(وقف الفضولي)
من شروط صحة الوقف أن يكون من مالك؛ لما يأتي من الأدلة على اشتراط الرضا لصحَّة الوقف وعدم صحَّة وقف المُكره، وعلى هذا إذا وقف ملكَ غيره لم يصح وقفه، لكن اختلف العلماء ﵏ فيما إذا أجاز المالكُ هذا الوقف هل يصحُّ وينفذ أو لا؟ على قولين:
القول الأول: صحة وقف الفضولي بالإجازة.
وهو مذهب الحنفيَّة، وبه قال بعض المالكيَّة، والشافعي في القديم، ورواية عند الحنابلة (^٣).
_________________
(١) ينظر: التمهيد/ حكم الوقف.
(٢) ينظر: المطلب الثاني من هذا المبحث.
(٣) اللباب شرح الكتاب (٣/ ١١١)، حاشية الطحطحاوي على مراقي الفلاح (٣/ ٥٨٨)، البحر الرائق (٦/ ١٦٤)، مغني المحتاج (٢/ ١٥)، حاشية الدسوقي (٤/ ٦٩)، الفروع (٤/ ٦٨٨).
[ ١ / ٣٥١ ]
القول الثاني: عدم صحة وقف الفضولي مطلقًا.
وهو قول المالكيَّة، وبه قال الشافعي في الجديد، وهو مذهب الحنابلة (^١).
الأدلة:
أدلة القول الأول:
١ - قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ (^٢).
وجه الدلالة: أن في وقف الفضولي إعانة لأخيه المسلم؛ لأنه يكفيه عنَتَ هذا التصرف إذا كان مختارًا له (^٣).
ونوقش هذا الاستدلال: بعدم التسليم، بل من الإثم والعدوان؛ لأنه تصرُّفٌ في ملك الغير بلا إذن (^٤).
وأُجيب: بعدم التسليم؛ إذ لا ضرر على المالك؛ إذ هو موقوفٌ على إجازته.
(٩٣) ٢ - ما رواه البخاري من طريق شبيب بن غرقدة، عن عروة البارقي ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ " أعطاه دينارًا يشتري له به شاة، فاشترى له به شاتين فباع إحداهما بدينار، وجاءه بدينار وشاة، فدعا له بالبركة في بيعه، وكان لو اشترى التراب لربح فيه " (^٥).
_________________
(١) شرح الخرشي على مختصر خليل (٨/ ١٦٨)، بلغة السالك (٢/ ٢٧٤)، روضة الطالبين (٣/ ٣٥٥)، المجموع (٩/ ٢٤٨)، كشاف القناع (٤/ ٣٦٧).
(٢) من آية ٢ من سورة المائدة.
(٣) بدائع الصنائع، مصدر سابق، (٥/ ١٤٩).
(٤) المجموع، مصدر سابق، (٩/ ٣١٧).
(٥) صحيح البخاري -كتاب المناقب/ باب سؤال المشركين أن يريهم النبي ﷺ آية فأراهم انشقاق القمر (٣٤٤٣).
[ ١ / ٣٥٢ ]
ونوقش هذا الاستدلال من وجوه:
الوجه الأول: أنَّ النبيَّ ﷺ وكَّل عروة وكالة مطلقة، وإذا كان كذلك فقد حصل البيع والشراء بإذن (^١).
وأُجيب: بأنَّ سياق الحديث يأبى ذلك؛ فإنَّ النبيَّ ﷺ أمره بشراء شاة ولم يوكّله ببيعها (^٢).
الوجه الثاني: أنَّ عروة اشترى لنفسه ووفَّى بدينار النبي ﷺ مستقرضًا له، فصار الدينارُ في ذمَّتِه، ثم باعَ شاته بدينار، فصرفه إلى النبي ﷺ، كما لزمه وأهدى إليه الشاة الأخرى (^٣).
