وفيها أمور:
الأمر الأول: وقف المجنون (^١) حال اختلاله.
_________________
(١) الجنون في اللغة: مصدر جن -بالبناء للمجهول- جنونا فهو مجنون، أي: زال عقله أو فسد. ينظر: المعجم الوسيط (١/ ١٤١). وأصل الجن: الستر، يقال: جن الشيء يجنه جنا: ستره، وكل شيء ستر عنك فقد جن عنك، وبه سمي الجن لاستتارهم واختفائهم عن الأبصار، ومنه سمي الجنين، لاستتاره في بطن أمه. ينظر: لسان العرب (١٣/ ٩٢) مادة (جن). والجنون في الاصطلاح: عرف الجنون بعدة تعريفات منها: التعريف الأول: اختلال العقل بحيث يمنع جريان الأفعال والأقوال على نهجه إلا نادرا. ينظر: تيسير التحرير (٢/ ٢٥٩). التعريف الثاني: اختلال القوة المميزة بين الأمور الحسنة والقبيحة المدركة للعواقب، بأن لا تظهر آثارها، وتتعطل أفعالها، إما لنقصان جبل عليه دماغه في أصل الخلقة، وإما لخروج مزاج الدماغ عن الاعتدال بسبب خلط أو آفة، وإما لاستيلاء الشيطان عليه وإلقاء الخيالات الفاسدة إليه بحيث يفرح ويفزع من غير ما يصلح سببا لذلك. ينظر: التلويح على التوضيح (٢/ ١٦٧)، تيسير التحرير (٢/ ٢٥٩). التعريف الثالث: داء يحل الدماغ باعثا على الإقدام على ما يضاد العقل من غير ضعف في الأعضاء. ينظر: شرح المجلة للأتاسي (٣/ ٥١٠). أنواع الجنون: الجنون نوعان: النوع الأول: الجنون الأصلي. وهو المتصل بزمان الصبا، بأن جن صغيرا فبلغ مجنونا. النوع الثاني: الجنون الطارئ، ومعناه: أن يبلغ الإنسان عاقلا ثم يطرأ عليه الجنون. ثم إن كلا من الجنون الأصلي والطارئ ينقسم إلى قسمين: جنون مطبق، وجنون غير مطبق. فالأول: يكون صاحبه مغلوبا فلا يفيق من جنونه، والثاني: يفيق منه صاحبه أحيانا. ينظر: تيسير التحرير (٢/ ٢٥٩)، التلويح على التوضيح (٢/ ١٦٧)، كشف الأسرار (٤/ ٤٣٧)، صيغ العقود (١/ ٢٩٦).
[ ١ / ٢٦٣ ]
اتفق الفقهاء (^١) ﵏ على عدم صحة وقف المجنون، ولا عبرة بإجازة الولي لو أجاز ما أصدره المجنون من وقف.
وهذا بالإجماع؛ للأدلة الآتية:
١ - حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: " رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصغير حتى يكبر، وعن المجنون حتى يعقل " (^٢).
٢ - ما سبق من الأدلة على عدم صحة وقف الصبي والمجنون من باب أولى (^٣).
_________________
(١) الإسعاف ص ١٠، الهداية (٣/ ٢٨٠)، بدائع الصنائع (٥/ ١٣٥ - ١٧١)، تبيين الحقائق (٥/ ١٩١)، الاختيار لتعليل المختار (٢/ ٩٤)، عقد الجواهر الثمينة (٢/ ٣٢٨)، التلقين (٢/ ٣٦١)، مواهب الجليل (٤/ ٢٤١)، (٥/ ٥٧)، القوانين الفقهية ص (٢٤٨)، شرح العدوي على الرسالة ٢/ ٢١٠، روضة الطالبين (٣/ ٣٤١ - ٣٤٢)، نهاية المحتاج (٣/ ٣٨٦)، حاشيتا قليوبي وعميرة (٢/ ١٥٥)، المجموع (٩/ ١٥٥)، شرح المنهج مع حاشية الجمل (٣/ ١٦)، الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع (٢/ ٥)، كشاف القناع (٣/ ١٥١)، شرح المنتهى ٢/ ٤٨٩، مطالب أولي النهي (٣/ ١٠)، صيغ العقود (١/ ٢٩٦).
(٢) سبق تخريجه برقم (٥٠).
(٣) ينظر: المسألة الأولى من هذا المطلب.
[ ١ / ٢٦٤ ]
٣ - أن انتقال الملك متوقف على الرضا، ومعرفة رضا المجنون متعذر لعدم التمييز وانتفاء تعقل المعاني.
فلا يصح حينئذ وقفه التي يصدرها (^١).
٤ - أن الإنسان يعرف بالعقل ما ينفعه من العقود فيقدم عليه، والمجنون فاقد للعقل فلا يصح ما يصدره من صيغ تفيد التزامه بعقد من العقود لرجحان جانب الضرر؛ نظرا إلى سفهه وقلة مبالاته وعدم قصده المصالح.
وقد يستجر -من يعامله- ماله باحتياله (^٢).
٥ - أن الأهلية شرط لجواز التصرف وانعقاده، ولا أهلية بدون عقل وتمييز، والمجنون فاقد لهما (^٣).
٦ - ويستدل لعدم الاعتداد بإجازة الولي لما يصدره المجنون من وقف: بأن صدور الصيغة من المجنون تصرف باطل لا يعتد به، وإجازة الولي إنما تلحق التصرفات الموقوفة فتجعلها نافذة، ولا تلحق التصرفات الباطلة، فالباطل في حكم المعدوم.
الأمر الثاني: وقف المجنون حال إفاقته:
اختلف الفقهاء ﵏ فيما يصدره المجنون من وقف حال إفاقته على قولين:
القول الأول: أن ما يصدره المجنون من وقف في حال إفاقته يعد صحيحا نافذا.
وبهذا قال جمهور الفقهاء، فقد نصوا على ذلك في مواضع كولاية النكاح، وأسباب الحجر.
_________________
(١) ينظر: جواهر الإكليل (٢/ ٢)، شرح التلويح على التوضيح (٢/ ١٦٨).
(٢) الاختيار لتعليل المختار (٢/ ٩٥)، تبيين الحقائق (٥/ ١٩١).
(٣) بدائع الصنائع (٧/ ١٧١)، كشف الأسرار (٤/ ٤٤٥).
[ ١ / ٢٦٥ ]
فهو مذهب الحنفية (^١)، والمالكية (^٢)، والشافعية (^٣)، والحنابلة (^٤).
القول الثاني: أن ما يصدره المجنون من وقف حال إفاقته فيه تفصيل:
فإن كان لإفاقة المجنون وقت معلوم فوقف في ذلك الوقت، فالحكم أنه صحيح نافذ.
وإن لم يكن لإفاقته وقت معلوم فوقف في حال الإفاقة، فالحكم أنها موقوفة على إجازة الولي.
وإلى هذا القول ذهب بعض الحنفية (^٥).
الأدلة:
أدلة القول الأول:
استدل القائلون بصحة وقف المجنون حال إفاقته بما يلي:
١ - أن الأصل صحة الوقف إلا لتخلف شرط، أو وجود مانع، ولم يوجد.
٢ - أنَّ العلةَ من عدم صحة وقف المجنون زالت بإفاقته، والقاعدة الشرعية: أنَّ كلَّ علَّة أوجبت حكمًا اقتضى أن يكون زوال تلك العلة موجبا لزوال ذلك الحكم (^٦).
دليل القول الثاني:
استدل القائلون بصحة وقف المجنون ونفاذه إن كان لإفاقته وقت معلوم، وبوقفها على إجازة الولي إن لم يكن لها وقت معلوم:
_________________
(١) الفتاوى الهندية (٥/ ٥٤)، تبيين الحقائق (٥/ ١٩١).
(٢) مختصر خليل ص (٢٢٩)، مواهب الجليل (٥/ ٥٧ - ٥٨)، منح الجليل (٦/ ٨٣).
(٣) روضة الطالبين (٧/ ٦٢ - ٦٣)، مغني المحتاج (٢/ ١٦٦)، إعانة الطالبين (٣/ ٧١).
(٤) المغني ٩/ ٣٦٧، شرح منتهى الإرادات (٢/ ٥٣٩)، غاية المنتهى (٣/ ٤٠٢)، (٤/ ٤٤٤).
(٥) حاشية الشلبي على تبيين الحقائق (٥/ ١٩١)، حاشية ابن عابدين (٦/ ١٤٤).
(٦) الحاوي للماوردي (٨/ ٣٢)، غاية المنتهي (٣/ ٤٠٢).
[ ١ / ٢٦٦ ]
أن من كان لإفاقته وقت معلوم فإنه يتحقق من صحوه، ومن لم يكن لإفاقته وقت معلوم لا يتحقق صحوه (^١).
ويناقش هذا التعليل: بأن العلة من عدم صحة وقف المجنون هي زوال العقل، فإذا أفاق زالت العلة وتحقق شرط صحة الوقف، وارتفع بطلانه، وحينئذ فلا يلتفت إلى كون الإفاقة لها وقت معلوم أو لا.
الترجيح:
يظهر لي -والله أعلم بالصواب- رجحان القول بصحة وقف المجنون؛ لقوة دليل أصحاب هذا القول، وضعف تعليل القائلين بالتفصيل.
الأمر الثالث: وقف الخرف:
الخَرَف: هو فساد العقل من الكبر والهرم.
