وصورة ذلك: أن يقول الواقف هذا البيت، أو الدكان وقف على طلبة العلم، ولي نصف الريع مدة حياتي، أو مدة سنة أو سنتين، ونحو ذلك.
فللعلماء في ذلك أقوال:
القول الأول: صحة الوقف، والشرط.
وهو قول الحنفية (^٤)، وقول عند الشافعية (^٥)، وهو مذهب الحنابلة (^٦).
القول الثاني: عدم صحة الوقف.
وهو مذهب المالكية (^٧)، والشافعية (^٨).
_________________
(١) مغني المحتاج ٢/ ٣٧٩، تصحيح الفروع ٤/ ٥٨٦.
(٢) ينظر: شرط الحوز عند المالكية، والتفصيل فيه/ مبحث شرط حوز الوقف.
(٣) الإنصاف مع الشرح الكبير ١٦/ ٣٨٨.
(٤) الهداية ٦/ ٢٢٥ - ٢٢٧، الإسعاف ص ٩٤، مجمع الأزهر ١/ ٧٤٣.
(٥) روضة الطالبين ٥/ ٣١٨، نهاية المحتاج ٥/ ٣٦٤.
(٦) المغني ٨/ ١٩١، الشرح الكبير مع الإنصاف ١٦/ ٣٨٨ - ٣٨٩، الفروع ٤/ ٤٥٧، وينظر: أموال الوقف ومصرفه ص ٣٤٢.
(٧) الذخيرة ٦/ ٣١١، حاشية الدسوقي ٤/ ٨٠، الشرح الصغير وبلغة السالك ٤/ ٢٢.
(٨) المصادر السابقة للشافعية.
[ ١ / ٤١١ ]
قالوا: إن جعل الغلة كلها لنفسه من غير أن يعين من بعده فالوقف باطل بذلك. فإن جعل جزءًا للمساكين فلا شيء له والوقف صحيح وإن وقف على نفسه ثم على المساكين صار إلى المساكين ويكون منقطع الابتداء (^١).
القول الثالث: صحة الوقف دون الشرط.
وهو قول في مذهب الحنابلة (^٢).
الأدلة:
أدلة الرأي الأول:
١ - الأدلة الدالة على اشتراط الرضا في العقود (^٣).
وجه الدلالة: أن الواقف لم يرض بهذا الوقف إلا على هذا الوجه.
٢ - الأدلة الدالة على صحة الشرط في عقد الوقف (^٤).
ويدخل في ذلك اشتراط الواقف لنفسه الغلة أو بعضها.
٣ - الأدلة الدالة على صحة الوقف على النفس (^٥).
فإذا صح جعل جميع الوقف على النفس، فبعضه من باب أولى (^٦).
(١٢٤) ٤ - قال ابن أبي شيبة: حدثنا ابن عيينة، عن ابن طاوس، عن أبيه قال: " ألم تر أن حجر المدنيين أخبرني أن في صدقة رسول الله ﷺ: يأكله أهله بالمعروف غير المنكر " (^٧).
_________________
(١) حاشية الدسوقي ٤/ ٨٠، حاشية عميرة مع شرح الجلال المحلي ٣/ ١٠٠.
(٢) الإنصاف مع الشرح الكبير ١٦/ ٣٨٩.
(٣) ينظر: مبحث اشتراط الرضا/ شروط الواقف.
(٤) ينظر: مبحث شروط الواقفين.
(٥) ينظر: المسألة الأولى التي سبقت قريبًا.
(٦) تقدمت في مسألة الوقف على النفس.
(٧) مصنف ابن أبي شيبة (٢٠٩٣٩). والخصاف في كتابه أحكام الأوقاف ص ٣ من طريق سفيان بن عيينة، وقد رواه الأثرم في سننه، ومن طريقه الخلال في جامعه، كتاب الوقوف (١/ ٢٥٣ - ٢٥٤). قال الأثرم: (احتج أحمد بحديث ابن طاووس عن أبيه عن حجر المدري أن في صدقة رسول الله ﷺ أن يأكل أهلها منها بالمعروف غير المنكر. قيل له: من رواه؟ قال: سمعته من ابن عيينة). الحديث مرسل، وفي الثقات للعجلي ١/ ٢٨٨: " حجر المدنيين يماني تابعي ثقة وكان من خيار التابعين".
[ ١ / ٤١٢ ]
(١٢٥) ٥ - ما رواه البخاري ومسلم من طريق عامر يقول: حدَّثني جابر ﵁ " أنّه كان يسير على جمل له قد أعيا، فمرّ النبي ﷺ، فضربه فدعا له فسار بسير ليس يسير مثله، ثم قال: بعنيه بوقِيَّة، قلت: لا، ثم قال: بِعْنِيه بِوَقِيَّة، فبعته فاسْتَثْنَيت حُمْلانه إلى أهلي" (^١).
ففيه استثناء المنفعة في البيع، فكذا الوقف.
٦ - عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ: "أعتق صفية، وجعل عتقها صداقها" (^٢).
(١٢٦) ٧ - ما رواه الإمام أحمد من طريق حماد بن سلمة، عن سعيد بن جُمْهَان، عن سفينة مولى أم سلمة " قال: أعتقتني أم سلمة واشترطت علي أن أخدم النبي ﷺ ما عاش " (^٣).
_________________
(١) صحيح البخاري في الشروط/ باب إذا اشترط البائع (٢٧١٨)، ومسلم في المساقاة/ باب بيع البعير ٤١٨٢.
(٢) سبق تخريجه برقم (٤٢).
