يشترط لصحة الوقف الاختيار والرضا ظاهرا وباطنا، وعلى هذا لو وقف حياء لم يصح وقفه؛ لما يأتي من الأدلة، فإن أكره على الوقف بإتلاف نفس، أو طرف، أو منفعة، أو ضرب، أو أخذ مال يشق عليه.
فاختلف العلماء في حكم وقف المكره على ثلاثة أقوال:
القول الأول: بطلان وقف المكره.
وهو قول المالكية (^١)، وهو مذهب الشافعية (^٢)، والحنابلة (^٣)، والظاهرية (^٤).
في الشرح الصغير للدردير: " فأركانه أربعة: الأول: واقف إن كان أهلًا للتبرع، وهو البالغ الحر الرشيد المختار، فلا يصح من صبي ولا مجنون ولا عبد، ولا سفيه، ولا مكره " (^٥).
_________________
(١) أحكام القران لابن العربي ١/ ٤١١، القوانين الفقهية ص ٢٤٨
(٢) روضة الطالبين ٣/ ٣٤٢، حواشي الشرواني ٦/ ٢٣٦، مغني المحتاج ٢/ ٣٧٧.
(٣) الإنصاف ٤/ ٢٦٥، المبدع ٤/ ٧، كشاف القناع ٣/ ١٥٠.
(٤) المحلى، مصدر سابق، ٩/ ٢١.
(٥) الشرح الصغير، مصدر سابق، ٢/ ٢٩٨.
[ ١ / ٣٧١ ]
ونص الشافعية: على أنه إذا كان الإكراه بحق صح الوقف، كما لو نذر أن يقف شيئًا من ماله ثم امتنع، فللحاكم أن يجبره.
القول الثاني: أن وقف المكره فاسد، أي أن العقد انعقد صورة، ولكنه فاسد؛ لعدم الرضا، ويمكن أن يصح العقد إذا أجازه المكره ورضي به، ولكل من المُكَره والمُكِرِه حق الفسخ.
وبه قال الحنفية (^١).
قال الكاساني: " والإنشاء نوعان: نوع لا يحتمل الفسخ … كالطلاق، والعتاق، والرجعة، والنكاح فهذه التصرفات جائزة مع الإكراه ، وأما النوع الذي يحتمل الفسخ فالبيع والشراء والهبة، والإجارة ونحوها، فالإكراه يوجب فساد هذه التصرفات عند أصحابنا الثلاثة، وعند زفر: يوجب توقفها على الإجارة كبيع الفضولي، وعند الشافعي: يوجب بطلانها أصلًا ".
القول الثالث: أن عقد المكره صحيح غير لازم بالنسبة للمكره إن أجازه نفذ، وإلا فلا.
وبه قال زفر، وهو احتمال لصاحب الفائق من الحنابلة (^٢).
الأدلة
أدلة القول الأول: (البطلان)
استدل القائلون ببطلان وقف المكره بالأدلة الآتية:
١ - قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (^٣).
_________________
(١) بدائع الصنائع (٧/ ١٨٦)، تبيين الحقائق (٥/ ١٨٢).
(٢) بدائع الصنائع (٧/ ١٨٦)، الإنصاف ٤/ ٢٦٥
(٣) من آية ٢٩ من سورة النساء.
[ ١ / ٣٧٢ ]
وجه الاستدلال: أن الآية دلت على أن البيع إذا لم يكن عن تراض، فالباطل لا يحل أكل المال به، ومثله الوقف.
٢ - قول الله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ (^١).
قال الإمام الشافعي ﵀: " وللكفر أحكام، كفراق الزوجة، وأن يقتل الكافر ويغنم ماله، فلما وضع الله عنه سقطت عنه أحكام الإكراه على القول كله؛ لأن الأعظم إذا سقط عن الناس سقط ما هو أصغر منه، وما يكون حكمه بثبوته عليه " (^٢).
٣ - قول الله تعالى: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ (^٣).
