من وقف ما يضر بمن تلزمه نفقته من الزوجات، والأقارب، كما لو وقف البيت الذي يسكنه مسجدًا، أو رباطًا لطلاب العلم، فإنه يأثم لتقديمه النفل على الواجب، ولما يأتي من الأدلة:
قال ابن عابدين: " الصدقة تستحب بفاضل عن كفايته، وكفاية من يمونه، وإن تصدق بما ينقص مؤنة من يمونه أثم " (^٣)، والوقف من الصدقة.
_________________
(١) المصباح المنير، مصدر سابق، ١/ ١٧٤.
(٢) الموافقات ١/ ٧٢.
(٣) رد المحتار ٣/ ٣٠٨، وانظر: الاختيار لابن مودود ٣/ ٥٤.
[ ١ / ٣٨٤ ]
ويقول الشيرازي: " لا يجوز أن يتصدق بصدقة التطوع وهو محتاج إلى ما يتصدق به لنفقته أو نفقه عياله " (^١)، والوقف من الصدقة.
ويقول: " ولا يجوز لمن عليه دين وهو محتاج إلى ما يتصدق به لقضاء دينه؛ لأنه حق واجب، فلم يجز تركه بصدقة التطوع كنفقة عياله " (^٢).
وقال الماوردي: " أما صدقة التطوع قبل أداء الواجبات من الزكوات والكفارات، وقبل الإنفاق على من تجب نفقتهم من الأقارب والزوجات، فغير مستحبة ولا مختارة " (^٣).
ويقول ابن قدامة: " فإن تصدق بما ينقص من كفاية من تلزمه مؤنته ولا كسب له، أثم " (^٤).
وقال ابن الرفعة: " إذا كان محتاجًا لما يتصدق به لنفسه، أو لنفقة عياله، أو لقضاء ديون عليه لا يرجو وفاءه فتصدق بالمال أو وهبه أو وقفه أو أعتقه، ففي صحة ذلك الوجهان في هبة المال في الوقت، والصحيح عدم الصحة، فإنه يريد أن يتحايل على أهل الديون، وأن يضيع من يعول، وكفى بالمرء إثمًا أن يضيع من يعول " (^٥).
_________________
(١) المهذب مع المجموع ٦/ ٢٣٤، وقد نقله النووي عن جماعة من الشافعية وصححه في نفقة عياله.
(٢) المصدر السابق، وانظر: روضة الطالبين للنووي ٢/ ٣٤٢، وللشافعية وجهان آخران في المسألة غير هذا ذكرهما النووي الأولى: أن الصدقة لا تستحب ولا يقال إنها مكروهة، وحكاه عن الماوردي والغزالي وجماعة من الخراسانيين. الثاني: أن الصدقة مكروهه في هذه الحالة. والراجح: ما عليه أكثر الفقهاء.
(٣) الحاوي الكبير، مصدر سابق، ٣/ ٣٩٠.
(٤) المغني ٤/ ٣٢٠، وانظر للمالكية: حاشية العدوي على كفاية الطالب الرباني ٢/ ٣٤٠ - ٣٤١.
(٥) الفواكه العديد، مصدر سابق، ة ١/ ٤٣٥.
[ ١ / ٣٨٥ ]
ويقول المرداوي: " وإن تصدق بما ينقص مؤنة من تلزمه مؤنته أثم، وكذا لو أضر ذلك بنفسه أو بغريمه أو بكفايته، قاله الأصحاب " (^١)، والوقف من الصدقة.
أما إن كانت الصدقة تنقص من كفاية المتصدق نفسه، ولا صبر له على الضيق، فإنه يكره له الصدقة في هذه الحالة، فإن أضر بنفسه حرم عليه التصدق.
صرح بهذا فقهاء الحنفية (^٢)، والشافعية (^٣)، والحنابلة (^٤).
وقال ابن حزم: " ولا تنفذ هبة ولا صدقة لأحد إلا فيما أبقى له ولعياله غنى، فإن أعطى ما لا يبقى لنفسه وعياله بعده فسخ كله " (^٥).