(٣) مسند أحمد (٢٦٧١١) عن عبد الرحمن بن مهدي، وأخرجه النسائي في الكبرى (٤٩٦٦) من طريق ابن مهدي، وابن ماجه (٢٥٢٦) عن عبد الله بن معاوية الجمحي، وابن الجارود في المنتقى (٩٧٦٦) من طريق حجاج بن منهال، والبيهقي في السنن (١٠٢٩١) من طريق عبيد الله بن موسى، أربعتهم " ابن مهدي، وعبد الله الجمحي، وحجاج، وعبيد الله بن موسى " عن حماد به. وأخرجه أبو داود (٣٩٣٢)، والنسائي (٤٩٩٥)، والحاكم (٢٢١٣)، والطبراني في الكبير (٦٤٤٧) من طريق عبد الوارث، كلاهما (حماد، وعبد الوارث) عن سعيد بن جمهان به. الحكم على الحديث: الحديث صححه الحاكم، وفي إسناده سعيد بن جمهان مختلف فيه، فقد وثقه الإمام أحمد وابن معين وأبو داود، ويعقوب بن سفيان، وقال النسائي: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في الثقات .. وحسن حديثه الترمذي، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به، وقال الساجي: لا يتابع على حديثه، وقال الذهبي: صدوق وسط، وقال ابن حجر في التقريب: صدوق له أفراد (الثقات لابن حبان ٣/ ١٨١، الجرح والتعديل لابن أبي حاتم ٤/ ١٠، الكاشف للذهبي ١/ ٤٣٣، تقريب التقريب ١/ ٢٣٤). فإسناده حسن.
[ ١ / ٤١٣ ]
ففيه استثناء المنفعة في العتق، فكذا الوقف.
٨ - ما جاء في حديث عمر ﵁: " لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف، أو يطعم صديقًا غير متمول فيه " (^١).
فاشترط عمر لمن يلي صدقته أن يأكل منها بالمعروف، وكان الوقف في يده إلى أن مات.
قال البخاري -﵀ -: " وقد اشترط عمر ﵁: لا جناح على من وليه أن يأكل منها، وقد يلي الواقف وغيره " (^٢).
(١٢٦) ٩ - ما علقه البخاري بصيغة الجزم: "وتصدق الزبير بدوره، وقال: للمردودة من بناته أن تسكن غير مضرة ولا مضر بها، فإن استغنت بزوج فليس لها حق" (^٣).
_________________
(١) تقدم تخريجه برقم (٥).
(٢) صحيح البخاري مع فتح الباري ٥/ ٤٥٠.
(٣) صحيح البخاري مع فتح الباري ٥/ ٤٥٠ وأخرجه الدارمي (٢/ ٤٢٧) قال: أخبرنا عبد الله بن سعيد، ثنا أبو أسامة، عن هشام، عن أبيه: " أن الزبير جعل دوره صدقة على بنيه لا تباع ولا تورث، وأن للمردودة من بناته أن تسكن غير مضرة ولا مضار بها، فإن هي استغنت بزوج فلا حق لها ". والبيهقي (٦/ ١٦٦ - ١٦٧) من طريق أبي يوسف، عن هشام، عن أبيه أن الزبير به. إسناده صحيح.
[ ١ / ٤١٤ ]
وجه الدلالة: أنه إذا أجاز شرط بعض الغلة للموقوف عليه، فشرطها للواقف من باب أولى.
١٠ - أنه لو وقف وقفًا عامًا كالمساجد والسقايات والمقابر كان له الانتفاع به إجماعًا، فكذلك إذا خص نفسه بالانتفاع بالشرط (^١).
أدلة القول الثاني: (عدم الصحة)
١ - ما تقدم من الأدلة على عدم صحة الوقف على النفس.
وقد تقدمت مناقشتها.
٢ - أن الوقف تبرع على وجه التمليك، فاشتراط البعض أو الكل لنفسه يبطله؛ لأن تمليك الإنسان من نفسه لا يتحقق؛ لأنه حاصل، وتحصيل الحاصل ممتنع (^٢).
ونوقش هذا الاستدلال: أنه مبني على أن الوقف ملك للموقوف عليه وهذا غير مسلم، بل ملك لله تعالى كما سبق تحريره.
٣ - أن الوقف إزالة ملك فلم يجز اشتراط نفعه كالبيع، والهبة، وكما لو اعتق عبدًا واشترط أن يخدمه " (^٣).
ونوقش هذا الاستدلال: بأن الصحيح أنه يجوز أن يبيع الرجل الشيء، أو يهبه، أو يعتق العبد، ويستثنى بعض منافعه مدة؛ لما تقدم من الأدلة.
_________________
(١) الذخيرة ٦/ ٣١١، المقنع لابن البنا ٢/ ٧٧٢، المغني ٨/ ١٩٢، شرح المنتهى ٤/ ٣٤٠.
(٢) الهداية للمرغيناني ٦/ ٢٢٦.
(٣) المغني، مصدر سابق، ٨/ ١٩١.
[ ١ / ٤١٥ ]
٤ - أن ما ينفقه الواقف على نفسه من وقفه مجهول، فلم يصح اشتراطه (^١).
ويناقش: بعدم التسليم بجهالة ما ينفقه الواقف على نفسه إذا كانت المدة التي اشترط الواقف الانتفاع فيه معينة.
أما إذا كانت مدة الانتفاع هي مدة حياة الواقف فجهالة المدة غير مؤثرة؛ لأنها لا تدل على جهالة مدة كل بطن بالنسبة إلى من بعده (^٢).
ولم أقف على دليل للقول الثالث.
الترجيح:
الراجح -والله أعلم- هو القول بصحة الوقف والشرط، وضعف أدلة القول المخالف بما ورد عليها من مناقشة؛ ولأن الوقف فعل خير وقربة وإحسان، فلا يمنع منه إلا لدليل.