يقال: خَرِف الرجل خَرفَا -من باب تعب- فهو خرِف (^٢).
فإذا رد الإنسان لأرذل العمر، وأصبح لا يعلم من بعد علم شيئا، فلا يصح وقفه.
ويدل لذلك ما يأتي:
١ - حديث على بن أبي طالب ﵁ السابق: " رفع القلم عن ثلاثة … " رواية فيها زيادة: " والخَرِف " (^٣) (^٤).
_________________
(١) حاشية ابن عابدين (٦/ ١٤٤).
(٢) المصباح المنير (١/ ٢٠٠)، وقد جاء في بذل المجهود (١٧/ ٣٥٤): " أن الخرف غير الجنون، فالجنون من الأمراض السوداوية، يقبل العلاج، والخرف بخلاف ذلك، لذا جاء في الحديث: " والمجنون حتى يعقل "؛ لأن زوال الجنون ممكن في العادة، لكن لما ذكر الخرف في الحديث لم يقل حتى يعقل؛ لأن الغالب عدم البرء منه إلى الموت ".
(٣) سنن ابن ماجه -كتاب الحدود/ باب في المجنون يسرق أو يصيب حدا، وسند هذه الرواية فيه القاسم بن يزيد، وهو مجهول، ولم يدرك عليا ﵁. ينظر: مصباح الزجاجة في زوائد ابن ماجه (١/ ٣٥٢)، والحديث تقدم تخريجه قريبا.
(٤) قال النووي في روضة الطالبين (٧/ ٦٣): " الصورة الثانية مما يسلب النظر: اختلال النظر لهرم، أو خبل جبلي، أو عارض يمنع الولاية -أي ولاية النكاح- وينقلها إلى الأبعد". وقال ابن قدامة في المغني (٩/ ٣٦٧): " الشيخ الذي قد ضعف لكبره، فلا يعرف موضع الحظ لها فلا ولاية له -أي في النكاح- ".
[ ١ / ٢٦٧ ]
(٥١) ٢ - ما روي عن علي ﵁ في عدم وقوع طلاق المعتوه (^١).
٣ - أنَّ الهرمَ الخرف كالمجنون؛ لفقده العقل، فليس أهلا للوقف وإبرام العقود.
وبهذا يتبين أن الخرف كالمجنون في عدم صحة وقفه التي تفيد التزامه بعقد من العقود.
الأمر الرابع: وقف المعتوه:
وفيه فرعان:
الفرع الأول: تعريف المعتوه:
العته في اللغة: يطلق على نقص العقل، ويطلق أيضا على فقده (^٢).
وفي اصطلاح الفقهاء:
انقسم الفقهاء ﵏ في تعريف المعتوه إلى طائفتين:
فطائفة جعلت العته نوعًا من الجنون، والطائفة الأخرى فرقت بينه وبين الجنون.
فقد جاء في تبيين الحقائق (^٣) للحنفيَّة أن المعتوه هو: " من كان قليل الفهم، مختلط الكلام، فاسد التدبير، إلا أنه لا يضرب ولا يشتم كما يفعل المجنون ".
_________________
(١) لم أقف عليه.
(٢) ينظر: القاموس المحيط ص (١٦١٢)، مادة (عته)، تهذيب اللغة (١/ ١٣٩) مادة (عته).
(٣) (٥/ ١٩١)، وينظر أيضا: حاشية ابن عابدين (٦/ ١٤٤).
[ ١ / ٢٦٨ ]
وجاء في الإكليل (^١) للمالكية: " أن المعتوه هو: ضعيف العقل " (^٢).
وقد ذكر صاحب كشاف اصطلاحات الفنون (^٣): ما يؤيد هذا التفريق حيث قال: "والفرق بين السفه والعته ظاهر، فإن المعتوه يشابه المجنون في بعض أفعاله وأقواله، بخلاف السفيه فإنه لا يشابه المجنون، لكن تعتريه خفة فيتابع مقتضاها في الأمور من غير روية وفكر في عواقبها ".
وجاء في تحرير التنبيه للشافعية (^٤): " المعتوهُ نوعٌ من المجانين ".
وجاء في المغني للحنابلة (^٥): " المعتوه هو: الزائل العقل بجنون مطبق".
وفي الدر النقي (^٦): " المعتوه هو المجنون ".
الفرع الثاني: وقف المعتوه:
اختلف الفقهاء ﵏ في وقف المجنون على قولين:
القول الأول: أن المعتوه كالمجنون في الأحكام، فلا يصح وقفه، ولا يجوز للولي أن يأذن له في ذلك.
وهذا مذهب المالكية (^٧)، والشافعية (^٨)، والحنابلة (^٩).
_________________
(١) (١/ ٢٥٣).
(٢) وينظر: الخرشي على مختصر خليل ٣/ ١١٢.
(٣) … (٢/ ٤٥٢).
(٤) تحرير التنبيه للنووي ص ٢٣٦.
(٥) المغني لابن قدامة، مصدر سابق، (٩/ ٤١٥).
(٦) الدر النقي لابن عبد الهادي الحنبلي (٣/ ٧٠٣).
(٧) الشرح الصغير (٤/ ٧)، جواهر الإكليل (١/ ٢٨١)، مواهب الجليل (٣/ ٤٣٨)، التاج والإكليل (٣/ ٤٣٨).
(٨) الحاوي، مصدر سابق، (٨/ ٣٢).
(٩) المغني، مصدر سابق، (٩/ ٤١٥).
[ ١ / ٢٦٩ ]
القول الثاني: أن المعتوه كالصبي العاقل في تصرفاته، لذا فما يصدره المعتوه من وقف يأخذ حكم وقف الصبي المميز، وقد تقدم حكمه (^١).
وبهذا قال الحنفية (^٢).
الأدلة:
الذين يرون بطلان وقف المعتوه يلحقونه بالمجنون ويطبقون عليه أحكامه، وتقدمت الأدلة قريبا على عدم صحة وقف المجنون.
أما الذين يرون إلحاق المعتوه بالصبي المميز في التصرفات القوليَّة وهم الحنفيَّة، فإنهم لما رأوا المعتوه -حسب اصطلاحهم- عنده نوع تمييز ألحقوه بالصبي المميز وقاسوه عليه.
والذي يظهر لي في المسألة أن المعتوه ينقسم إلى قسمين:
الأول: معتوه ليس معه إدراك فهذا في حكم المجنون، فلا يصح وقفه.
الثاني: معتوه معه إدراك، فيأخذ حكم الصبي المميز، وقد تقدم حكم وقفه (^٣).
الأمر الخامس: وقف السكران (^٤):
السكران لا يخلو من حالتين:
الحال الأولى: أن يكون معذورًا بسكره، كمن شرب مسكرًا ظنه
_________________
(١) في حكم وقف الصبي.
(٢) تبيين الحقائق (٥/ ١٩١)، المبسوط (٢٥/ ٨٢)، بدائع الصنائع (٧/ ١٩٣)، الدر المختار مع حاشية ابن عابدين (٦/ ١٤٤).
(٣) ينظر: المطلب الأول من هذا المبحث.
(٤) اختلفت عبارات الفقهاء في بيان حد السكران: فقيل: هو الذي اختلط كلامه المنظوم، وانكشف سره المكتوم. وقيل: هو الذي تغير عقله تغيرًا يجترئ على معان لا يجرئ عليها صاحيًا. وقيل: هو الذي لا يفرق بين السماء والأرض، ولا بين أمه وامرأته. وقيل غير هذا. ينظر: مواهب الجليل (٤/ ٢٤٢)، الأشباه والنظائر للسيوطي ص (١٤١)، روضة الطالبين (٨/ ٦٢)، صيغ العقود ص ٢٩٩. قال ابن كثير -رحمة الله- في تفسيره (١/ ٥٤٨): " أحسن ما يقال في حد السكران: إنه الذي لا يدري ما يقول "، وقد استنبط ابن كثير هذا التعريف من قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ النساء، آية: ٤٣. قال الحافظ ابن حجر -رحمة الله- في الفتح (٩/ ٣٩٠): " فإن فيها -أي الآية- دلالة على أن من علم ما يقول لا يكون سكرانًا ". وينظر: المغني لابن قدامة (١٠/ ٣٤٨).
[ ١ / ٢٧٠ ]
عصيرًا، أو كان مكرهًا على شربه، ونحو ذلك، فلا يصح وقفه باتفاق الفقهاء (^١).
لما يأتي من الأدلة على عدم صحة وقفه إذا كان السكران غير معذور، فالمعذور من باب أولى.
الحال الثانية: أن لا يكون معذورًا بسكره بأن شرب المسكر عالمًا مختارًا.
إذا وقف السكران غير المعذور بسكره فهل يصح وقفه؟
خلاف بين الفقهاء على أقوال:
القول الأول: عدم صحة وقف السكران.
هو قول الكرخي، والطحاوي من الحنفية (^٢)، وقول للشافعية (^٣)، ورواية
_________________
(١) تيسير التحرير (٢/ ٢٨٨)، حاشية ابن عابدين (٢/ ٤٢٤)، بداية المجتهد (٢/ ٨٢)، شرح الخرشي (٢/ ٣٢)، الحاوي الكبير (١٠/ ٢٣٥)، المغني (١٠/ ٣٤٥).