والدليل على ذلك:
١ - قوله تعالى: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (٢٦) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾ (^٦).
٢ - قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾ (^٧).
(١٠٩) ٣ - ما رواه مسلم من طريق خيثمة، عن عبد الله بن عمر ﵄ … قال: قال رسول الله ﷺ: "كفى بالمرء إثمًا أن يحبس عمّن يملك قوته" (^٨).
_________________
(١) الإنصاف ٣/ ٢٦٧، وانظر: الفروع لابن مفلح ٢/ ٦٥٠.
(٢) رد المحتار ٣/ ٣٠٨.
(٣) روضة الطالبين ٢/ ٣٤٢، والمجموع له ٦/ ٢٣٤.
(٤) الفروع ٢/ ٦٥٠، ٦٥١.
(٥) المحلى، مصدر سابق، ٩/ ١٣٦.
(٦) آية ٢٦ ومن آية ٢٧ من سورة الإسراء.
(٧) من آية ٢٩ من سورة الإسراء.
(٨) صحيح مسلم في الزكاة/ باب فضل النفقة على العيال (٢٣١١).
[ ١ / ٣٨٦ ]
(١١٠) ٤ - وما رواه مسلم من طريق أبي الزبير، عن جابر ﵁ قال: أعتق رجل من بني عذرة عبدًا له عن دبر، فبلغ ذلك الرسول ﷺ، فقال: " ألك مال غيره؟ " فقال: لا، فقال: "من يشتريه مني؟ "، فاشتراه نعيم بن عبد الله بثمانمئة درهم، فجاء بها رسول الله ﷺ فدفعها إليه، ثم قال: " ابدأ بنفسك فتصدق عليها، فإن فضل شيء فلأهلك، فإن فضل عن أهلك شيء فلذي قرابتك، فإن فضل عن ذي قرابتك شيء فهكذا وهكذا " (^١).
(١١١) ٥ - ما رواه البخاري من طريق أبي صالح قال: حدثني أبو هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ: " أفضل الصدقة ما ترك غنى، واليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول "، تقول المرأة: إما أن تطعمني وإما أن تطلقني، ويقول العبد: أطعمني واستعملني، ويقول الابن: أطعمني إلى من تدعني؟ " فقالوا: يا أبا هريرة سمعت هذا من رسول الله ﷺ؟ قال: لا، هذا من كيس أبي هريرة (^٢).
(١١٢) ٦ - ما رواه البخاري من طريق عروة ومسلم - واللفظ له - من طريق موسى بن طلحة أن حكيم بن حزام حدثه أن رسول الله ﷺ قال: " أفضل الصدقة أو خير الصدقة عن ظهر غنى، واليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول " (^٣).
قال الخطابي: "وابدأ بمن تعول" أي: لا تضيع عيالك، وتفضل على غيرك".
_________________
(١) نفسه، (٢٣١٢).
(٢) صحيح البخاري في النفقة/ باب وجوب النفقة على الأهل (٥٣٥٥).
(٣) صحيح البخاري في الزكاة/ باب لا صدقة إلا عن ظهر غنى (١٤٢٦)، ومسلم في الزكاة/ باب بيان أن اليد العليا خير من اليد السفلى (١٠٣٤).
[ ١ / ٣٨٧ ]
وقال ابن حجر: " وابدأ بمن تعول " أي: بمن يجب عليك نفقته .. وهو أمر بتقديم ما يجب على ما لا يجب ".
وقد بَوَّب البخاري على هذا الحديث وغيره: " باب لا صدقه إلا عن ظهر غنى، ومن تصدق وهو محتاج أو أهله محتاج أو عليه دين، فالدين أحق أن يقضى من الصدقة والعتق والهبة، وهو رد عليه (^١)، ليس له أن يتلف أموال الناس " (^٢).
فرع:
فإذا أمن الإنسان لمن يعوله كفايتهم، أو كان وحده ليس له من يعوله، فهل يشرع له وقف جميع ماله؟
اتفق الأئمة الأربعة في الجملة على جواز ذلك، ولكن بشرط أن يعلم من نفسه حسن التوكل واليقين، وأن يكون عنده القناعة والصبر على الفقر وعن المسألة، أو يكون ذا كسب.
