وفيها أمران:
الأمر الأول: اعتبار شرط القبول:
إذا كان الوقف على آدمي معين، ففي اشتراط القبول قولان:
القول الأول: عدم اشتراط القبول.
وهذا قول عند الشافعية (^١)، وهو المذهب عند الحنابلة (^٢).
القول الثاني: اشتراط القبول.
وهو قول الحنفية (^٣)، والمالكية (^٤)، وهو الأصح عند الشافعية (^٥)، ووجه عند الحنابلة (^٦).
الأدلة:
أدلة القول الأول: (عدم الاشتراط)
استدل القائلون بعدم اشتراط القبول في عقد الوقف إن كان على معين بالأدلة الآتية:
١ - الأدلة الدالة على عدم جواز الرجوع في الوقف (^٧).
وجه الدلالة: أن هذه الأدلة دلت على نفوذ الوقف، وهذا يقتضي عدم اشتراط القبول.
_________________
(١) نهاية المحتاج ٥/ ٣٧٣، روضة الطالبين ٥/ ٣٢٤.
(٢) المغني ٨/ ١٨٧، الإنصاف ٧/ ٢٦.
(٣) الإسعاف ص ١٥، حاشية ابن عابدين ٤/ ٣٤٢.
(٤) الفواكه الدواني، مصدر سابق، ٢/ ٢٢٥.
(٥) نهاية المحتاج ٥/ ٣٧٣، روضة الطالبين ٥/ ٣٢٤، حاشية الشرقاوي ٢/ ١٩٢.
(٦) المغني ٨/ ١٨٧، الإنصاف ٧/ ٢٧.
(٧) ينظر: باب الرجوع في الوقف.
[ ١ / ٢٤٤ ]
٢ - حديث أبي طلحة حين وقف أرضه ببيرحاء (^١).
قال ابن حجر: " وفي قصة أبي طلحة من الفوائد: أن الوقف لا يحتاج في انعقاده إلى الموقوف عليه " (^٢).
٣ - الآثار السابقة عن الصحابة ﵃ (^٣)؛ إذ لم يرد فيها قبول الموقوف عليهم.
٤ - قياس الوقف على العتق بجامع أنهما تصرفان يزول بهما الملك، وإذا وردا على عين حرم بيعها وهبتها وإرثها (^٤)، والعتق تصرف لا يفتقر إلى قبول فكذلك الوقف.
٥ - أن الوقف إزالة ملك عن الرقبة والمنفعة على وجه التقرب إلى الله تعالى، وإذا كانت هذه حقيقة الوقف فإلحاقة بالقرب التي لا يشترط فيها قبول أولى من إلحاقه بالعقود (^٥).
٦ - أن القبول إذا لم يشترط في الوقف على غير معين، فكذلك لا يشترط في الوقف على معين؛ لأنه أحد نوعي الوقف (^٦).
٧ - أن الوقف فيه حق لله تعالى، والموقوف عليه إنما يملك منفعة المال لا رقبته (^٧).
٨ - أن الوقف لا يختص بالموقوف عليه، بل يتعلق به حتى من يأتي من
_________________
(١) تقدم تخريجه برقم (٤).
(٢) فتح الباري ٥/ ٢٥٧.
(٣) ينظر: تخريجها في مبحث الوقف الذري.
(٤) المغني ٨/ ١٨٨، الحاوي ٩/ ٣٧٣.
(٥) الحاوي ٩/ ٣٧٣، نهاية المحتاج ٥/ ٣٧٢.
(٦) المغني، نفسه، ٨/ ١٨٧.
(٧) الحاوي ٩/ ٣٧٣.
[ ١ / ٢٤٥ ]
البطون في المستقبل، فيكون الوقف على جميعهم إلا أنه مرتب، فصار بمنزلة الوقف على الفقراء الذي لا يبطل برد واحد منهم، ولا يتوقف على قبوله (^١).