(٢) فتح القدير (٣/ ٤٩٠)، البحر الرائق (٣/ ٢٤٧)، الدر المختار مع حاشية ابن عابدين (٣/ ٢٤١)، مختصر اختلاف العلماء (٢/ ٤٣١).
(٣) المجموع شرح المهذب (٩/ ١٥٥)، روضة الطالبين (٢/ ٦٢)، صيغ العقود ص ٢٩٩.
[ ١ / ٢٧١ ]
عند الحنابلة، خرَّجها الأصحابُ على عدم وقوع طلاق السكران (^١)، وهو قول الظاهرية (^٢)، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم (^٣).
القول الثاني: صحة وقف السكران.
وهذا هو المشهور من مذهب الحنفية (^٤)، وهو قول شاذ عند المالكية (^٥)، وهو المذهب عند الشافعية (^٦)، ورواية عند الحنابلة، خرَّجها الأصحابُ على وقوع طلاق السكران (^٧)، وهي المذهب (^٨).
في تيسير التحرير: " وإن كان طريقه -أي السكر- محرما فلا يبطل التكليف فيلزم الأحكام، وتصح به عباراته من الطلاق، والعتاق، والبيع، والإقرار، والتزويج، والإقراض … ".
_________________
(١) المبدع (٧/ ٢٥٣)، الإنصاف (٨/ ٤٣٥)، شرح الزركشي (٥/ ٣٨٧).
(٢) المحلى (٩/ ٤٧١).
(٣) مجموع الفتاوى (٢٣/ ١٠٢)، الفتاوى الكبرى (٤/ ٥٦٧)، إعلام الموقعين (٤/ ٣٩).
(٤) كشف الأسرار (٤/ ٥٧١ - ٥٧٦)، تيسير التحرير (٢/ ٢٨٧ - ٢٨٨)، فتح القدير (٣/ ٤٩١)، مختصر اختلاف العلماء (٢/ ٤٣٠). وقد ذكر ابن نجيم في الأشباه والنظائر ص (٣٦٩): أن السكران كالصاحي -يعني تصح سائر تصرفاته وتنفذ- إلا في مسائل ومن المسائل المتعلقة بالعقود. المسألة الأولى: تزويج الصغير والصغيرة بأقل من مهر المثل أو بأكثر، فإنه لا ينفذ. المسألة الثانية: الوكيل بالبيع لو سكر فباع لم ينفذ على موكله.
(٥) هو قول ابن نافع من المالكية. ينظر: عقد الجواهر (٢/ ٣٢٨)، مواهب الجليل (٤/ ٢٤٢)، البيان والتحصيل (٤/ ٢٥٨ - ٢٥٩).
(٦) المجموع شرح المهذب (٩/ ١٥٥)، مغني المحتاج (٢/ ٧) وأحال بحثه على الطلاق (٣/ ٢٧٩)، روضة الطالبين (٣/ ٣٤٢)، المهذب (٢/ ٩٩).
(٧) المبدع (٧/ ٢٥٣)، كشاف القناع (٥/ ٢٤٣)، شرح الزركشي (٥/ ٣٨٧).
(٨) الإنصاف (٨/ ٤٣٤).
[ ١ / ٢٧٢ ]
القول الثالث: أن وقف السكران صحيح، إلا أن العقد غير لازم.
وبهذا قال الإمام مالك، وعامة أصحابه (^١).
القول الرابع: يصح وقف السكران، ولا يصح قبوله الوقف.
وهذا قول للشافعية (^٢).
الأدلة:
أدلة القول الأول: (عدم صحة وقف السكران)
استدل من قال بعدم صحة هبة السكران بالأدلة الآتية:
١ - قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ (^٣).
وجه الاستدلال من الآية: أن الله ﷾ جعل قول السكران غير معتبر؛ لأنه لا يعلم ما يقول (^٤)، وعليه فلا يصح وقفه.
وأيضا فإن النهي عن قربان الصلاة مع السكر دليل على بطلان عبادته، فترتب على ذلك بطلان سائر عقوده لانعدام مناط التكليف (^٥).
(٥٢) ٢ - ما رواه مسلم من طريق سليمان بن بريدة، عن أبيه ﵁ قال: جاء ماعز بن مالك للنبي ﷺ، فقال: يا رسول الله طهِّرني، … قال: " ممَّ أُطهِّرك؟ " قال: من الزنى. فسأل رسول الله ﷺ: " أَبِهِ جنون؟ " فأُخبر أنه ليس
_________________
(١) البيان والتحصيل (٤/ ٢٥٩)، عقد الجواهر (٢/ ٣٢٨)، مواهب الجليل (٤/ ٢٤١ - ٢٤٤)، جواهر الإكليل (٢/ ٢).
(٢) المجموع (٩/ ١٥٥)، روضة الطالبين (٨/ ٦٢)، الحاوي (١٣/ ١٠٨).
(٣) من آية ٤٣ من سورة النساء.
(٤) زاد المعاد (٥/ ٢٠٩)، إعلام الموقعين (٣/ ١٠٦).
(٥) التفسير الكبير (١٠/ ١٠٩)، مجموع فتاوى شيخ الإسلام (٣٣/ ١٠٦).
[ ١ / ٢٧٣ ]
بمجنون، فقال: " أَشَرِبَ خَمرًا؟ " فقام رجلٌ فاستنكَهَه فلم يجد منه ريحَ خَمر، فقال النبي ﷺ: " أَزَنيتَ؟ " قال: نعم. فأَمَرَ به فَرُجِمَ (^١).
وجه الاستدلال من الحديث: أنَّ النبيَّ ﷺ أمر بشمّ ريح فم ماعز ليعلَمَ هل هو سكرانٌ أم لا؟ فإن كان سكران لم يصحّ إقراره، وإذا لم يصحّ إقرارُه عُلم أن أقواله باطلة كأقوال المجانين (^٢)، فلا يصح وقفه.
ونوقش هذا الاستدلال: بأن درء الحد عن ماعز لوجود الشبهة في إقراره، والحدود تدرأ بالشبهات (^٣).
وأجيب: بأن استنكاه ماعز خشية الشبهة في إقراره دليل على اعتبار العقل الذي هو مناط التكليف.
(٥٣) ٣ - ما رواه البخاري من طريق علي بن الحسين أن الحسين بن علي ﵄ أخبره أنَّ عليًَّا أخبره قال: " كانت لي شارف من نصيبي من المغنم يومَ بدر، فإذا شارفي قد جبّت أسنمتهما، وبُقرت خواصرُهُما (^٤)، فقلت: يا رسول الله … عدا حمزة على ناقتي … وها هو في بيت معه شرب، فطَفِقَ النبيُّ ﷺ يلوم حمزة، ثم قال حمزة: وهل أنتم إلا عبيدٌ لأبي؟ فعرف النبيُّ ﷺ أنه قد ثَمِلَ، فنَكَصَ رسولُ الله ﷺ على عقبيه وخَرَجنا مَعَهُ " (^٥).
_________________
(١) صحيح مسلم في الحدود/ باب حد الزنا (ح ١٦٩٥).
(٢) مجموع فتاوى شيخ الإسلام (٣٣/ ١٠٢)، شرح الزركشي (٥/ ٣٨٤ - ٣٨٥).
(٣) فتح الباري (١٢/ ١٣٠)، الأشباه والنظائر ص (١٢٧).
(٤) شارفيّ: مثنى مضاف إلى ياء المتكلم، مفرده شارف وهي: الناقة المسنَّة، والمعنى: أنه بقر شقي الناقتين. (انظر: النهاية في غريب الحديث ٢/ ٤٦٢).
(٥) صحيح البخاري -كتاب فرض الخمس/ باب فرض الخمس (ح ٣٠٩١)، ومسلم - كتاب الأشربة/ باب تحريم الخمر (ح ١٩٧٩).
[ ١ / ٢٧٤ ]
وجه الاستدلال من الحديث: أنَّ النبيَّ ﷺ لم يؤاخذ حمزة بما قال، مع أن هذا القول لو قاله غير سكران لكان ردة وكفرًا (^١).
قال ابن حجر (^٢) ﵀ -: "وهو من أقوى أدلة من لم يؤاخذ السكران بما يقع منه في حال سكره من طلاق وغيره ".
ونوقش هذا الاستدلال من الحديث: بأن الخمر حينئذ كانت مباحة، فبذلك سقط عن حمزة ﵁ حكم ما نطق به في تلك الحال (^٣).
وأجيب عنه: بأن الاحتجاج من هذا الحديث إنما هو بعدم مؤاخذة السكران بما يصدر منه، ولا يفترق الحال بين أن يكون الشرب مباحًا أو لا (^٤).
٤ - حديث عائشة ﵂ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: " رُفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصغير حتى يكبر، وعن المجنون حتى يعقل " (^٥).
وجه الدلالة: دل الحديث على أن فاقد العقل غير مؤاخذ، فكذا السكران؛ لانعدام مناط التكليف (^٦).
ونوقش: بأنه قياس مع الفارق؛ حيث إن انعدام مناط التكليف في المنصوص عليهم قهرًا، بخلاف السكران فإنه باختياره وإرادته فيغلظ عليه.
وأجيب: بأن العبرة انعدام مناط التكليف، لاشتراط القصد في العقود والأقوال المتحقق في العقل من غير تفريق بين مختار وغيره (^٧).
_________________
(١) زاد المعاد (٥/ ٢١٠)، مجموع فتاوى شيخ الإسلام (٢٣/ ١٠٨).