وأُجيب عنه بجوابين:
الأول: أنَّه لا دليل على ذلك، بل الدليل دلَّ على خلافه؛ فإنَّ النبي ﷺ فرِحَ بفعل عروة، ودعا له، ولو كان الشراءُ لعروة لما استحقَّ ذلك.
الثاني: أنَّه لو سُلِّمَ ذلك، وأنه استقرض دينار النبي ﷺ فقد ثبت جواز تصرُّف الفضولي؛ لأنَّ النبي ﷺ لم يأذن لعروة باقتراض الدينار أولًا، وأقرَّه على ذلك.
(٩٤) ٣ - ما رواه أبو داود من طريق أبي حصين، عن شيخ من أهل المدينة، عن حكيم بن حزام ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ " بعث معه بدينار يشتري له أضحية فاشتراها بدينار وباعها بدينارين، فرجع فاشترى له أضحية بدينار وجاء بدينار إلى النبي ﷺ، فتصدَّقَ به النبيُّ ﷺ، ودعا له أن يبارك له في تجارته" (^٤).
_________________
(١) الحاوي الكبير (٥/ ٣٢٩)، المغني (٦/ ٢٩٦)، مصدران سابقان،.
(٢) إعلاء السنن (١٤/ ١٦٠).
(٣) المحلى، مصدر سابق، (٧/ ٣٥٥).
(٤) سنن أبي داود (٣/ ٢٥٦). والحديث ضعيف؛ فيه إبهام الراوي عن حكيم بن حزام ﵁.
[ ١ / ٣٥٣ ]
(٩٥) ٤ - ما رواه البخاري ومسلم من طريق الزهري، حدثني سالم بن عبد الله أنَّ عبد الله بن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " انطلق ثلاثةُ رهطٍ ممن كان قبلكم حتى أووا المبيت إلى غار فدخلوه … "، قال النبي ﷺ: "وقال الثالث: اللهم إني استأجرت أجراء فأعطيتهم أجرهم غير رجل واحد ترك الذي له وذهب، فثمرت أجره حتى كثرت منه الأموال فجاءني بعد حين، فقال: يا عبد الله أدِّ إليَّ أجري، فقلت له: كل ما ترى من أجرك من الإبل، والبقر، والغنم، والرقيق، فقال: يا عبد الله لا تستهزئ بي، فقلت: إني لا أستهزئ بك، فأخذه كلّه فاستاقه، فلم يترك منه شيئًا، اللهم فإن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنَّا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرةُ فخرجوا يمشون" (^١).
وجه الاستدلال: أنَّ النبيَّ ﷺ ساق الحديثَ مساق المدح للمستأجر الذي تصرَّف في مال الأجير بغير إذنه فثمَّره له.
ونوقش هذا الاستدلال من وجوه:
الوجه الأول: أنه في شرع من قبلنا، وشرع من قبلنا ليس بشرعٍ لنا (^٢).
وأُجيب: بأنَّ شرع من قبلنا شرعٌ لنا إذا لم يخالفه شرعُنا، كيف وقد ساقه النبيُّ ﷺ مساق المدح لفاعله، مما يدلُّ على إقراره، فيكون شرعًا لنا.
الوجه الثاني: أنه استأجره بشيءٍ في الذمَّة، وما كان في الذمَّة لا يتعيَّن
_________________
(١) صحيح البخاري -كتاب الإجارة/ باب من استأجر أجيرًا فترك أجره فعمل فيه المستأجر فزاد، أو من عمل في مال غيره فاستفضل رقم (٢١٥٢)، ومسلم/ باب قصة أصحاب الغار الثلاثة والتوسل بصالح الأعمال رقم (٢٧٤٣).
(٢) المحلى (٧/ ٣٥٤)، فتح الباري (٤/ ٤٧٨)، مصدران سابقان،.
[ ١ / ٣٥٤ ]
إلاَّ بالقبض، ثم إنَّ المالكَ تصرَّف فيه وهو في ملكِهِ، فصحَّ تصرُّفُهُ، سواء اعتقده لنفسه أو لأجيره (^١).
