷺ (^٥).
_________________
(١) من آية ٢٩ من سورة النساء.
(٢) المبسوط (٢٤/ ١٦٤)، كشف الأسرار لعبد العزيز البخاري (٤/ ٦١)، البناية للعيني (١٠/ ١٣٣).
(٣) صحيح البخاري في الاستقراض/ باب إذا قضى دون حقه (٢٣٩٥).
(٤) بداية المجتهد (٢/ ٤٦٢)، فتح الباري (٥/ ٨٠).
(٥) بداية المجتهد (٢/ ٤٦٢).
[ ١ / ٣٤٣ ]
ونوقش: أن الحديث ليس فيه دليل على عدم جواز الحجر أو عدم جواز بيع المال جبرا على المدين؛ وذلك لأن الدين -في الحديث- إنما تعلق بشخص -وهو أبو جابر- والحجر لا يكون إلا على حي.
(٩١) ٣ - ما رواه النسائي من طريق وبر بن أبي دليلة الطائفي، عن محمد بن ميمون بن مسيكة -وأثنى عليه خيرًا- عن عمرو بن الشريد، عن أبيه، عن رسول الله ﷺ قال: " ليّ (^١) الواِجدِ (^٢) يحل عِرضهُ وعُقُوبته (^٣) " (^٤).
(ضعيف)
_________________
(١) ليّ: "اللي بالفتح" المطل. ينظر: فتح الباري (٥/ ٧٦)، النهاية في غريب الحديث (٤/ ٢٨٠).
(٢) الواجد: الغني، أي القادر على قضاء دينه (النهاية في غريب الحديث (٥/ ١٥٥».
(٣) يحل عقوبته وعرضه، قال ابن المبارك: " يحل عرضه: يغلظ له، وعقوبته: يحبس له " سنن أبي داود (١٤/ ٣١ - ٣٢)، ح (٣٦٢٨).
(٤) سنن النسائي (٧/ ٣١٦). وأخرجه في السنن الكبرى (٤/ ٥٩) -كتاب البيوع/ باب مطل الغني (٦٢٨٩)، وابن حبان في صحيحه -كتاب الدعاوى/ باب عقوبة المماطل ١١/ ٤٨٦ من طريق إسحاق ابن إبراهيم، وابن أبي شيبة في المصنف (٤/ ٤٩١) - كتاب البيوع والأقضية/ باب الأقضية في مطل الغني ودفعه (٢٢٣٩٥)، وعنه ابن ماجه في سننه ٢/ ٨١١ - كتاب الصدقات/ باب الحبس في الدين والملازمة (٢٤٢٧). وأحمد في المسند (٤/ ٢٢٢)، (٣٨٨)، ثلاثتهم (إسحاق، وابن أبي شيبة، وأحمد) عن وكيع، وأخرجه أبو داود في سننه كتاب الأقضية/ باب في الحبس في الدين وغيره (٣٦٢٨) عن عبد الله بن محمد النفيلي، والنسائي في السنن الكبرى (٧/ ٣١٦) عن محمد بن آدم، كلاهما (عبد الله، ومحمد) عن ابن المبارك. وأخرجه الطحاوي في مشكل الآثار (١/ ٢٨٢) ح (٩٨٢، ٩٨٣)، والطبراني في المعجم الكبير (٧/ ٣١٨) ح (٧٢٤٩)، ومن طريقه أخرجه المزي في تهذيب الكمال (٢٥/ ٥٦٣)، والحاكم في المستدرك (٤/ ١١٥) -كتاب الأحكام (٧٠٦٥) من طريق أبي عاصم. ثلاثتهم (وكيع، وابن المبارك، وأبو عاصم) عن وبر بن أبي دليلة، به بمثله. وعلقه البخاري في صحيحه (٤٤٩) كتاب في الاستفراض/ باب لصاحب الحق مقالًا. الحكم على الحديث: الحديث صححه الحاكم، ووافقه الذهبي، وحسنه الحافظ في الفتح (٥/ ٧٦)، وهو ضعيف للجهالة بحال محمد بن عبد الله بن ميمون بن مسيكة -مصغر- الطائفي، وقد ينسب لجده.
[ ١ / ٣٤٤ ]
(٩٢) ٤ - وقال البخاري: «لي الواجد يحل عرضه وعقوبته»، قال سفيان: «عرضه» يقول: مطلتني، و«عقوبته» الحبس (^١) (^٢).