(٢) فتح الباري (٩/ ٣٩١).
(٣) المصدر نفسه.
(٤) فتح الباري، مصدر سابق، ٩/ ٣٩١.
(٥) سبق تخريجه برقم (٥٠).
(٦) جواهر الإكليل ١/ ٣٣٩، الكافي ٣/ ٦٤.
(٧) نهاية السول شرح منهاج الأصول ١/ ٣١٨.
[ ١ / ٢٧٥ ]
(٥٤) ٥ - ما رواه الترمذي من طريق عطاء بن عجلان، عن عكرمة بن خالد المخزومي، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: " كل الطلاق جائزٌ إلا طلاقَ المعتوه، والمغلوب على عقله " (^١).
والسكران داخل في المغلوب على عقله (^٢).
ونوقش: بضعف الحديث.
(٥٥) ٦ - ما رواه أبو داود من طريق محمد بن عبيد، عن أبي صالح … قال: خرجت مع عدي بن عدي الكندي حتى قدمنا مكة فبعثني إلى صفية بنت شيبة … قالت: سمعت عائشة ﵂ تقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا طلاق ولا عتاق في إغلاق" (^٣).
_________________
(١) الترمذي في الطلاق/ باب ما جاء في طلاق المعتوه (ح ١١ ٩١). وهو ضعيف جدًا. قال الترمذي: " لا نعرفه مرفوعًا إلا من حديث عطاء بن عجلان، وهو ضعيفٌ ذاهب الحديث ". وأخرجه ابن عدي في الكامل (٥/ ٢٠٠٣) في ترجمة عطاء بن عجلان، وروى في ترجمته عن يحيى بن معين قوله: " عطاء بن عجلان كوفي ليس بشيء، كذَّاب كان يوضع له الحديث فيحدث به ". وقال ابن حبان في المجروحين (٢/ ١٢٩): " يروي الموضوعات عن الثقات ".
(٢) نيل الأوطار ٦/ ٢٣٦.
(٣) سنن أبي داود - كتاب الطلاق/ باب في الطلاق على غلط ٢/ ٦٤٢ (٢١٩٣)، وأخرجه أحمد ٦/ ٢٧٦، والبخاري في التاريخ الكبير ١/ ١٧١، وأبو داود ٢/ ٦٤٢ - كتاب الطلاق/ باب في الطلاق على غلط (٢١٩٣)، وابن ماجه ١/ ٦٦٠ - كتاب الطلاق/ باب طلاق المكره والناسي (٢٠٤٦)، والحاكم ٢/ ١٩٨ كتاب الطلاق/ باب لا طلاق ولا عتاق في إغلاق، والبيهقي ٧/ ٣٥٧ كتاب الطلاق/ باب ما جاء في طلاق المكره، وابن أبي شيبة ٥/ ٤٩، والدارقطني ٤/ ٣٦، وأبو يعلى ٧/ ٤٢١ (٤٤٤٤) من طريق محمد بن عبيد بن أبي صالح، عن صفية بنت شيبة، عن عائشة قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " لا طلاق ولا عتاق في إغلاق ". وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. وتعقبه الذهبي فقال: محمد بن عبيد لم يحتج به مسلم، وقال أبو حاتم: ضعيف. وقد توبع على هذا الحديث تابعه زكريا بن إسحاق ومحمد بن عثمان: أخرجه الدارقطني ٤/ ٣٦ (٩٩)، والبيهقي ٧/ ٣٥٧ من طريق قزعة بن سويد، نا زكريا بن إسحاق ومحمد بن عثمان جميعا، عن صفية بنت شيبة، عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: " لا طلاق ولا عتاق في إغلاق ". قال أبو الطيب آبادي في التعليق المغني ٤/ ٣٦ - ٣٧: الحديث في إسناده قزعة بن سويد الباهلي البصري، قال البخاري: ليس بذلك القوي، ولابن معين فيه قولان، وقال أحمد: مضطرب الحديث، وقال أبو حاتم: لا يحتج به، وقال النسائي: ضعيف. وذكر الحديث البخاري في التاريخ الكبير ١/ ١٧٢ من طريق يحيى بن يحيى، أخبرنا إسماعيل بن عياش، عن عطاف بن خالد، عن محمد بن سعيد، عن عطاء بن أبي رباح، عن عائشة عن النبي ﷺ، به. وقد رجح أبو حاتم الطريق الأول وهو طريق صفية على هذا الطريق، فقال ابن أبي حاتم في العلل ١/ ٤٣٠ (١٢٩٢): سألت أبي عن حديث رواه محمد بن إسحاق، عن ثور بن زيد الديلي، عن محمد بن عبيد، عن صفية بنت شيبة عن عائشة عن النبي ﷺ أنه قال: " لا طلاق ولا عتاق في غلاق ". ورواه عطاف بن خالد قال: حدثني محمد بن عبيد، عن عطاء، عن عائشة عن النبي ﷺ. قلت: أيهما الصحيح. قال: حديث صفية أشبه ".
[ ١ / ٢٧٦ ]
وجه الدلالة: أن المغلق عليه لا يقع طلاقه، وكذا وقفه، والسكران داخل في ذلك لزوال مناط التكليف (^١).
(٥٦) ٧ - قال البخاري: وقال عثمان بن عفان ﵁: "ليس لمجنون ولا سكران طلاق" (^٢).
_________________
(١) نيل الأوطار ٦/ ٢٣٦.
(٢) صحيح البخاري، معلقًا بصيغة الجزم في الطلاق/ باب الطلاق في الإغلاق والكره. ينظر: صحيح البخاري مع فتح الباري (٩/ ٣٨٨)، ووصله ابن أبي شيبة في مصنفة (٥/ ٣٩) كتاب الطلاق/ باب من كان لا يرى طلاق السكران جائز، والبيهقي في السنن الكبرى (٧/ ٣٥٩) كتاب الخلع والطلاق/ باب من قال لايجوز طلاق السكران ولا عتقه.
[ ١ / ٢٧٧ ]
قال ابن المنذر: "هذا ثابتٌ عن عثمان، ولا نعرف أحدًا من الصحابة خالفه" (^١).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية (^٢): " وهذا ثابت عن أمير المؤمنين عثمان بن عفان، ولم يثبت عن الصحابة خلافه فيما أعلم ".
(٥٧) ٨ - قال البخاري: وقال ابن عباس ﵄: "طلاق السكران والمستكره ليس بجائز " (^٣).
أي: ليس بواقع (^٤).
فهذه الفتوى من الصحابة -رضوان الله عليهم- تدل على أن تلفظ
_________________
(١) ينظر: شرح الزركشي ٥/ ٣٨٤.
(٢) مجموع الفتاوى (٣/ ١٠٢).
(٣) علقه البخاري بصيغة الجزم (٩/ ٣٨٨) (فتح)، وقد وصله ابن أبي شيبة في مصنفه (٤/ ٨٢)، وقال: نا هشيم، عن عبد الله بن طلحة الخزاعي، عن أبي يزيد المديني، عن ابن عباس ﵁ قال: " ليس لمكرهٍ ولا لمضطهدٍ طلاقٌ ". وأخرجه سعيد بن منصور في سننه (١/ ٢٧٨)، والبيهقي في سننه (٧/ ٣٥٨). وأبو يزيد رمز له في التقريب بـ (مقبول). وقد روى هذا الأثر عبد الرزاق في "مصنفه" (٦/ ٤٠٧)، من وجهٍ آخر عن ابن المبارك، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن ابن عباس ﵄ "لم ير طلاق الكره شيئًا". وأخرجه البيهقي (٧/ ٣٥٨) وعنده المكره بدل الكره. وهذا الإسنادُ فيه انقطاعٌ، فيحيى لم يسمع من ابن عباس ﵁.
(٤) فتح الباري، مصدر سابق، (٩/ ٣٩١).
[ ١ / ٢٧٨ ]
السكران بصيغة الطلاق لغو لا يترتب عليها حكم، ويقاس على صيغة الطلاق سائر صيغ العقود كالوقف؛ إذ لا فرق مؤثر في الحكم بينهما.
٩ - أن السكران زائل العقل مفقود الإرادة، وشرط التكليف العقل وهو مفقود، فأشبه المجنون والنائم والمكره (^١).
واعترض على هذا القياس من وجهين:
أحدهما: أن مع المكره والمجنون علما ظاهرا يدل على فقد الإرادة هما فيه معذوران، بخلاف السكران (^٢).
الثاني: أن المكره والمجنون والنائم غير مؤاخذين بالإكراه والجنون والنوم، فلم يؤاخذوا بما أحدثوا فيها، كما أن من قطع يد سارق فسرت إلى نفسه لا يؤاخذ بالسراية؛ لأنه غير مؤاخذ بالقطع، ولو كان متعديا بالقطع لكان مؤاخذا بالسراية، كما كان مؤاخذا بالقطع (^٣)، بخلاف السكران فإنه لما كان متعديا بالسكر كان مؤاخذا بما حدث فيه.
وأجيب: بما أجيب به عن المناقشة الواردة على الدليل الرابع.
١٠ - أن عبادات السكران كالصلاة لا تصح بالنص والإجماع؛ لأنه لا يعلم ما يقول كما دل على ذلك القران الكريم.