وقال ابن حزم: " ولا تنفذ هبة ولا صدقة لأحد إلا فيما أبقى له ولعياله غنى، فإن أعطى ما لا يبقى لنفسه وعياله بعده فسخ كله " (^٣).
وقد جاء عن بعض السلف، كعطاء بن أبي رباح (^٤)، وسعيد بن المسيب، وابن شهاب الزهري (^٥) أنهم رأوا الاقتصار على الثلث.
_________________
(١) فتح الباري، مصدر سابق، (٣/ ٢٩٥).
(٢) صحيح البخاري مع فتح الباري -كتاب الزكاة (٣/ ٢٩٤).
(٣) المحلى، مصدر سابق، ٩/ ١٣٦.
(٤) أخرجه عنه عبد الرزاق في المصنف (٩/ ٧٥) (١٦٤٠٠).
(٥) ينظر: المدونة الكبرى (٣/ ٩٥).
[ ١ / ٣٨٨ ]
وقال ابن عابدين: " ومن أراد الصدقة بماله كله وهو يعلم من نفسه حسن التوكل، والصبر عن المسألة فله ذلك، وإلا فلا يجوز " (^١).
وقال ابن عبد البر: " وجائز أن يتصدق الرجل في صحته بماله كله في سبيل البر والخير " (^٢).
وقال الماوردي: " إن كان حسن اليقين قنوعا لا يقنطه الفقر، ولا يسأل عند العدم فالأولى أن يتصدق بجميع ماله " (^٣).
وقال ابن قدامه: " فإن كان الرجل وحده، أو كان لمن يمون كفايتهم، فأراد الصدقة بجميع ماله، وكان ذا مكسب، أو كان واثقًا من نفسه، ويحسن التوكل والصبر على الفقر، والتعفف عن المسألة، فحسن ".
وقال القاضي عياض: "جوَّز جمهور العلماء وأئمة الأمصار الصدقة بجميع ماله".
وجزم جمهور الشافعية، وهو الأصح في مذهبهم، وبعض الحنابلة باستحباب ذلك، وأفضليته عند تحقق الشرط المذكور.
وفي وجه عند الشافعية، والحنابلة: بالجواز (^٤).
واستدل القائلون بالجواز والمانعون بما يلي:
(١١٣) ١ - ما رواه أبو داود من طريق الفضل بن دكين، ثنا هشام بن سعد عن زيد بن أسلم، عن أبيه قال: سمعت عمر بن الخطاب ﵁ يقول: أمرنا رسول الله ﷺ يومًا أن نتصدق، فوافق ذلك مالًا عندي، فقلت: اليوم أسبق أبا بكر إن سبقته يوما فجئت بنصف مالي، فقال رسول الله ﷺ: "
_________________
(١) رد المحتار (٣/ ٢٠٨).
(٢) الكافي، مصدر سابق، (٢/ ٣٠٨).
(٣) الحاوي الكبير، مصدر سابق، (٣/ ٣٩١).
(٤) الفروع لابن مفلح (٢/ ٦٥١)، الإنصاف للمرداوي (٣/ ٢٦٧).
[ ١ / ٣٨٩ ]
ما أبقيت لأهلك؟ " قلت: مثله، قال: وأتى أبو بكر ﵁ بكل ما عنده، فقال له رسول الله ﷺ: "ما أبقيت لأهلك؟ " قال: أبقيت لهم الله ورسوله، قلت: لا أسابقك إلى شيء أبدًا " (^١).