وأُجيب عنه بجوابين:
الأول: عدم التسليم بأنه لم يُعيّن الأجر، بل الظاهر أنه عيَّنه ولم يُقبضه إيَّاه، وهذا ظاهر الحديث، وحينئذٍ يكون قد عَمِلَ في مال الغير.
الثاني: أنه ورد ما يدل على أنه قبض الأجر،
(٩٦) فقد روى الإمام أحمد من طريق عبد الصمد -يعنى ابن معقل-، قال: سمعت وهبًا يقول: حدثني النعمان بن بشير أنه سمع رسول الله ﷺ يذكر الرقيم … " فقال: فقلت: يا عبد الله لم أبخسك شيئًا من شرطك وإنما هو مالي أحكم فيه ما شئت، قال: فغضب وذهب وترك أجره، قال: فوضعت حقه في جانب من البيت ما شاء الله، ثم مرت بي بعد ذلك بقر، فاشتريت به فصيلة من البقر فبلغت ما شاء الله " (^٢).
الوجه الثالث: أنَّ المستأجر أعطاه أكثر من حقِّه، وأبرأه الأجير من عين حقِّه، وكلاهما متبرِّع بذلك من غير شرط، وهذا جائز.
وأُجيب: بأنَّ سياقَ الحديث يدلُّ على أنه أعطاه حقه بعدما ثمَّره له لا أنه تبرُّع له.
_________________
(١) المصدر السابق.
(٢) مسند الإمام أحمد (٤/ ٢٧٤)، وأخرجه الطبراني في الأوسط (٢٣٩٨) من طريق عبد الله بن بجير القاص، (عبد الصمد وعبد الله) عن وهب، به. وأخرجه البزار (٣٢٢٨) عن محمد بن آدم، قال: أخبرنا مؤمل، قال: أخبرنا إسرائيل، قال: أخبرنا أبو إسحاق عن رجل من بجيلة عن النعمان ﵁ بنحوه، قال الحافظ ابن حجر في الفتح (٦/ ٥٦٠): "وعن النعمان بن بشير من ثلاثة أوجه حسان أَحدها عند أحمد والبَزَّار وكُلّها عند الطَّبراني".
[ ١ / ٣٥٥ ]
(٩٧) ٤ - ما رواه البخاري من طريق عوف، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة ﵁ قال: " وكلني رسول الله ﷺ بحفظ زكاة رمضان، فأتاني آت فجعل يحثو من الطعام فأخذته وقلت: والله لأرفعنك إلى رسول الله ﷺ، قال: إني محتاج وعلي عيال ولي حاجة شديدة " (^١).
وجه الدلالة: أنَّ النبيَّ ﷺ أقرَّ تصرَّف أبي هريرة في تركه للشيطان بعد أخذه ما أخذه من الطعام، وقد وكل به.
٥ - أنَّ الإجازة اللاحقة كالوكالة السابقة.
٦ - أنه تصرف صدر من أهله لكون ممن يصح تصرفه في محلة ولا ضرر في انعقاده موقوفًا، فينعقد كما لو أذن المالك (^٢).
٧ - أن الملتقط لو تصدق باللقطة صار تصرفه موقوفًا على الإجازة، فكذا غيره (^٣).
أدلة القول الثاني: (عدم صحة وقف الفضولي)
١ - ما تقدم من الأدلة على اشتراط رضا الواقف (^٤).
٢ - قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ (^٥).
ونوقش هذا الاستدلال: بأنه مسلَّم مع عدم الإجازة، أما مع الإجازة فقد تحصَّل الرضا.
(٩٨) ٣ - ما رواه الإمام أحمد من طريق أيوب، حدثني عمرو بن شعيب، حدثني أبي، عن أبيه قال: ذكر عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال
_________________
(١) صحيح البخاري، مصدر سابق، (٢/ ٨١٢).