والقاعدة: أن كل من بطلت عبادته لعدم عقله فبطلان عقوده أولى وأحرى، كالنائم والمجنون ونحوهما، فإنه قد تصح عبادات من لا يصح تصرفه لنقص عقله كالصبي والمحجور عليه لسفه (^٤).
_________________
(١) ينظر: المغني لا بن قدامة ١٠/ ٣٤٧/ ٣٤٨، شرح الزركشي ٥/ ٣٨٥.
(٢) ينظر: الحاوي، مصدر سابق، ١٣/ ١٠٧.
(٣) المصدر السابق وصيغ العقود ض ٣٠٣.
(٤) مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (٣٣/ ١٠٦ - ١٠٧).
[ ١ / ٢٧٩ ]
١١ - أن جميع الأقوال والعقود مشروطة بوجود التمييز والعقل، فمن لا تمييز له ولا عقل ليس لكلامه في الشرع اعتبار أصلا،
(٥٨) لما روى البخاري ومسلم من طريق الشعبي قال: سمعت النعمان بن بشير ﵁ يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إنَّ في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كلّه، وإذا فسدت فسد الجسد كلّه ألا وهي القلب" (^١).
فإذا كان القلب قد زال عقله الذي به يتكلم ويتصرف فكيف يجوز أن يجعل له أمر ونهي أو إثبات، وهذا معلوم بالعقل مع تقرير الشارع له (^٢).
١٢ - أن العقود وغيرها من التصرفات مشروطة بالمقصود؛
(٥٩) لما روى البخاري ومسلم من طريق علقمة بن وقَّاص اللَّيثي يقول: سمعت عمر بن الخطاب ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إنما الأعمال بالنيَّات " (^٣).
وجه الاستدلال: أن اللفظ وغيره من التصرفات مشروط بالقصد، فكل لفظ من المتكلم لسهو وسبق لسان وعدم عقل لا يترتب عليه حكم (^٤).
أدلة الرأي الثاني: (صحة وقف السكران)
استدلوا بالآية الآتية:
_________________
(١) صحيح البخاري في كتاب الإيمان/ باب فضل من استبرأ لدينه (ح ٥٢)، ومسلم في كتاب المساقاة/ باب أخذ الحلال وترك الشبهات (ح ١٥٩٩).
(٢) ينظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (٢٣/ ١٠٧).
(٣) صحيح البخاري في كتاب بدء الوحي/ باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله ﷺ (ح ١)، ومسلم في كتاب الإمارة/ باب قوله ﷺ " إنما الأعمال بالنيَّة " (ح ١٩٠٧).
(٤) مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (٣٣/ ١٠٧)، إعلام الموقعين (٤/ ٤٩).
[ ١ / ٢٨٠ ]
١ - قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ (^١).
وجه الاستدلال من الآية:
دلت الآية على أن السكران مكلف من وجهين:
أحدهما: تسميتهم بالمؤمنين ونداؤهم بالإيمان، ولا ينادى به إلا مكلف.
والوجه الثاني: نهيهم في حال السكر أن يقربوا الصلاة، ولا ينهى إلا مكلف (^٢).
ونوقش وجه الاستدلال من الآية من وجوه:
الوجه الأول: بعدم التسليم بأنَّ الخطابَ في الآية موجه للسكران حال سكره؛ لأنَّ من لا عقلَ له ولا يفهم الخطاب لا يدري عن الشرع ولا غيره فكيف يؤمر وينهى، بل أدلة الشرع والعقل تنفي أن يخاطب مثل هذا (^٣).
وأجيب: بأن الخطاب إذا لم يكن موجها لسكران حال سكره، فهو موجه له قبل السكر، وهذا يستلزم أن يكون مخاطبا في حال سكره؛ لأنه لا يقال إذا جننت فلا تفعل كذا (^٤)، وهذا المعنى فاسد.
وبذلك تعين أن يكون الخطاب في الآية موجها للسكارى حال سكرهم، فلا يكون السكر منافيًا للخطاب.
ورد هذا الجواب: بأنه مبني على أن معنى الآية: إذا سكرتم فلا تقربوا الصلاة، وهذا المعنى غير صحيح، بل المعنى يكون إذا أردتم الصلاة فلا
_________________
(١) من آية ٤٣ من سورة النساء.
(٢) ينظر: الحاوي (١٣/ ١٠٦)، المبسوط (٦/ ١٧٦).
(٣) ينظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (٣٣/ ١٠٥/ ١٠٦)، زاد المعاد (٥/ ٢١٢).
(٤) فتح القدير ٣/ ٤٩١، والمبسوط ٦/ ١٧٦.
[ ١ / ٢٨١ ]
تسكروا، فهو نهي لهم أن يسكروا سكرا يفوتون به الصلاة، أو نهي لهم عن الشرب قريب الصلاة.
الوجه الثاني: أنه يحتمل أن الخطاب موجه لمن يدب فيه أوائل النشوة، وأما حال السكر فلا يخاطب بحال (^١).
الوجه الثالث: أن تخصيصهم بالخطاب لانفرادهم بالصلاة عن غيرهم من اليهود ونحوهم، فإنهم لا يصلون سكارى ولا صحاة (^٢).
الوجه الرابع: أن الله وصفهم بالإيمان لكمال حكمته مع عباده، وليس من باب التوبيخ والمحاسبة (^٣).
٢ - حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: " كل الطلاق جائزٌ إلا طلاقَ المعتوه، والمغلوب على عقله " (^٤) (ضعيف جدًا).
وكذا الوقف.
ونوقش هذا الاستدلال: بضعف الحديث، ولو صحَّ: فالمعنى في كليهما واحد، وهو تغطية العقل.
٣ - أن الصحابة -رضوان الله عليهم- أجمعوا على تكليف السكران؛
(٦٠) لما رواه الإمام مالك عن ثور بن زيد الديلي أنَّ عمرَ بن الخطاب استشار في الخمر يشربها الرجل، فقال له علي ﵁: " نرى أن تجلده ثمانين فإنه إذا شرب سَكَرَ، وإذا سَكَرَ هَذَى، وإذا هَذَى افتَرَى، فأرى أن يُحدَّ حدَّ المفتري ثمانين " (^٥).
_________________
(١) تفسير الماوردي ١/ ٤٨٩، تفسير البغوي ١/ ٤٣١، التفسير الكبير للرازي ١٠/ ١٠٧.
(٢) أحكام القرآن لابن العربي ١/ ٤٣٢، صيغ العقود ص ٣٠٤.
(٣) الجامع لأحكام القران للقرطبي ٥/ ١٩٢.
(٤) سبق تخريجه برقم (٥٢).
(٥) موطأ الإمام مالك (٢/ ٨٤٢)، ومن طريقه أخرجه الشافعي في المسند (٢/ ٩٠)، وعبد الرزاق (٧/ ٣٧٨). وهو معضل: ثور الديلي لم يَرَ عمر، وكذلك عكرمة كما عند عبد الرزاق لم يدرك عمر أيضًا. وقد أخرجه النسائي في الكبرى (٣/ ٢٥٢) موصولًا، قال: أخبرنا محمد بن عبد الله بن عبد الرحيم البرقي، ثنا سعيد بن جعفر، ثنا يحيى بن فليح، عن ثور بن زيد، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ … فذكره. وكذا أخرجه الطحاوي في أحكام القران (بواسطة الاستذكار) (٨/ ٧)، والبيهقي (٨/ ٣٢٠)، والحاكم (٤/ ٣٧٥) من طريق عكرمة عن ابن عباس ﵄ موصولا. وجاء من وجهٍ آخر أخرجه الدارقطنيُّ (٣/ ١٥٧) نا القاضي الحسين بن إسماعيل، نا يعقوب بن إبراهيم الدورقي، نا صفوان بن عيسى، نا أسامة بن زيد عن الزهري، أخبرني عبد الرحمن بن أزهر، قال: رأيت رسول الله ﷺ. وكذا أخرجه الحاكم (٤/ ٣٧٤)، والبيهقي (٨/ ٣٢٠) من طريق صفوان بن عيسى به. وكذلك أخرجه أبو داود (٤٤٨٩)، مختصرًا من طريق أسامة بن زيد، به. وهذا الأثر معلول أعلَّه أبوحاتم، وأبو زرعة، أنَّ الزهري لم يسمعه من عبد الرحمن بن أزهر، ففي العلل: " وسألت أبي، وأبا زرعة، عن حديث رواه أسامة بن زيد، عن الزهري، عن عبد الرحمن بن أزهر، قال: رأيت رسول الله ﷺ يسأل عن خالد بن الولِيدِ، وأنا غلام شاب، فأتي بشارب، وأمرهم، فضربوه، فمنهم من ضرب بنعله، وذكرت لهُما الحديث. فقالا: لم يسمع الزهري هذا الحدِيث من عبد الرحمن بن أزهر، يدخل بينهما عبد الله بن عبد الرحمن بن أزهر. قلت لهما: من يدخل بينهما ابن عبد الرحمن بن أزهر؟ قالا: عقيل بن خالد ". العلل (١/ ٤٤٦). وكذلك قال أبو داود بأنَّ الزهري لم يسمعه من عبد الرحمن بن أزهر. قال أبو داود أدخل عقيل بن خالد بين الزهري وبين ابن الأزهر في هذا الحديث عبد الله ابن عبد الرحمن بن الأزهر عن أبيه. وعبد الله هذا رمز له في التقريب بـ (مقبول). وقد قال ابن القيم ﵀ في إعلام الموقعين (١/ ٢١١): " هذه مراسيل ومسندات من وجوهٍ متعدّدةٍ يُقوّي بعضُها بعضًا وشهرتها تغني عن إسنادها ". وقال ابن حجر كما في التلخيص: "وفي صحته نظر"؛ لما ثبت في الصحيحين عن أنس ﵁ أنَّ النبي ﷺ: " جلد في الخمر بالجريد والنعال، وجلد أبو بكر أربعين فلما كان عمر استشار الناس، فقال عبد الرحمن: أخف الحدود ثمانون فأمر به عمر "، ولا يقال يحتمل أن يكون عبد الرحمن وعلي أشارا بذلك جميعًا؛ لما ثبت في صحيح مسلم عن علي في جلد الوليد بن عقبة: " أنه جلد رسول الله ﷺ، أربعين وجلد أبوبكر أربعين، وعمر ثمانين، وكُلٌّ سنَّة، وهذا أحبُّ إليَّ " فلو كان هو المشير بالثمانين ما أضافها إلى عمر ولم يعمل بها. لكن يمكن أن يقال: إنه قال لعمر باجتهاد ثم تغير اجتهاده، فالحافظ هنا يشير إلى نكارته، ولكنه لم يستبعد صحته، فهذا الأثر جاء من غير وجه، وكما قال ابن القيم: (يقوي بعضها بعضًا)، وقد جرت عادةُ المحدثين أنهم لا يتشدَّدون في الآثار كما قال الإمام أحمد ﵀ في صدقة السمين: " ما كان من حديثه مرفوعٌ منكرٌ، وما كان من حديثه مرسلٌ عن مكحول فهو أسهل " العلل برواية عبد الله (١/ ٣٠٠).