(إسناده حسن)
_________________
(١) سنن أبي داود -كتاب الزكاة/ باب في الرخصة في ذلك حديث رقم (١٦٧٨)، وأخرجة عبد بن حميد (١٤)، والدارمي في سننة (١٥ - ١٦)، والترمذي في جامعة (٣٦٧٥) من طريق هارون بن عبد الله البزار، وابن أبي عاصم (١٢٤٠)، والضياء في المختارة (٨٠) من طريق أبي بكر بن أبي شيبة، والبزار (٢٧٠) عن محمد بن عبد الرحيم، والحاكم (١٥١٠) وعنه البيهقي في السنن الكبرى (٤/ ١٨١) من طريق محمد بن نصير، وعلقه البخاري في الصحيح (٣/ ٣٤٥) باب لا صدقة إلا عن ظهر غنى، والضياء في المختارة من طريق محمد بن معاذ، سبعتهم (أحمد، عثمان، وهارون، وأبو بكر، ومحمد بن عبد الرحيم، ومحمد بن نصير، ومحمد بن معاذ) عن الفضل بن دكين، به. الحكم على الحديث: قال الترمذي حسن صحيح، وصححه الحاكم على شرط مسلم، وحسنه الضياء، وفي إسناده هشام بن سعد، قال عبد الله بن أحمد بن حنبل عن أبيه: " هشام بن سعد كذا وكذا كان يحيى بن سعيد لا يروي عنه، وقال أبو طالب عن أحمد بن حنبل: ليس هو محكم الحديث، وقال حرب بن إسماعيل: سمعت أحمد بن حنبل وذكر له هشام بن سعد فلم يرضه وقال: ليس بمحكم للحديث، وقال عباس الدوري عن يحيى بن معين: هشام بن سعد ضعيف، وداود بن قيس أحب إلي منه، وقال أبو بكر بن أبي خيثمة: سمعت يحيى بن معين يقول: هشام بن سعد صالح ليس بمتروك الحديث، وقال معاوية بن صالح عن يحيى بن معين: ليس بذاك القوي، وقال أحمد بن سعد بن أبي مريم عن يحيى بن معين: ليس بشيء كان يحيى بن سعيد لا يحدث عنه، وقال العجلي: جائز الحديث حسن الحديث، وقال أبو زرعة: شيخ محله الصدق، وكذلك محمد بن إسحاق هكذا هو عندي وهشام أحب إلي من محمد بن إسحاق "، وقال الذهبي في الكاشف: " حسن الحديث "، وقال ابن حجر: "صدوق له أوهام ". ينظر: ضعفاء النسائي (١٠٥)، الجرح والتعديل (٩/ ٦١)، تهذيب الكمال (٣٠/ ٢٠٧)، الكاشف (٣/ ١٩٦)، التقريب (٧٢٩٤). قال ابن حجر: (صدوق فيه مقال من جهة حفظه) لكنه أثبت الناس في زيد بن أسلم، فإسناده حسن. ويتقوى بما رواه البزار حديث (١٥٩) من طريق عبد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر به.
[ ١ / ٣٩٠ ]
وقال الماوردي -وهو من القائلين بالاستحباب-: " فرسول الله ﷺ إنما أقر أبا بكر ﵁ على ذلك واستحسنه؛ لما علم من قوه إيمانه وصحة يقينه " (^١).
(١١٤) ٢ - ما رواه عبد الله من طريق الليث بن سعد، عن أبي الزبير، عن يحيى بن جعدة، عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: يا رسول الله أي الصدقة أفضل؟ قال: " جهد المقل وابدأ بمن تعول " (^٢).
_________________
(١) الحاوي الكبير (٣/ ٣٩١).
(٢) مسند أحمد (٨٦٨٧). وأخرجه أبو داود في الزكاة/ باب الرخصه في ذلك حديث رقم (١٦٧٧) عن يزيد بن خالد، وقيتبة بن سعيد. وأخرجه ابن خزيمة حديث رقم (٢٤٤٤)، وابن حبان (٣٣٤٦) من طريق يزيد بن خالد بن موهب، والحاكم (١/ ٤١٤)، ومن طريقه البيهقي (٤/ ١٨٠) من طريق ابن بكير، ثلاثتهم (يزيد بن خالد، وقتيبة بن سعيد، وابن بكير) عن الليث به. الحكم على الحديث: قال الحاكم: " صحيح على شرط مسلم "، ووافقه الذهبي مع أن مسلما لم يخرج ليحيى بن جعده، ورجاله ثقات. وفي الباب عن عبد الله بن حبشي ﵁: أخرجه الإمام أحمد (٣/ ٤١١). وعن أبي ذر ﵁: أخرجه أحمد (٤/ ١٧٩) وغيره. وعن أبي أمامة ﵁: أخرجه أحمد (٤/ ٢٦٥) وغيره.