٩ - أنه لا يلزم من عدم اشتراط القبول دخول العين أو المنفعة في ملك الموقوف عليه قهرًا، وإنما تدخل في ملكه بقبوله، فإن لم يقبل بطل في حقه وانتقل إلى من بعده.
أدلة القول الثاني: (اشتراط القبول)
استدل القائلون باشتراط القبول في عقد الوقف إن كان على معين بالأدلة الآتية:
١ - قياس الوقف على الهبة، والوصية بجامع أنها تبرعات لآدمي معين (^٢)، والهبة والوصية عقدان يفتقران إلى قبول، فكذلك الوقف.
ونوقش: بوجود الفارق بين الهبة والوصية، وبين الوقف.
ووجه الفرق: أن الوقف لا يختص بالمعين، بل يتعلق به حتى من يأتي من البطون في المستقبل، فيكون الوقف على جميعهم، إلا أنه مرتب، فصار بمنزلة الوقف على الفقراء الذي لا يبطل برد واحد منهم ولا يقف على قبوله، والهبة والوصية لمعين بخلافه (^٣).
٢ - أن دخول عين أو منفعة في ملك شخص قهرا بغير الإرث لا يصح (^٤).
ونوقش من وجهين:
الوجه الأول: عدم التسليم بكون الإرث هو الطريق الوحيد لدخول العين
_________________
(١) المغني، نفسه، ٨/ ١٨٨.
(٢) المغني ٨/ ١٨٧، نهاية المحتاج ٥/ ٣٧٢.
(٣) المغني، مصدر سابق، ٨/ ١٨٨.
(٤) نهاية المحتاج، مصدر سابق، ٥/ ٣٧٢.
[ ١ / ٢٤٦ ]
أو المنفعة قهرا في الملك، فمن العلماء من قال: إن اللقطة تدخل في ملك الملتقط بعد التعريف قهرا (^١).
الوجه الثاني: أنه لا يلزم من عدم اشتراط القبول لصحة الوقف على معين دخول العين أو المنفعة في ملكه قهرا، فإن قبل دخلت في ملكه، وإلا انتقل إلى من بعده، وهذا يدل على أن عقد الوقف على معين يصح، ولو لم يقبل الموقوف عليه.
سبب الخلاف: يرجع إلى الخلاف في ملكية الوقف على معين هل هو للموقف عليه، أو باق على ملك الواقف، أو ملك لله تعالى؟ على ثلاثة أقوال:
فإن قيل بانتقال الملك إلى الموقف عليه، قيل باشتراط القبول، وإن قيل بعدم انتقال الملك إلى الموقوف عليه لم يشترط القبول (^٢).
ولم يرتض الزركشي من الحنابلة هذا السبب معللا أنه لا نزاع بين الأصحاب أن انتقال الملك إلى الموقوف عليه هو المذهب، مع أن الخلاف قائم بينهم في اشتراط القبول.
ورجح الزركشي أن سبب الخلاف تردد معنى الوقف بين التمليك والتحرير، فمن قال: إنه إلى التمليك أقرب اشترط له القبول كالهبة.
ومن قال: إنه إلى التحرير أقرب لم يشترط له قبولا كالعتق (^٣).
الترجيح:
الراجح -والله أعلم- عدم اشتراط قبول الموقوف عليه؛ لقوة دليل هذا القول، ولأن الوقف قربة الأصل أن يكثر منه، ولا يمنع منه إلا لدليل.
_________________
(١) الروض المربع مع حاشية ابن قاسم ٥/ ٥١٢.
(٢) المصدران السابقان، صيغ العقود ص ٢٥٥.
(٣) شرح الزركشي ٤/ ٢٧٤، الإنصاف ٧/ ٢٧ مصدران سابقان.
[ ١ / ٢٤٧ ]
ثمرة الخلاف:
أننا إذا قلنا: لا يفتقر إلى القبول لم يبطل بالرد كالعتق، وإن قلنا يفتقر إلى القبول فرده بطل في حقه دون من بعده (^١).