ويوجه الاستدلال من الآية بأمرين:
أحدهما: أن الآية نهت عن الإكراه فيما لا يحل -وهو الزنى-، فيكون النهي عن الإكراه فيما يحل -كالوقف- من باب أولى (^٤).
الأمر الثاني: في الآية دلالة على رفع الإثم عن المكرهة على الزنى، فيلزم حينئذ عدم ترتب الحد عليها (^٥)، وإذا كان الإكراه يؤثر في الزنى فلأن يؤثر في الوقف ونحوها من باب أولى.
٤ - قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ (^٦).
_________________
(١) من آية ١٠٦ من سورة النحل.
(٢) الأم (٣/ ٢٣٦).
(٣) من آية ٣٣ من سورة النور.
(٤) فتح الباري، مصدر سابق، (١٢/ ٣١٩).
(٥) المصدر نفسه (١٢/ ٣٢٢).
(٦) من آية ١٩ من سورة النساء.
[ ١ / ٣٧٣ ]
وجه الاستدلال من هذه الآية:
(١٠٥) بما روى البخاري من طريق عكرمة، عن ابن عباس ﵄ في سبب نزول هذه الآية قال: " كانوا إذا مات الرجل كان أولياؤه أحق بامرأته، إن شاء بعضهم تزوجها، وإن شاؤوا زوجوها، وإن شاؤوا لم يزوجوها فهم أحق بها من أهلها " (^١).
فإذا كان النكاح كرها لا يحل كما صرحت بذلك الآية، فمعنى ذلك بطلان العقد، وذلك استنادا إلى القاعدة الأصولية: "أن النهي يقتضي الفساد" (^٢).
٥ - أن النبي ﷺ نهى عن إجبار المرأة على النكاح بكرا كانت أو ثيبا، وألزم وليها أن يستأذنها، فإن زوجها مكرهة فنكاحها مردود، فمن هذه الأحاديث:
(١٠٦) أ- ما رواه البخاري من طريق يزيد بن جارية، عن خنساء بنت خدام الأنصارية (^٣) " أن أباها زوجها وهي ثيب، فكرهت ذلك، فأتت رسول الله ﷺ فرد نكاحها " (^٤).
(١٠٧) ب- ما رواه البخاري ومسلم من طريق أبي سلمة، عن أبي
_________________
(١) صحيح البخاري - كتاب التفسير/ باب لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها (٤٥٧٩).
(٢) مفتاح الوصول للتلمساني ص (٤١٨)، صيغ العقود (١/ ٤٠٦).
(٣) هي خنساء بنت خدام الأنصارية الأوسية، من بني عمرو بن عوف، زوجها هو أبو لبابة ابن عبد المنذر، صحابية لا يعرف لها إلا هذا الحديث، لم تذكر كتب التراجم من خبرها إلا إنكاح أبيها لها وهي كارهة. تنظر ترجمتها: في تهذيب التهذيب (١٢/ ٤١٣)، والإصابة (٨/ ٦٥).
(٤) صحيح البخاري -كتاب النكاح/ باب إذا زوج الرجل ابنته وهي كارهة فنكاحه مردود (٥١٣٨).
[ ١ / ٣٧٤ ]
هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: " لا تنكح الأيم حتى تستأمر، ولا البكر حتى تستأذن " قالوا: يا رسول الله، وكيف إذنها؟ قال: " أن تسكت" (^١).
(١٠٨) ٦ - ما رواه ابن ماجه من طريق الوليد بن مسلم، حدثنا الأوزاعي، عن عطاء، عن ابن عباس ﵄، عن النبي ﷺ قال: "إنَّ اللهَ وضَعَ عن أمتي الخطَأَ والنسيانَ وما استُكرِهوا عليه" (^٢).
(أنكره أحمد، وأبو حاتم).
_________________
(١) صحيح البخاري- كتاب النكاح/ باب لا ينكح الأب وغيره البكر والثيب إلا برضاهما (٥١٣٦)، ومسلم في النكاح/ باب استئذان الثيب في النكاح (١٤١٩).