[ ١ / ٣٩١ ]
فالجهد بالضم: الوسع والطاقة، والمقلّ: الفقير وقليل المال، والمعنى: أفضل الصدقة قدر ما يحتمله حال القليل المال.
وقليل المال إذا تصدق بما يحتمله وسعه وطاقته بعد أن يبقي كفاية من يعوله يكون متصدقا بجميع ماله.
قال الفقهاء: فإن لم يتوفر فيمن يريد الصدقة بجميع ماله، الشرط المذكور، كره له ذلك.
(١١٥) ٣ - ما رواه أبو داود من طريق ابن عجلان، عن عياض بن عبد الله بن سعد سمع أبا سعيد الخدري ﵁ يقول: دخل رجل المسجد فأمر النبي ﷺ الناس أن يطرحوا ثيابا فطرحوا، فأمر له منها بثوبين ثم حث على الصدقة، فجاء فطرح أحد الثوبين فصاح به، وقال: "خذ ثوبك" (^١).
_________________
(١) سنن أبي داود - كتاب الزكاة/ باب الرجل يخرج من ماله حديث (١٦٧٥). وأخرجه الحميدي (٧٤١)، ومن طريقه الحاكم في المستدرك ١/ ٤٢٢، والدارمي (١٥٦٠) عن صدقة، والبخاري في القراءة خلف الإمام (١٦٢) عن عبد لله بن محمد، والترمذي (٥١١) عن ابن أبي عمرو، والنسائي في سننة -كتاب الجمعة (١٤٠٨): " باب حث الإمام على الصدقة يوم الجمعة في خطبتة "؛ عن محمد بن عبد الله بن يزيد، وابن ماجه (١١١٣) عن محمد بن الصباح، وابن خزيمة (١٧٩٩) من طريق سعيد بن عبد الرحمن المخزومي، وفي (١٣٣٠) عن عبد الجبار بن العلاء، تسعتهم (الحميدي، وصدقة، وعبد الله بن محمد، وإسحاق، وابن الصباح، وابن أبي عمرو، ومحمد بن عبد الله، وسعيد بن عبد الرحمن، وعبد الجبار) عن سفيان بن عيينة، به. وأخرجه أحمد في مسندة ٣/ ٢٥، والنسائي في سننة ٥/ ٦٣ قال: أخبرنا عمرو بن علي، وابن حبان (٢٥٠٣) من طريق مسدد، والبيهقي ٤/ ١٨١، من طريق محمد بن أبي بكر المقدمي، أربعتهم (أحمد، وعمرو، ومسدد، ومحمد) حدثنا يحيى بن سعيد، كلاهما (سفيان، ويحيى) عن محمد بن عجلان، قال: حدثنا عياض بن عبد الله بن سعد، فذكره. الحكم على الحديث: قال الترمذي حسن صحيح، وصححه الحاكم على شرط مسلم، وأقره الذهبي، وإسناده صحيح، وفي إسناده محمد بن عجلان مدلس مقل، وقد صرح بالتحديث عند النسائي.
[ ١ / ٣٩٢ ]
قال السندي: "عن ظهر غنى" أي: ما بقي خلفها غنى لصاحبه قلبيا كما كان للصديق، أو قالبيا فيصير الغنى للصدقة كالظهر للإنسان وراء الإنسان، فإضافة الظهر إلى الغني بيانية، لبيان أن الصدقة إذا كانت بحيث يبقى لصاحبها الغني بعدها إما لقوة قلبه، أو لوجود شيء بعدها إلى ما أعطى ويضطر إليه، فلا ينبغي لصاحبها التصدق به (^١).
٤ - حديث عبد الله بن كعب قال: سمعت كعب بن مالك ﵁ يقول: يا رسول الله إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسوله ﷺ قال: "أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك" قلت: فإني أمسك سهمي الذي بخيبر (^٢).