(٢) فتح القدير، مصدر سابق، (٧/ ٥٢).
(٣) الإشراف (٢/ ٥٦١).
(٤) ينظر: مبحث شرط الاختيار لصحة الوقف.
(٥) من آية ١٨٨ من سورة البقرة.
[ ١ / ٣٥٦ ]
رسول الله ﷺ: " لا يحل سلفٌ وبيعٌ، ولا شرطان في بيعٍ، ولا ربحُ ما لم يُضمن، ولا بيعُ ما ليس عندك " (^١) (حسن).
_________________
(١) مسند الإمام أحمد بن حنبل (٢/ ١٧٤). وأخرجه أبو داود (٣٥٠٤)، والنسائي (٧/ ٢٨٨)، والترمذي (١٢٣٤)، وابن ماجه (٢١٨٨)، والدارقطني (٣/ ٧٥)، وابن الجارود (٢/ ١٨٢)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (٤/ ٤٦)، وأبو داود الطيالسي (٤/ ١٦)، وابن عدي في الكامل (٥/ ١١٥)، والحاكم في المستدرك (٢/ ١٧) كلهم من طريق أيوب، حدثني عمرو بن شعيب، حدثني أبي، عن أبيه، ذكر عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ: " لا يحلُّ سلفٌ وبيعٌ .. " إلخ. ورواه عن أيوب جمعٌ من الحفَّاظِ: منهم:
(٢) ابن عليَّة، كما عند الإمام أحمد (٢/ ١٧٨)، وأبو داود، والنسائي، وابن الجارود، والترمذي، وغيرهم.
(٣) حماد بن زيد، كما عند ابن ماجه، وأبي داود الطيالسي، والدارقطني، والطحاوي، وغيرهم.
(٤) يزيد بن زُريع، كما عند النسائي، والحاكم، وغيرهما.
(٥) معمر، كما عند النسائي، وغيره.
(٦) عبد الوارث بن سعيد، كما عند الحاكم. خمستهم (ابن عليَّة، وحماد بن زيد، ويزيد بن زُريع، ومعمر، وعبد الوارث بن سعيد) عن أيوب، به. وأخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار (٤/ ٤٦) من طريق داود بن أبي هند، والدارمي (٢/ ٢٥٣)، والنسائي (٧/ ٢٩٥)، وفي الكبرى (٤/ ٤٣) من طرق عن حُسين المعلّم، والإمامُ أحمد (٢/ ٢٠٥) من طريق ابن عجلان، والنسائي في الكبرى (٤/ ٤٣) من طريق مطر الوراق، والبيهقي في سننه (٥/ ٣٤٣) عن داود بن قيس، وكذلك أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار (٤/ ٤٧). وكذلك أخرجه الدارقطني في سننه (٣/ ٧٥)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (٤/ ٤٦) من طريق عامر الأحول، والطحاوي في شرح معاني الآثار (٤/ ٤٦) من طريق عبد الملك بن أبي سليمان، والطبرانيُّ في الأوسط (٢/ ١٥٤) من طريق ابن جريج، عشرتهم (الضحَّاك بن عثمان، وأيوب، وداود بن أبي هند، وحُسين المعلّم، ومحمد بن عجلان، ومطر الوراق، وداود بن قيس، وعامر بن عبد الواحد الأحول، وعبد الملك بن أبي سليمان، وابن جريج) كلهم عن عمرو بن شعيب .. به. وقال الترمذي: " هذا حديث حسن صحيح ". وقال الحاكم: " هذا حديث على شرط جملةٍ من أئمة المسلمين، صحيح ". وقال ابن عدي: يُقال: " ليس يصحُّ من حديث عمرو بن شعيب إلاَّ هذا أو هذا أصحُّها". وقوَّاه ابن الجارود، حيث ذكره في منتقاه. وقال الذهبي في