[ ١ / ٢٨٢ ]
وجه الاستدلال: أن الزيادة على الأربعين لافترائه في سكره، ولو كان غير مكلف لما أوجبوا عليه حد المفتري، ولا كان مؤاخذا بافترائه، وفي مؤاخذته به دليل على تكليفه (^١)، فإذا ثبت أنه مكلف وجب الاعتداد بأقواله وتصحيحها.
ونوقش هذا الدليل من وجهين:
أحدهما: أن هذا الخبر المنسوب لعلي ﵁ لا يصح البتَّة (^٢).
قال أبو محمد ابن حزم (^٣): "هذا خبر مكذوب قد نزه الله عليا، وعبد الرحمن بن عوف عنه؛ لأنه لا يصح إسناده، ثم عظيم ما فيه من المناقضة؛ لأن فيه إيجاب الحد على من هذى، والهاذي لا حدَّ عليه ".
الوجه الثاني: أنَّ الزيادةَ على الأربعين ليست من أجل الافتراء، ولكن
_________________
(١) ينظر: الحاوي (١٣/ ١٠٧)، شرح الزركشي (٥/ ٣٨٦).
(٢) قال ذلك ابن القيم في زاد المعاد (٥/ ٢١٣).
(٣) المحلى، مصدر سابق، (١٠/ ٢١١).
[ ١ / ٢٨٤ ]
لما كان الإقدام على السكر -الذي هو مظنة الافتراء- يلحقه بالمقدم على الافتراء أعطي حكم المفتري؛ إقامة لمظنة الحكمة مقام الحقيقة؛ لأن الحكمة هنا خفية مستترة؛ لأنه قد لا يعلم افتراءه، ولا متى يفتري، ولا على من يفتري، كما أن المضطجع يحدث ولا يدري هل هو أحدث أو لا، فقام النوم مقام الحدث (^١).
وإذا تبين أن الزيادة ليست لأجل الافتراء، فلا يكون السكران مكلفًا.
٤ - أن في تصحيح وقف السكران وإنفاذ عقوده عقوبة له (^٢).
ونوقش هذا الدليل من وجهين:
أحدهما: أن كون السكران معاقبا أو غير معاقب ليس له تعلق بصحة عقوده وفسادها؛ فإن العقود ليس من باب العبادات التي يثاب عليها، ولا الجنايات التي يعاقب عليها، بل هي من التصرفات التي يشترك فيها البر والفاجر، والمؤمن والكافر، وهي من لوازم وجود الخلق؛ فإن العهود والوفاء بها لا تتم مصلحة الآدميين إلا بها، لاحتياج بعض الناس إلى بعض في جلب المنافع ودفع المضار، وإنما تصدر عن العقل، فمن لم يكن له عقل ولا تمييز لم يكن قد عاهد ولا حلف ولا باع ولا نكح ولا طلق ولا أعتق (^٣).
والوجه الثاني: أن الحد الشرعي للسكران كاف لعقوبته، ولا يعهد عن الشريعة العقوبة بتصحيح العقود وإنفاذها (^٤)، ثم إن الأمر قد يعود بالنفع
_________________
(١) مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (٣٣/ ١٠٤ - ١٠٥).
(٢) مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (٣٣/ ١٠٤)، زاد المعاد (٥/ ٢١١)، قال ابن قدامة ﵀ في المغني ١٠/ ٣٤٨: " والحكم في عتقه (أي السكران) ونذره وبيعه وشرائه وردته … كالحكم في طلاقه؛ لأن المعنى في الجميع واحد ".
(٣) مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (٣٣/ ١٠٨).
(٤) زاد المعاد ٥/ ٢١٣.
[ ١ / ٢٨٥ ]
للسكران، كما لو اشترى سلعة أثناء سكره فزاد ثمنها أضعافا مضاعفة بعد العقد.
٥ - أنه لا يعلم زوال عقل السكران إلا بقوله، وهو فاسق مردود الخبر بشربه المسكر، وربما تساكر تصنعًا، فلا يقبل قوله في عدم العقل والسكر، ويبقى الحكم على الأصل وهو صحة هبته ونفاذ العقد (^١).
ونوقش هذا الدليل: بأنه يفيد بطلان صيغ السكران في الباطن وصحتها في الظاهر؛ لأن السكران لما كان فاسقا سقطت دعواه بزوال عقله، فنفذ العقد لصحة الصيغة.
ثم إنَّ من لازم هذا الدليل التفريق بين العقود التي ينفرد بها السكران، وبين العقود التي لا ينفرد بها؛ لأن من حضر صدور الصيغة من السكران قد يشهد بسكره وزوال عقله، وأصحاب هذا الدليل لا يقولون بالفرق (^٢).
٦ - أن نفاذ وقف السكران من قبيل ربط الأحكام بالأسباب الذي هو خطاب الوضع (^٣).
ونوقش: بأن من لازمه صحة وقف من سكر مكرها أو جاهلا بأن ما شربه خمر، وصحة وقف المجنون والنائم، والمستدل لا يقول بهذا.
ثم يقال: وهل ثبت أن صدور الوقف من السكران سبب حتى يربط الحكم به؟ وهل النزاع إلا في هذا؟ (^٤).
_________________
(١) الحاوي ١٣/ ١٠٧، مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ٣٣/ ١٠٥، الأشباه والنظائر للسيوطي ص ١٤٢.
(٢) مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ٣٣/ ١٠٤، الحاوي ١٣/ ١٠٨.
(٣) زاد المعاد ٥/ ٢١١، الأشباه والنظائر للسيوطي ص ١٤١ - ١٤٢، حاشية الجمل على شرح المنهج ٤/ ٣٢٢.
(٤) زاد المعاد (٥/ ٢١٣)، حاشية الجمل على شرح المنهج (٤/ ٣٢٣).
[ ١ / ٢٨٦ ]
٧ - أنَّ السكرانَ مؤاخذٌ بسكره، فوجب أن يكون مؤاخذا بما حدث عن سكره، ومن ذلك صيغه التي يصدرها في البيع والإجارة والطلاق والوقف ونحوها، وهذا مثل سراية الجناية لما كان مؤاخذا بها كان مؤاخذًا بسراية الجناية.
ونوقش هذا الدليل: بأنَّ السكرَ ليس من فعل السكران، وإنما هو من فعل الله تعالى فيه، فكيف صار منسوبًا إليه، ومؤاخذًا به؟ (^١).
وأجيب: بأن السكران هو المتسبب بالسكر؛ حيث إن الشرب من فعله، فصار ما حدث عنه -وإن كان من فعل الله تعالى- منسوبًا إلى فعله، كما أنَّ سراية الجناية لما حدثت عن فعله نسبت إليه، وكان مؤاخذًا بها، وإن كان من فعل الله تعالى فيه (^٢).
٨ - قياس وقف السكران على سائر جناياته كالقتل والقذف ونحوها، فكما يؤاخذ السكران عليها يؤاخذ على عقد الوقف (^٣).
ونوقش من وجهين:
الوجه الأول: أن هذا قياس مع الفارق؛ لافتقار الأقوال للعقل، بخلاف الجنايات فإنها مبنية على الفعل المتسبب في إقامة الحد؛ لمخاطبته في صحوه بعدم السكر المؤدي إلى الجناية التي لا يعذر بفعلها (^٤).
الوجه الثاني: أن المقيس عليه موضع خلاف بين أهل العلم، فمن العلماء من قال بأن أقواله كأفعاله لا يترتب عليها حكم العمد لفقد القصد (^٥).
_________________
(١) الحاوي (١٣/ ١٠٧).
(٢) المصدر نفسه.
(٣) بدائع الصنائع (٣/ ٩٩)، بداية المجتهد (٢/ ٨٢)، القواعد والفوائد الأصولية ص (٣٧)، صيغ العقود ص ٣٠٥.