(١١٦) ٥ - ما رواه أبو داود من طريق محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن محمود بن لبيد، عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: كنا عند رسول الله ﷺ إذ جاء رجل بمثل بيضة من ذهب، فقال: يا رسول الله
_________________
(١) عون المعبود للعظيم آبادي (٥/ ٦٣).
(٢) سبق تخريجه برقم (١٤).
[ ١ / ٣٩٣ ]
أصبت هذه من معدن فخذها فهي صدقة ما أملك غيرها، فأعرض عنه رسول الله ﷺ، ثم أتاه من قبل ركنه الأيمن، فقال مثل ذلك، فأعرض عنه، ثم أتاه من قبل ركنه الأيسر، فأعرض عنه رسول الله ﷺ، ثم أتاه من خلفه، فأخذها رسول الله ﷺ فحذفه بها، فلو أصابته لأوجعته أو لعقرته، فقال رسول الله ﷺ: " يأتي أحدكم بما يملك فيقول هذه صدقة، ثم يقعد يستكف الناس، خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى " (^١).
٦ - ولأن الإنسان إذا خرج جميع ماله لا يأمن فتنة الفقر، وشدة نزاع النفس إلى ما خرج منه فيندم، فيذهب ماله ويبطل أجره، ويصير كلا على الناس.
لكن عند توفر شرط الجواز، ما هو الأرجح: القول بالاستحباب أم القول بالجواز؟
_________________
(١) سنن أبي داود في الزكاة/ باب الرجل يخرج من ماله (١٦٧٣). ومن طريق أبي داوود البيهقي في السنن ٤/ ٢٥٩، وأخرجه الحاكم في المستدرك (١٥٠٧) من طريق إبراهيم بن الحسين، عن موسى بن إسماعيل، به، بمثله. وأخرجه عبد بن حميد كما في المنتخب من مسنده (١١٢١)، والدارمي في سننه (١٦١٤)، والبيهقي في السنن ٤/ ٣٠٤ من طريق يعلى بن حميد، ووقع عند الدارمي مقرونًا بأحمد بن خالد بنحوه بزيادة في آخره، وأبو يعلى في مسنده ٤/ ٦٥ من طريق يزيد ابن زريع بزيادة في آخره، وابن خزيمة في صحيحه (٢٤٤١) من طريق يزيد بن هارون بمثله بزيادة في آخره. أربعتهم (يعلى بن حميد، يزيد بن زريع، يزيد بن هارون، أحمد بن خالد) عن محمد بن إسحاق، به. الحكم على الحديث: صححه الحاكم ووافقه الذهبي، وفي إسناده محمد بن إسحاق وهو مدلس وقد عنعن، وقد جاء في بعض نسخ مسند أبي يعلى قال حدثنا: القواريري حدثنا: يزيد بن زريع حدثني عاصم فذكره (تعليق التعليق) ٣/ ٣٢٣.
[ ١ / ٣٩٤ ]
يقوي القول بالاستحباب، قول الله تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ (^١) لا خلاف في أن المقصود بهذه الآية هم الأنصار.
فقد أثنى الله ﵎ على الأنصار بأنهم يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة، أي: يقدمون المحاويج على حاجة أنفسهم، ويبدؤون بالناس قبلهم في حال احتياجهم إلى ذلك، قاله ابن كثير.
ويؤيد القول بالجواز دون الاستحباب:
قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا (٢٩)﴾ (^٢)، فمعنى قوله تعالى: ﴿وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ أي: لا تبسطها بالعطاء كل البسط فتعطي جميع ما عندك، فتقعد محسورا، أي: منقطعًا بك لا شيء عندك تنفقه يقول: دابة حسيرة إذا كانت كالة.
ففي الآية نهي عن الإسراف في إنفاق المال في وجوه الخير (^٣).
ومن حده بالثلث استدل:
(١١٧) بما رواه البخاري ومسلم من طريق عامر بن سعد، عن أبيه سعد بن أبي وقاص ﵁، وفيه: قوله ﷺ: " الثلث، والثلث كثير " (^٤).