وجه الدلالة: دل الحديث على أن المدين إذا امتنع من أداء الدين مع الإمكان، فإنها تحل عقوبته، وعقوبته المتعينة والواجبة هي الحبس؛ لاتفاقهم على أنه لم يرد غيره (^٣).
ونوقش الاستدلال بالحديث من وجهين:
الوجه الأول: أن الجمهور يقولون به، ويرون أن الحبس وسيلة من وسائل التضييق على المدين ليقضي دينه، إلا أنهم يرون أن هذه الوسيلة غير متعينة، بدلالة الحديث، حيث أرشد إليها بتقرير الحل (يحل عرضه، وعقوبته) لا الإيجاب، ثم إن المصلحة قد تقتضي الحجر عليه، وبيع ماله إنصافا لغرمائه عملا بالأدلة المثبتة لهاتين الوسيلتين، فيتم العمل بالأدلة كلها.
_________________
(١) ذكره البخاري تعليقا (٥/ ٧٥)، وقال ابن حجر: وصله البيهقي من طريق الفريابي وهو من شيوخ البخاري فتح الباري (٥/ ٧٦).
(٢) أحكام القران للجصاص (١/ ٤٧٤).
(٣) نفسه.
[ ١ / ٣٤٥ ]
الوجه الثاني: أن الحديث وارد في المدين الغني المماطل، وكثير من أهل العلم لا يقولون بالحجر عليه (^١)، وكلامهم في المسألة وأدلتهم في الحجر على المدين المفلس، فيكون الحديث غير معارض لها.
٥ - أن في الحجر إهدارًا لأهليته إلحاقًا له بالبهائم، وذلك ضرر عظيم، فلا يجوز لدفع ضرر خاص (^٢).
وإنما يجوز النظر لغرمائه بطريق لا يكون فيه إلحاق الضرر به إلا بقدر ما ورد الشرع به، وهو الحبس (^٣)، والحبس بالدين مشروع بالإجماع (^٤).
ونوقش: أنه لا يسلم أنه يؤدي إلى المساس بآدميته وإنسانيته، ولا أن فيه هدرا لأهليته إلا بالقدر الذي يحقق المصلحة في نطاق الحق، وفي نطاق الأدلة التي جاءت بإثبات الحجر عليه.
يدل على ذلك أن أهليته معتبرة في جميع التصرفات، إلا التصرفات المالية المضرة بالغرماء، وأيضا السجن نفسه -الذي يقول به أبو حنيفة- يمس حرية السجين، وإنسانيته.
٦ - أن بيع المال على المدين فيه نوع حجر، والبيع غير مستحق عليه ولا متعين لقضاء دينه؛ لأنه يتمكن من قضائه بالاستيهاب والاستقراض وسؤال الناس الصدقة (^٥).
ونوقش من ثلاثة أوجه:
أولها: أن هذا مقابل النص، والنصوص لا تعارض بالنظر.
_________________
(١) ينظر: بداية المجتهد ٢/ ٤٦١، روضة الطالبين (٤/ ١٢٩)، كشاف القناع (٣/ ٤١٩).
(٢) الهداية للمرغيناني (٣/ ٣٢٠)، مجمع الأنهر (٢/ ٤٤٢)، أحكام صدقة التطوع ص ٢٥٤.
(٣) المبسوط للسرخسي (٢٤/ ١٦٣).
(٤) البناية، مصدر سابق، (١٠/ ١٣٣).
(٥) المبسوط (٢٤/ ١٦٤)، كشف الأسرار (٤/ ٦١١)، البناية (١٠/ ١٣٣).
[ ١ / ٣٤٦ ]
ثانيها: أن القدرة على قضاء الدين ببيع المال الموجود أظهر وأقرب من القدرة عليه بالاستقراض وغيره، فيكون المصير إليه أسرع في إبراء الذمة وأداء حق أهل الحق.
ثالثها: أن حق الغرماء قد تعلّق بمال المدين الموجود حال الإفلاس، فتعّين أن يُقضى منه، بدليل أنه لا يجب عليه أكثر مما عنده، يدل على ذلك قوله ﷺ في حديث أبي سعيد الخدري ﵁: "خذوا ما وجدتم، وليس لكم إلا ذلك" (^١).
الترجيح:
والذي يترجح لي -والله أعلم- قول جمهور الفقهاء، القائلين بأن المدين المفلس يحجر عليه، ويمنع من التصرف في ماله بما يضر بحق الغرماء كالوقف؛ وذلك لقوة أدلتهم، وصراحتها، وبعدها عن التأويلات المحتملة العارية عن مستند.