تلخيصِهِ: " صحيح، وكذا رواه طائفة ". وقال ابن عبد البر في التمهيد (٢٤/ ٣٨٤): " وهذا الحديث محفوظ من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده عن النبي ﷺ، وهو حديث صحيح، رواه الثقات عن عمرو ابن شعيب، وعمرو بن شعيب ثقة إذا حدَّث عنه ثقة، وإنما دخلت أحاديثه الداخلة من أجل رواية الضعفاء عنه .. ". وقال في الاستذكار (٦/ ٤٣٢): "روي عن النبي ﷺ أنه نهى عن بيع وسلف من وجوهٍ حسان". وقال ابن حزم في المحلى (٧/ ٤٧٥): " صحيح .. ولا نعلم لعمرو بن شعيب حديثًا مسندًا إلاَّ هذا وحده، وآخر في الهبات .. ". وفيما قاله ﵀ نظر ليس هذا موضع بحثه. وقال النووي في المجموع (٩/ ٢٦٣): "حديث حسن أو صحيح، رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه وغيرهم من طرق كثيرة بأسانيد حسنة، ومجموعها يرتفع عن كونه حسنًا، ويقتضي أنه صحيح ". وله طريق آخر أخرجه النسائيُّ في سننه الكبرى (٣/ ١٩٧) من طريق: الوليد -وهو ابن مسلم-، عن ابن جريج، قال: أخبرني عطاء، عن عبد الله بن عمرو قال: يا رسول الله إنا نسمع منك أحاديثًا فتأذن لنا أن نكتبها؟ قال: "نعم"، فكان أول ما كتب كتاب النبي ﷺ إلى أهل مكة: " لا يجوز شرطان في بيع واحد، ولا بيع وسلف جميعًا، ولا بيع ما لم يضمن، .. " إلخ. وأخرجه ابنُ حبان في صحيحه (١٠/ ١٦١)، وعبد الرزاق في مصنفه (٨/ ٤١). وقال النسائي عقب هذا الخبر فيما نقله عنه المزّيُّ في التحفة (٦/ ١١٢): " هذا حديث منكر، وهو عندي خطأ، والله أعلم ". وسقط هذا النص من المطبوعِ من السنن الكبرى. وأيضًا فإنَّ فيه انقطاعًا؛ فعطاء هو الخراسانيُّ كما جاء مصرَّحًا به عند عبد الرزَّاق. وقد رواه البيهقي في سننه (١٠/ ٣٢٤) من طريق هشام بن سليمان المخزومي، ثنا ابن جريج، عن عبد الله بن عمرو بن العاص .. به. وهذا طريق باطل، وقد خالف هشام الحفَّاظَ من أصحاب ابن جريج، ولذلك قال البيهقي: " كذا وجدته ولا أراه محفوظًا ". وله طريق آخر: أخرجه الحاكم في معرفة علوم الحديث (١٢٨)، والخطابي في معالم السُّنن (٣/ ١٢٤)، وابنُ حزم في المحلى (٧/ ٣٢٤) بنحوِهِ وفيه قصَّة، وهو طريق ضعيف جدًَّا، ونقل ابنُ المُلقِّن في البدر المنير (٦/ ٤٩٩) عن ابن أبي الفوارس قوله: " هذا حديث غريب .. ".
[ ١ / ٣٥٧ ]
وجه الدلالة: أن تصرف الفضولي تصرف فيما لا يملك، وتصرف الإنسان فيما لا يملك منهي عنه شرعًا، والنهي يقتضي عدم مشروعية المنهي عنه.
نوقش الاستدلال بهذا الحديث من وجوه:
الوجه الأول: أن معنى الحديث: لا تبع ما ليس عندك مما لا تملكه لا أصالة ولا يدًا، وليس معناه لا تبع ما لا تملكه أصالة وإن كان بيدك وكالة؛ وإلا لما صح بيع الوكيل، مع أن بيع الوكيل يصح بالإجماع.