(٢) سنن ابن ماجه -الطلاق/ باب طلاق المُكره والناسي (٢٠٤٣). وأخرجه البيهقي ٧/ ٣٥٦ من طريق محمد بن المصفى به، وأخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار ٣/ ٩٥، والطبراني في الصغير ١/ ٢٧٠، وابن حبان في صحيحه (٧٢١٩)، والدارقطني ٤/ ١٧٠، والبيهقي ٧/ ٣٥٦، وابنُ عديٍّ في الكامل (٢/ ٣٤٦)، والضياء المقدسي في المختارة (١١/ ١٨٢)، وابن حزم في الإحكام ٥/ ١٤٩ من طريق الربيع بن سليمان المرادي، ثنا بشر بن بكر، عن الأوزاعي، عن عطاء، عن عبيد بن عمير، عن ابن عباس ﵄، به. وأخرجه الحاكم ٢/ ١٩٨ من طريق بحر بن نصر، عن بشر بن بكر، ومن طريق الربيع ابن سليمان، عن أيوب بن سويد، كلاهما عن الأوزاعي به، وأخرجه الطبراني في المعجم الأوسط (٦/ ١٣٧) برقم (٨٢٧٥) من طريق ابن مسلم، عن ابن جريج، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس ﵄، وابن جريج ثقة يُدلِّس ويُرسل، كما في التقريب (٤١٩٣)، وقد عنعَن، وفيه الوليد بن مسلم ثقةٌ كثيرُ التَّدليس والتَّسوية، كما في التقريب (٧٤٥٦) وقد عنعَن، وأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٥/ ٢٢٠) من طريق يحيى بن سُليم، عن ابن جريج، عن عطاء بن أبي رباح قال: بلغني أنَّ رسول الله ﷺ قال، وقال ابن رجب في جامع العلوم والحكم (٢/ ٣٦٢): " وهذا المُرسل أشبه ". وأخرجه الطبراني المعجم الأوسط (١/ ٥٨١) (٢١٣٧)، وابن عدي في الكامل (٥/ ١٩٢٠) من طريق محمد بن موسى الحرشي، قال: نا عبد الرحيم بن زيد العمي، عن أبيه، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵂، قال ابن عدي في الكامل: "مُنكر". وقال ابن رجب في جامع العلوم والحكم (٢/ ٣٦٣): "وعبد الرحيم هذا ضعيف". وأخرجه الطبراني في المعجم الكبير (١١/ ١٣٣) برقم (١١٢٧٤) من طريق مسلم بن خالد الزنجي، حدثني سعيد هو العلاَّف، عن ابن عباس ﵄، قال ابن رجب في جامع العلوم والحكم (٢/ ٣٦٢): " وسعيد العلاف هو سعيد بن أبي صالح، قال أحمد: هو مكي، قيل له: كيف حاله؟ قال: لا أدري! وما علمت أحدًا روى عنه غير مسلم بن خالد، قال أحمد: وليس هذا مرفوعًا، إنما هو عن ابن عباس ﵁ قوله، نقل ذلك عنه مهنَّا، ومُسلم بن خالد ضعَّفوه " أ. هـ وأخرجه ابن عدي في الكامل (٢/ ٥٠٨) من طريق: بقيَّة، ثنا عبيد - رجل من همدان، عن قتادة، عن أبي حمزة، عن ابن عباس ﵄. قال ابن رجب في جامع العلوم والحكم (٢/ ٣٦٣): " ورويَ من رواية بقيَّة بن الوليد، عن علي الهمداني، عن أبي حمزة، عن ابن عبَّاس ﵁ مرفوعًا خرَّجه حرب، ورواية بقيَّة عن مشايخه المجاهيل لا تساوي شيئًا ". وللحديث شواهد: منها: حديث أبي ذر، وعقبة بن عامر، وابن عمر، وثوبان، وأبي الدرداء، وأم الدرداء ﵃، وهي ضعيفة. الحكم على الحديث: الحديث صحَّحه طائفةٌ من أهل العلم، منهم ابن حبان، حيث أخرجه في صحيحه، والحاكم، وحسَّنه النَّوويُّ في الأربعين رقم (٣٩)، قال ابن عدي بعدما ساق طُرُقَه عن الأوزاعي: " والحديث هو هذا ما رويته من حديث الوليد بن مسلم، وبشر بن بكر، لا ما رواه أبو الإشنان -هو لقب للحسن بن علي-، عن عبد الله بن يزيد، عن الأوزاعي، وعبد الله بن يزيد هذا أرجو أنه لا بأس به، وقد حدَّثَ عنه جماعةٌ من الثقات، مثل: أبي حاتم الرازي، ويزيد بن عبد الصمد الدمشقي، والبلاء من أبي الإشنان لا منه ". قال ابن حزم: " وقد صحَّ عن رسول الله ﷺ … " ثم ذكره … قال ابنُ رجب في جامع العلوم والحكم (٢/ ٣٦١): " وهذا إسناد صحيح في ظاهر الأمر، ورواته كلهم محتج بهم في الصحيحين، وقد خرَّجه الحاكم وقال: " صحيح على شرطهما "، كذا قال، ولكن له علَّة، وقد أنكره الإمام أحمد جدًَّا، وقال: " ليس يُروى فيه إلا عن الحسن عن النبي ﷺ مرسلًا ..، وقال أبو حاتم: " هذه أحاديث مُنكرة، كأنها موضوعة، وقال: لم يسمع الأوزاعي هذا الحديث من عطاء، وإنما سمعه من رجل لم يُسَمِّهِ، أَتَوهَّمُ أنه عبد الله بن عامر، أو إسماعيل بن مسلم، قال: ولا يصح هذا الحديث، ولا يثبت إسناده ". وقد أنكر الحديث: الإمامان أحمد وأبو حاتم، وقد نقل ابن رجب في جامع العلوم والحكم (٢/ ٣٦٥)، وابن حجر في التلخيص (١/ ٢٨٢) عن محمد بن نصر المروزي ﵀ قوله: " ليس لهذا الحديث إسناد يُحتج بمثله "، لكن يُغني عنه ما جاء في صحيح مسلم بمعنى هذا الحديث عن أبي هريرة وابن عباس ﵃. قال البوصيري في مصباح الزجاجة ٢/ ١٣٠: " هذا إسناد صحيح إن سلم من الانقطاع، والظاهر أنه منقطع " قال المزي في الأطراف ٥/ ٨٥: " رواه بشر بن بكر التنيسي عن الأوزاعي، عن عطاء عن عبيد بن عمير، عن ابن عباس ﵄ ". قال البوصيري: "وليس ببعيد أن يكون السقط من صنعة الوليد بن مسلم فإنه كان يدلس تدليس التسوية ".
[ ١ / ٣٧٥ ]
وجه الاستدلال من الحديث: الحديث يقتضي أن يكون حكم كل ما استكره عليه مرفوعا (^١)؛ لأنه لما استحال رفع الخطأ نفسه -ومثله النسيان والإكراه- وجب أن يضمر في الجملة ما يصح أن يتعلق به الرفع، وتقدير "الحكم" أولى؛ لأنه يفيد العموم (^٢).
ونوقش وجه الاستدلال من الحديث بأمرين:
أحدهما: أن الاستكراه لم يرفع؛ لأنه قد يوجد، فيكون المقصود رفع الإثم (^٣).
وأجيب عنه: بأن المراد به حكم الاستكراه، لا الاستكراه، كما أن المراد برفع الخطأ رفع حكمه لا رفع الخطأ عينه.
_________________
(١) المبسوط ٢٤/ ٥٧، بدائع الصنائع ٧/ ١٨٢، الحاوي ١٣/ ٩٧.
(٢) مفتاح الوصول للتلمساني ص ٤٦٣.
(٣) المبسوط ٢٤/ ٥٩، الحاوي ١٣/ ٩٧، مصدران سابقان،.