الأمر الثاني: حكم الوقف إذا لم يقبل الموقوف عليه:
إذا لم يقبل الموقوف عليه الوقف فاختلف العلماء ﵏ في ذلك على قولين:
القول الأول: أن الوقف لا يبطل، وينتقل لمن بعده.
وهذا قول جمهور أهل العلم: الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة، وبه قال شيخ الإسلام (^٢).
القول الثاني: أن الوقف يبطل برد الموقوف عليه.
وبه قال بعض المالكية، وبعض الشافعية، وبعض الحنابلة (^٣).
الأدلة:
أدلة الرأي الأول:
١ - الأدلة الدالة على عدم جواز الرجوع في الوقف (^٤).
وجه الدلالة: أن هذه الأدلة دالة على نفوذ الوقف، وهذا يقتضي عدم بطلان الوقف برد الموقوف عليه.
٢ - القياس على العتق، فينفذ مع رد المعتق (^٥).
_________________
(١) المغني ٨/ ١٨٨، الشرح الكبير ١٦/ ٤٠٣ مصدران سابقان.
(٢) فتح القدير ٦/ ٢٤٢، منح الجليل ٨/ ١٦٦، حاشية الدسوقي ٤/ ٨٨، أسنى المطالب ٢/ ٤٦٢، المغني ٨/ ١٨٨، الاختيارات ص ٢٩٩.
(٣) المصادر السابقة.
(٤) ينظر: مبحث الرجوع في الوقف.
(٥) المغني، مصدر سابق، ٨/ ١٨٨.
[ ١ / ٢٤٨ ]
٣ - أن الوقف ليس عقدًا فيحتاج إلى إرادتين، بل هو من جنس التصرف عليه.
٤ - ولأن الوقف يتعلق به حق من بعده، فلم يؤثر الرد إلا على الراد نفسه؛ لئلا يحرم غيره من الوقف بسبب رد الأول، وهذا فيه ظلم لمن بعده من الذين سيسري عليهم الوقف.
٥ - ولأن الوقف صدقة ولا يجوز العود في الصدقة؛ (٤٧) لما رواه البخاري ومسلم من طريق زيد بن أسلم، عن أبيه أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: " حملت على فرس في سبيل الله فأضاعه الذي كان عنده، فأردت أن أشتريه منه وظننت أنه بائعه برخص، فسألت عن ذلك النبي ﷺ فقال: "لا تشتره وإن أعطاكه بدرهم واحد، فإن العائد في صدقته كالكلب يعود في قيئه" (^١).
دليل القول الثاني: (بطلان الوقوف)
١ - أن الملك لا يمكن أن يدخل جبرًا في ملك الشخص الذي لا يريده، وسبب البطلان وعدم السريان هو: أن الوقف في الأصل لهذا الأول، ومن بعده فرع عنه أو تابع له، فإذا بطل الأول بطل الثاني تبعًا (^٢).
ونوقش: بعدم التسليم، فالبطن الثاني ليس تبعًا للأول، بل أصل يتلقى عن الواقف نفسه.
٢ - القياس على الوكيل إذا رد الوكالة (^٣).
_________________
(١) صحيح البخاري - كتاب الهبة وفضلها/ باب لا يحل لأحد أن يرجع في هبته وصدقته رقم (٢٤٨٠) ٢/ ٩٢٥، ومسلم في صحيحه في كتاب الهبات/ باب كراهة شراء الإنسان ما تصدق به ممن تصدق عليه حديث رقم (١٦٢٠) ٣/ ١٢٣٩.
(٢) أسنى المطالب ٢/ ٤٦٣.
(٣) الإنصاف، مصدر سابق، ٧/ ١٢٨.
[ ١ / ٢٤٩ ]
ونوقش: بأن قياس مقابل بمثله، وأيضا وجود الفارق، فالوقوف عقد لازم، والوكالة عقد جائز، فبطلت برد الوكيل.
الترجيح:
الراجح -والله أعلم- عدم بطلان الوقف؛ لقوة دليله، ولأن الأصل الصحة وعدم البطلان.