ولا فرق بين الوكيل وبين الفضولي في نفس البيع؛ لأن كل واحد منهما بائع ملك غيره، والفرق إنما هو في الإذن وعدمه وهو غير مؤثر (^١).
_________________
(١) إعلاء السنن، مصدر سابق، (١٤/ ١٥٨).
[ ١ / ٣٥٩ ]
وأجيب: بأن الإذن للوكيل يجعل المعقود عليه مقدور التسليم، فلا يكون الفضولي مثله؛ لأنه لا يقدر على التسليم (^١).
ورد على هذا الجواب بأمرين (^٢):
الأول: أنا لا نسلم بأن الفضولي لا يقدر على التسليم، بل يقدر عليه، وإنما لا يقدر على تنفيذ العقد وتصحيحه، وليس في الحديث ما يدل على المنع من ذلك.
الثاني: أن القدرة على التسليم ثابتة بعد الإجازة، والقدرة على التسليم تجب بحسب البيع، فإذا كان البيع باتًا فيجب أن تكون القدرة باتة، وإذا كان موقوفًا فالقدرة موقوفة، والقدرة الموقوفة موجودة فلم يصح الفرق.
الوجه الثاني: أن الحديث محمول على البيع المطلق، وهو البيع البات النافذ، وحينئذ فلا يدخل في محل النزاع (^٣).
الوجه الثالث: أن الحديث محمول على بيع الشخص لنفسه لا لغيره؛ بدليل قصة الحديث، فإن حكيمًا ﵁ كان يبيع شيئًا لا يملكه ثم يشتريه ويسلمه (^٤).
(٩٩) ٤ - ما رواه الإمام أحمد من طريق مطر، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده ﵁، عن النبي ﷺ: " ليس على رجل طلاق إلا فيما يملك، ولا عتاق إلا فيما يملك، ولا بيع إلا فيما يملك " (^٥).
_________________
(١) ينظر: شرح العناية (٧/ ٥٤)، إعلاء السنن ١٤/ ١٥٨).
(٢) المرجعان السابقان.
(٣) فتح القدير (٧/ ٥١)، شرح العناية (٧/ ٥٤).
(٤) فتح القدير (٧/ ٥١)، بداية المجتهد (٢/ ١٧٢).
(٥) مسند الإمام أحمد (٦٧٦٩). والدارقطني (٤/ ١٤) من طريق سعيد بن أبي عروبه، وأبو داود (٢١٩٠)، ومن طريقه البيهقي (٧/ ٣١٨) من طريق هشام الدستوائي، والنسائي (٧/ ٢٨٢) من طريق محمد بن سيف الحداني، ولفظه: (ليس على رجل بيع فيما لا يملك). ثلاثتهم (سعيد، وهشام، ومحمد) عن مطر الوراق به. وأخرجه عبد الرزاق (١١٤٥٦)، وأحمد (٦٧٨٠)، وسعيد بن منصور (١٠٢٠)، والترمذي (١١٨١)، وفي علله (١/ ٤٦٥)، وابن ماجه (٢٠٤٧)، والدارقطني ٤/ ١٥، والحاكم (٢/ ٢٠٤) من طريق عامر الأحول، ولفظه: " لا نذر لابن آدم فيما لا يملك، ولا عتق فيما لا يملك، ولا طلاق فيما لا يملك ". وأخرجه مطولًا الدار قطني (٤/ ١٥)، وابن ماجه (٢٠٤٧) من طريق عبد الرحمن بن الحارث، ولفظ ابن ماجه (لا طلاق فيما لا يملك). وأخرجه الطيالسي (٢٢٦٥) ومن طريقه البيهقي (٧/ ٣١٨) من طريق حبيب المعلم، ولفظه: (لا طلاق إلا بعد نكاح ولا عتق إلا بعد ملك). وأخرجه الحاكم (٢/ ٢٠٤)، ومن طريقه البيهقي (٧/ ٣١٧) من طريق