[ ١ / ٣٧٧ ]
الأمر الثاني: أن المراد بالإكراه في الحديث الإكراه على الكفر؛ لأن القوم كانوا حديثي العهد بالإسلام، وكان الإكراه على الكفر ظاهرا يومئذ، وكان يجري على ألسنتهم كلمات الكفر خطأً وسهوًا، فعفا الله ﷻ عن ذلك على لسان رسوله (^١).
ويجاب عن هذا: بأنه على فرض التسليم به، فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
فقوله ﷺ: "وما استكرهوا عليه" لفظ عام يشمل كل نوع من أنواع الإكراه، سواء أكان إكراها على كفر أو عقد نكاح أو طلاق، والقول بأنه خاص بالإكراه على الكفر تخصيص لا دليل عليه.
الأمر الثالث: عدم التسليم بأن الهبة والعتاق والوقف وكل تصرف قولي مستكره عليه يقع؛ لأن الإكراه لا يعمل على الأقوال كما لا يعمل على الاعتقادات؛ لأن أحدا لا يقدر على استعمال لسان غيره بالكلام على تغيير ما يعتقده بقلبه جبرا، فكان كل متكلم مختارا فيما يتكلم به، فلا يكون مستكرها عليه حقيقة، فلا يتناوله الحديث (^٢).
ويجاب عن هذا: بعدم التسليم به؛ فالإكراه يشمل التصرفات القولية والفعلية، بدليل أن الإكراه بالتهديد بالقتل أو إتلاف عضو إن كان يؤدي بالمكره إلى فعل ما لا يرضاه، فإنه أيضا يؤدي به إلى قول ما لا يرضاه.
ويجاب عن هذه المناقشة: بما سبق ذكره من الفرق بين طلاق الهازل وطلاق المكره (^٣).
_________________
(١) بدائع الصنائع، مصدر سابق، (٧/ ١٨٢).
(٢) المصدر السابق، صيغ العقود (١/ ٤٠٧).
(٣) قريبا.
[ ١ / ٣٧٨ ]
٧ - حديث ابن عمر ﵄ أنَّ رسول الله ﷺ قال: " لا يحلبن أحد ماشية أحد إلا بإذنه " (^١).
دلّ الحديث على أنه لا بد لحل مال المسلم من الرضا، وهذا منتف مع الإكراه فلا يصح العقد.
٨– حديث عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: " إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى " (^٢).
وقد وجه ابن حزم (^٣) الاستدلال من هذا الحديث قائلا: " فصح أن كل عمل بلا نية فهو باطل لا يعتد به ".
وعقد المكره عمل بلا نية فهو باطل؛ لأن المكره إنما هو حاكٍ لما أمر أن يقوله فقط (^٤).
٩ - قياس بطلان عقود المكره على إسقاط حكم الكفر على من تلفظ به مكرها بجامع أنها من التصرفات القولية.
جاء في المهذب (^٥) في معرض الاستدلال لبطلان عقد المكره على البيع ما نصه: " ولأنه قول أكره عليه بغير حق فلم يصح ككلمة الكفر إذا أكره عليها المسلم ".
١٠ - أن القصد إلى ما وضع له الشيء شرط لجوازه، ولهذا لا يصح تصرف الصبي والمجنون، وهذا الشرط يفوت بالإكراه؛ لأن المكره لا يقصد بالتصرف ما وضع له، وإنما يقصد دفع مضرة الإكراه عن نفسه.
_________________
(١) سبق تخريجه برقم (٤٤).
(٢) سبق تخريجه برقم (٦٠).
(٣) المحلى، مصدر سابق، (١٠/ ٢٠٥).
(٤) نفسه.
(٥) (١/ ٣٤٢).
[ ١ / ٣٧٩ ]
ونوقش: بأن هذا باطل بطلاق الهازل، ثم إن كان شرطا فهو موجود ههنا؛ لأنه قاصد دفع الهلاك عن نفسه، ولا يندفع عنه إلا بالقصد إلى ما وضع له فكان قاصدًا إليه ضرورة (^١).