(٤) مجموع الفتاوى، مصدر سابق، (٣٣/ ١٠٦).
(٥) نفسه.
[ ١ / ٢٨٧ ]
٩ - القياس على إلزامه الصلاة الواجبة حال سكره، فوجب صحة وقفه (^١).
ونوقش من وجوه:
الوجه الأول: أن إلزام السكران بقضاء الصلاة الفائتة حال سكره موضع خلاف بين أهل العلم (^٢).
الوجه الثاني: أن إلزامه بالقضاء حال سكره دليل على عدم صحة صلاته حال سكره مما يدل على عدم تكليفه لتغطية عقله (^٣).
الوجه الثالث: أن إلزامه بالقضاء حال سكره لا يلزم منه صحة وقفه بدليل النائم يجب عليه قضاء الصلاة، ولا يصح وقفه بالإجماع (^٤).
دليل القول الثالث: (صحة وقفه مع عدم لزوم العقد)
استدل القائلون بصحة ما يصدره السكران من وقف مع عدم لزوم العقد:
أن السكران بسكره يقصر تمييزه في معرفته بالمصالح عن السفيه، والسفيه لا يلزمه العقد، فالسكران من باب أولى؛ لنقصان عقله بالسكر (^٥).
ونوقش هذا الاستدلال: بالفرق بين السكران والسفيه؛ إذ السفيه عقله باق بخلاف السكران فعقله مغطى عليه.
دليل القول الرابع: (صحة وقفه، ولا يصح قبوله الوقف)
أنه يصح وقفه، ولا يصح الوقف عليه تغليظًا عليه؛ لتسببه في إزالة عقله
_________________
(١) الفتاوى الكبرى (٤/ ٤٠٢)، شرح الكوكب المنير (١/ ٥٠٧).
(٢) المحلى (٢/ ٩)، الفتاوى الكبرى (٤/ ٤٠٢)، بداية المجتهد (١/ ١٨٢).
(٣) الأحكام شرح أصول الأحكام (٤/ ١١٢)، شرح غاية السول ص (١٨٨).
(٤) بداية المجتهد (١٨٢)، تكملة المجموع (١٧/ ٦٤).
(٥) المعلم بفوائد مسلم (٢/ ١٥٦)، ومواهب الجليل (٤/ ٢٤٢).
[ ١ / ٢٨٨ ]
بمحرم قصدًا (^١).
ونوقش: بأن العقوبة الشرعية تكفي عقابًا وتغليظًا على السكران، ولم يعهد عن الشريعة العقاب بهذا الجنس من تصحيح قوله في العقود التي عليه كوقفه، وبطلانها في العقود التي له.
الترجيح:
الراجح من أقوال العلماء هي هذه المسألة: هو القول الأول القاضي بعدم صحة وقف السكران؛ لقوة أدلته، وموافقتها لقواعد الشريعة التي تشترط العقل والتمييز لصحة العقود وترتب آثارها عليها.
فرع: شروط صحة وقف السكران عند القائلين بصحتها.
يشترط لصحة وقف السكران -عند القائلين بصحتها- توفر الشروط الآتية:
الشرط الأول: أن يكون غير معذور في سكره، كأن يشرب الخمر ونحوها طائعًا مختارًا غير مضطر ولا مكره.
أما إن كان معذورًا بسكره كسكر المكره بإكراه ملجئ، وسكر المضطر، وسكر من شرب دواء فسكر به.
فالسكران في هذه الحالات معذور شرعا لا يقام عليه الحد، ولأجل هذا تلغى جميع أقواله التي نطق بها حال السكر، ولا يترتب عليها أي حكم شرعي فلا ينفذ وقفه، ويعد السكران في هذه الحالة كالنائم والمغمى عليه في أحكام التصرفات؛ لقيام عذره وانتفاء قصده باتفاق الأئمة الأربعة (^٢).
_________________
(١) الحاوي (٣/ ١٠٨)، روضة الطالبين (٨/ ٦٢)، حاشية الجمل على شرح المنهج (٤/ ٣٢٢).
(٢) فتح القدير (٣/ ٤٩١)، مواهب الجليل ٤/ ٢٤٤، المهذب (٢/ ٩٩)، مطالب أولى النهى (٥/ ٣٢٤).
[ ١ / ٢٨٩ ]
الشرط الثاني: أن يكون السكران مميزًا، أي: معه بقية عقل، أما إذا ذهب عقله جملة، فلا يصح منه نطق؛ لأنه والحالة هذه كالمجنون.
جاء في مواهب الجليل (^١): " السكران قسمان: سكران لا يعرف الأرض من السماء، ولا الرجل من المرأة، فلا خلاف أنه كالمجنون في جميع أحواله وأقواله "، وتقدم في أول هذه المسألة بيان ضابط السكران الذي يؤاخذ بسكره.
جاء في الأشباه والنظائر للسيوطي (^٢): " الشارب له ثلاثة أحوال:
أولها: هزة ونشاط يأخذه إذا دبت فيه ولم تستولِ عليه بعد، ولا يزال العقل في هذه الحالة، فهذا ينفذ طلاقه وتصرفاته؛ لبقاء عقله.
الثانية: نهاية السكر: وهو أن يصير طافحًا ويسقط كالمغشي عليه لا يكاد يتكلم ولا يتحرك، فلا ينفذ طلاقه ولا غيره؛ لأنه لا عقل له.
الثالثة: حالة متوسطة: وهو أن تختلط أحواله، ولا تنتظم أقواله وأفعاله، ويبقى تمييز وفهم وكلام، فهذه الثالثة سكر وفيها القولان … " (^٣).
الشرط الثالث: أن يكون الشراب المسكر مطربًا.
وأما السكران بشرب دواء غير مطرب كشارب البنج وما في معناه (^٤)، فلا يصح وقفه حتى ولو قصد بتناوله السكر.
_________________
(١) .. (٤/ ٢٤٢).
(٢) .. ص (١٤١).
(٣) وينظر: روضة الطالبين (٨/ ٦٣).
(٤) وهذا النوع يطلق عليه الفرافي: المفسد. وله تفريق لطيف بين المسكر والمرقد والمفسد. قال في الفروق (١/ ٧٢١): الفرق الأربعون بين قاعدة المسكرات والمرقدات المفسدات، هذه القواعد الثلاث قواعد تلتبس على كثير من الفقهاء والفرق بينها: أن المتناول من هذه إما أن تغيب معه الحواس أو لا، فإن غابت معه الحواس كالبصر والسمع واللمس والشم والذوق، فهو المرقد، وإن لم تغب معه الحواس، فلا يخلو إما أن يحدث معه نشوة وسرور وقوة نفس عند غالب المتناول له أو لا، فإن حدث ذلك فهو المسكر إلا فهو المفسد، فالمسكر هو المغيب للعقل مع نشوة وسرور كالخمر، والمزر وهو المعمول من القمح … والمفسد هو المشوش للعقل مع عدم السرور الغالب كالبنج والسكران … "، وينظر: صيغ العقود (١/ ٥٠٣).
[ ١ / ٢٩٠ ]
وهذا الشرط وجه عند الشافعية (^١).
وعللوا: بأن الشرابَ المطربَ يدعو النفسَ إلى تناولِهِ، فغلظ حكمُهُ زجرًا عنه بوقوع الطلاق ونحوه، كما غلظ بالحد.
أما غير الطرب فالنفس منه نافرة، ولذلك لم يغلظ بالحد، فلم يغلظ بوقوع الطلاق ونفاذ العقود كالوقف وغيره (^٢).
الأمر السادس: وقف الغضبان:
تحرير محل النزاع:
اتفق الفقهاء ﵏ على أنَّ وقف من زال عقلُهُ لشدَّة غضبه لا يقع (^٣)، كما اتفقوا على وقوع وقف مَن لم يؤثِّر غضبُهُ على قصدِهِ وشعورِهِ (^٤).
واختلفوا في وقف مَن اشتدَّ غضبه ولم يملك نفسَه، ونَدِمَ على فعلِهِ مع بقاءِ عقلِهِ، هل يقعُ أم لا؟ (^٥) على قولين:
_________________
(١) ينظر: الحاوي (١٣/ ١٠٨).
(٢) الحاوي ١٣/ ١٠٨.
(٣) إعانة الطالبين (٤/ ٦)، المبدع في شرح المقنع (٧/ ٢٥٢)، حاشية الدسوقي (٢/ ٣٦٦)، حاشية ابن عابدين (٢/ ٤٢٧)، وينظر: اختيارات الشيخ محمد العثيمين في الطلاق ص ٤٥٠.
(٤) شرح منتهى الإرادات (٣/ ١٢٠)، حاشية الإمام الرهوني على شرح الزرقاني (٤/ ٧٧)، حاشية ابن عابدين (٢/ ٤٢٧)، تكملة المجموع (١٧/ ٦٨).
(٥) تنبيه: كثير من العلماء يتكلمون عن طلاق الغضبان، ثم يلحقون ما يتعلق ببقية عقود الغضبان وإقراراته بطلاقه.
[ ١ / ٢٩١ ]
القول الأول: أنه لا يصح وقفه.
وهو قول ابن عابدين من الحنفيَّة (^١)، ورواية عند الحنابلة (^٢)، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية (^٣)، وابن القيم (^٤).