حسين المعلم، ولفظه (لا طلاق إلا بعد نكاح). وأخرجه أحمد (٦٩٣٢) من طريق محمد بن إسحاق، ولفظه (لا طلاق فيما لا تملكون، ولا عتاق فيما لا تملكون، ولا نذر فيما لا تملكون، ولا نذر في معصية الله). وأخرجه أحمد أيضًا (٦٧٨١) من طريق مطر الوراق. ولفظه (لا يجوز طلاق ولا بيع ولا عتق ولا وفاء نذر فيما لا يملك). جميعهم (عامر الأحول، وعبد الرحمن بن الحارث، وحبيب المعلم، وحسين المعلم، ومطر الوراق) عن عمر بن شعيب، به. الحكم على الحديث: الحديث صححه الحاكم، ووافقه الذهبي، ويظهر أنه ضعيف، وعلته الاختلاف فيه: فقد أخرجه سعيد بن منصور (١٠٢١) عن عمرو بن شعيب أنه سئل فقال: كان أبي عرض علي امرأة يزوجنيها، فأبيت أن أتزوجها، وقلت: هي طالق البتة يوم أتزوجها، ثم ندمت، فقدمت المدينة، فسألت سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، فقالا: قال رسول الله ﷺ (لا طلاق إلا بعد نكاح) وهذا يشعر بأن من قال فيه: عن أبيه، عن جده، سلك الجادة، وإلا فلو كان عنده: عن أبيه، عن جده، لما احتاج أن يرحل فيه إلى المدينة، ويكتفي فيه بحديث مرسل. واختلاف آخر: فقد أخرجه الحاكم والبيهقي من طريق ابن جريج عن عمر وابن شعيب عن طاوس عن معاذ بن جبل ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: " لا طلاق إلا بعد نكاح ولا عتق إلا بعد ملك " ورجاله ثقات إلا أنه منقطع بين طاوس ومعاذ. ونقل الترمذي: عن البخاري أن حديث عبد الله بن عمرو أصح شيء في الباب. ويشهد له: حديث المسور بن مخرمة ﵁: عند ابن ماجه (٢٠٤٨). وحديث علي ﵁: عند ابن ماجه (٢٠٤٩)، وحديث عائشة ﵂: في الطحاوي (١/ ٢٨١)، وحديث ابن عباس ﵄: عند الحاكم ٢/ ٤١٩ والبيهقي ٧/ ٣٢٠، وحديث جابر ﵄: عند الحاكم ٢/ ٢٠٤ والبيهقي ٧/ ١٩، وحديث ابن عمر ﵄: عند الحاكم ٢/ ٤١٩ ﵃.
[ ١ / ٣٦٠ ]
ونوقش الاستدلال بهذا الحديث من وجهين:
الأول: أنه ضعيف.
الثاني: أنه محمول على ما إذا لم يجز المالك.
٥ - أن المقصود بالأسباب الشرعية أحكامها لا مجرد السبب، فإذا لم تفد الحكم لا تعتبر وحكمها، وهو التمليك لا يتصور من غير مالك فيلغو (^١).
ونوقش: أنه غير مسلم بل تصرف الفضولي يفيد ملكا موقوفا؛ لأنه اللائق بالسبب الموقوف كما يفيد السبب البات الملك البات؛ لأنه اللائق به (^٢).
٦ - أنَّ وقف الفضولي قد خرج من المالك بدون عِوَض بخلاف البيع.
ونوقش: بأنه غير مسلم، بل وقف الفضولي لم يخرج من مالكه إلا بإذنه.
الترجيح:
الراجح -والله أعلم- صحة وقف الفضولي بالإجازة؛ لقوَّة دليله، ومناقشة القول الآخر.
_________________
(١) تبيين الحقائق (٤/ ١٠٤).
(٢) المصدر السابق.
[ ١ / ٣٦٢ ]