دليل القول الثاني: (فساد العقد)
استدل القائلون بفساد هبة المكره: أن ركن العقد -وهو الإيجاب والقبول- قائم لا خلل فيه؛ لأنه صدر من أهله مضافا إلى محله، وإنما كان فاسدا لفقدان شرطه -وهو الرضا- وفوات الشرط إنما يؤثر في فساد العقد لا بطلانه.
بيان ذلك: أن الرضا أمر يتعلق بالعاقد المكره، فإذا وجد الرضا بعد زوال الإكراه فحينئذ يزول سبب النهي ويصير العقد صحيحا (^٢).
ويناقش هذا الدليل من ثلاثة أوجه:
الوجه الأول: عدم التسليم بأن الرضا شرط الصحة، بل هو ركن كالإيجاب والقبول، وما دام أنه ركن فيبطل العقد عند فقده.
الوجه الثاني: عدم التسليم بأن الإيجاب والقبول قائم في عقد المكره بدون خلل، فالإكراه خلل يؤثر في الإيجاب والقبول.
الوجه الثالث: أن العقد مع الإكراه لو كان فاسدا ما ارتفع الفساد بالإجازة؛ لأن الفاسد لا تجعله الإجازة صحيحا (^٣).
وأجاب الكاساني (^٤) عنه بقوله: " البياعات الفاسدة لا تلحقها الإجازة؛ لأن فسادها لحق الشرع من حرمة الربا ونحو ذلك، فلا يزول برضا العبد،
_________________
(١) بدائع الصنائع، مصدر سابق، (٧/ ١٨٦).
(٢) بدائع الصنائع (٧/ ١٨٦)، تبيين الحقائق (٥/ ١٨٢ - ١٨٣).
(٣) المصدران السابقان، صيغ العقود (١/ ٤٠٩).
(٤) بدائع الصنائع، المصدر نفسه، (٧/ ١٨٦).
[ ١ / ٣٨٠ ]
أي في عقد المكره الفساد لحق العبد وهو عدم رضاه فيزول بإجازته ورضاه ".
دليل القول الثالث: (صحيح غير لازم)
استدل القائلون بوقف عقد المكره: بالقياس على عقد الفضولي، بجامع أنهما عقدان تلحقهما الإجازة، وعقد الفضولي موقوف على إجازة المالك، فيكون عقد المكره موقوفا على رضا المكره وإجازته (^١).
ويناقش هذا الدليل: بأنه قياس مع الفارق؛ لأن رضا المالك في عقد الفضولي مجهول، فيحتمل أن يرضى بالعقد بعد علمه به، ويحتمل أن لا يرضى، لذا كان العقد موقوفا على رضاه بعد علمه.
أما في عقد المكره فعدم الرضا متحقق لا شك فيه، وإلا سمي العقد بعقد المكره.
الترجيح:
ترجح لي القول ببطلان وقف المكره؛ وذلك لقوة أدلة هذا القول، وضعف أدلة الأقوال الأخرى؛ حيث لم تسلم من المناقشة.
لكن تتوجه صحة وقف المكره بالإجازة إذا زال الإكراه؛ لما سبق من صحة وقف الفضولي بالإجازة (^٢).
فرع: شروط الإكراه.
يُشترط لصحَّة الإكراه شروط:
١ - أن يكون المُكرِه قادرًا على تنفيذ ما هدَّدَ به.
_________________
(١) بدائع الصنائع، مصدر سابق، (٧/ ١٨٦).
(٢) ينظر: شرط كون الواقف مالكًا.
[ ١ / ٣٨١ ]
٢ - أن يغلب على ظنّ المُكرَه أنَّ المُكرِه يفعل ما هدَّده به، وكذا لو تساوى الأمران.
٣ - أن يكون المُكره به مما يشق على المُكرَه.
٤ - أن يكون الإكراه بغير حق.
٥ - أن يكون المُهدَّد به عاجلًا غير معلَّق.
٦ - أن يفعل ما أكره عليه لرفع الإكراه، لا لقصده مجردًا عن قصد رفع الإكراه (^١) مطلقا.