القول الثاني: أنه يصح وقفه.
وهو المذهب عند الحنفيَّة (^٥)، وقول المالكيَّة (^٦)، والشافعيَّة (^٧)، والمذهب عند الحنابلة (^٨).
الأدلة:
أدلة القول الأول:
استدل القائلون بأنَّ وقف الغضبان لا يصح بما يلي:
١ - قوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ (^٩).
وجه الدلالة: أنَّ اللَّغوَ في اليمين هو أن يحلف الرجُلُ وهو غضبان، فإذا كانت يمينُ الغضبان لا تنعقد، فكذلك وقفه (^١٠).
_________________
(١) حاشية ابن عابدين، مصدر سابق، (٢/ ٤٢٧).
(٢) المقنع (٣/ ١٣٣)، الإنصاف (٨/ ٤٣٢).
(٣) اختيارات ابن تيمية جمع ابن القيم (ص ٣).
(٤) إعلام الموقعين، مصدر سابق، (٣/ ٤٥).
(٥) حاشية ابن عابدين (٢/ ٤٢٧).
(٦) بُلغة السَّالك لأقرب المَسَالك (٢/ ٧٩٣).
(٧) إعانة الطالبين (٤/ ٦)، وتكملة المجموع (١٧/ ٦٨).
(٨) الفروع (٥/ ٣٦٤)، كشف المخدرات (ص ٣٨٨)، وينظر: اختيارات الشيخ محمد العثيمين في الطلاق ص ٤٥٠.
(٩) من آية ٢٢٥ من سورة البقرة.
(١٠) تفسير الطبري (٢/ ١٢)، الإفصاح (٢/ ٣٢٥)، تفسير القرآن الكريم لابن عثيمين (٣/ ٩٣) وينظر: اختيارات الشيخ محمد العثيمين في الطلاق ص ٤٦٨.
[ ١ / ٢٩٢ ]
ونوقش من وجهين:
الوجه الأول: أنَّ القولَ بأنَّ اللَّغوَ في اليمين أن يحلف الرجل وهو غضبان محل خلاف، فمنهم من يرى انعقاد يمين الغضبان وعلى أثره وقفه (^١).
ويُمكن أن يُجاب: بأنّه مع التسليم بالخلاف إلا أنَّ هذا في الغَضَب المتفق على نفاذه.
الوجه الثاني: أنَّ هذا قياس مع الفارق؛ إذ إنه مع التسليم بأنَّ اللَّغوَ في اليمين هو أن يحلف الرجل وهو غضبان، إلاَّ أنه رفع المؤاخذة عنه؛ لأنَّ يمينَه صادرة من غير قصد، بخلاف وقف الغضبان، فإنه متعمِّد الوقف قاصد له (^٢).
وأُجيب: بعدم التسليم بالفارق؛ إذ إن الوقف في الغضب الذي يذهل عقله ويفقد به إرادته يترتب عليه عدم قصده؛ إذ لو كان قاصدًا لما نَدِمَ على فعله (^٣).
٢ - قوله تعالى: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١١)﴾ (^٤).
وجه الدلالة: أنَّ الشرَّ في هذه الآية هو قول الرجل لولده وماله إذا غَضِبَ عليه: " اللَّهمَّ لا تُبارك فيه والعنه " (^٥)، فتجاوَزَ اللهُ ﷿ عن الغضبان في هذه الآية دليلٌ على عدم مؤاخذته على أقوالِهِ، ومنها وقفه (^٦).
_________________
(١) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (٣/ ٩٨)، جامع العلوم والحكم (ص ١٢٩).
(٢) جامع العلوم والحكم (ص ١٣٠) بتصرف.
(٣) إغاثة اللَّهفان في حكم طلاق الغضبان (ص ١٩).
(٤) آية ١١ من سورة يونس.
(٥) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (٨/ ٢٨٦).
(٦) إغاثة اللَّهفان في حكم طلاق الغضبان (ص ٨).
[ ١ / ٢٩٣ ]
ونوقش: بعدم التسليم بمعنى الآية، وهو أنَّ المرادَ به دعاء الرجل على ولدِهِ في حالة الغَضَب (^١).
والدليلُ على ذلك: أنه قد يُجاب الدُّعاء وهو في هذه الحالة؛
(٦١) لما رواه مسلم من طريق عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت قال: خرجت أنا وأبي نطلب العلم في هذا الحي من الأنصار قبل أن يهلكوا، فكان أول من لقينا أبا اليسر صاحب رسول الله ﷺ ..، وفيه: عن جابر ﵄، عن النبي ﷺ أنه قال: " .. لا تدعوا على أولادكم، ولا تدعوا على أموالكم، ولا تدعوا على خَدَمِكم، لا توافقوا من الله ساعةً لا يُسأل فيها شيئًا إلاَّ أعطاه" (^٢)، ومعلوم أنَّ الإنسان لا يدعو على خواصِّه إلاَّ في حالة الغضب، فلو كان لا يقع لما ورد التَّحذير من ذلك (^٣).
وأُجيب: بأنَّ هذا خاصٌّ في الغَضَب المتفق على نفاذه (^٤).
٣ - قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ﴾ (^٥).
وجه الدلالة: أنَّ التَّعبير بـ"سَكَتَ" بَدَلًا من سَكَنَ فيه دلالة على أنَّ الغضب سلطان، فلا إرادة ولا اختيار للإنسان عند حضوره، فإذا كان هذا حال الغضب فلا يؤاخذ الغضبان في وقفه؟! فالأمر خارج عن إرادته ورضاه (^٦).
ونوقش: بعدم التسليم بأنَّ الغضب سُلطان تنعدم معه الإرادة والاختيار؛
_________________
(١) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (٨/ ٢٨٦).
(٢) صحيح مسلم -كتاب الزهد والرقائق/ باب حديث جابر الطويل، وقصة أبي اليُسر، برقم (٣٠٠٩).
(٣) جامع العلوم والحكم (ص ١٢٩)، بتصرف.
(٤) إغاثة اللَّهفان في حكم طلاق الغضبان (ص ٩).
(٥) من آية ١٥٤ من سورة الأعراف.
(٦) إغاثة اللَّهفان في حكم طلاق الغضبان (ص ١٠).
[ ١ / ٢٩٤ ]
إذ لو كان الأمر كذلك لعُدَّ أمر النبيِّ ﷺ بترك الغضب ووصيَّته بعدمه من التَّكليف بما لا يُطاق، وهذا مُنتف في شرع الله ﷿.
وأُجيب من وجهين:
الوجه الأول: عَدَم التسليم بأنَّ تفسير الغَضَب بأنه سلطان يُناقض نهي النبي ﷺ عن الغضب لما فيه من التكليف بما لا يُطاق؛ إذ إنَّ نهي النبي ﷺ عن هذا الغضب دفعٌ لهذا السُّلطان وما يُخلِّفُه من حسرة وندامة، فنهيه ﷺ قبل الغَضَب لا بعد تملُّكه على صاحبه (^١).
الوجه الثاني: لو سُلِّم جدلًا بأنَّ القول بأنَّه سلطان يُناقض نهي النبي ﷺ، فإنَّ هذا خاصٌّ بالغضب المُتَّفق على نفاذه.
٤ - قوله تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٠٠)﴾ (^٢).
وجه الدلالة: أنَّ الغضب من نزغ الشيطان، فإنه يُلجئه إلى ما لا يُريدُهُ ولا يختارُهُ، والدليل على ذلك:
(٦٢) ما رواه البخاري ومسلم من طريق عدي بن ثابت، عن سليمان بن صرد ﵁ قال: استبَّ رجلان عند النبي ﷺ وأحدهما يَسُبُّ صاحبه مُغضبًا قد احمرَّ وجهُه، فقال النبي ﷺ: " إنّي لأعلم كلمةً لو قالها لذَهَبَ عنه ما يَجد، لو قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم " (^٣).
فإذا كان الحال كذلك فيلزم عدم مؤاخذة العبد فيما يصدُرُ منه حال غَضَبِهِ، كالطَّلاق والظِّهار والوقف؛ لأنَّه في حكم المُجبر على ذلك (^٤).
_________________
(١) اختيارات ابن عثيمين في الطلاق ص ٤٥٢.
(٢) من آية ٢٠٠ من سورة الأعراف.
(٣) صحيح البخاري في كتاب الأدب/ باب ما يجوز من الغضب والشدَّة لأمر الله تعالى (٦١١٥)، ومسلم في البر/ باب فضل من يملك نفسه عند الغضب (٢٦١٠).
(٤) إغاثة اللَّهفان في حكم طلاق الغضبان (ص ١٠ - ١١).
[ ١ / ٢٩٥ ]
ونوقش من وجهين:
الوجه الأول: أنَّ القول بعدم وقوع الوقف بحجَّة أنه من الشيطان يقتضي إسقاط الحدود والأحكام عن أصحابها؛ لأنَّ إتيانها بنزغ من الشيطان، وهذا لا يُقرُّهُ شرع ولا عقل (^١).
ويُمكن أن يُجاب: بأنَّه مع التَّسليم بهذا المُقتضى إلاَّ أنَّ تحقُّق هذا فيما لو أطلق القول بهذا في جميع الأحكام، فالقول به محصور في بعض المواضع.
الوجه الثاني: أنَّ نسبة العمل للشيطان من باب التنفير من هذا الأمر؛ لما سيُخلِّفُهُ من آثار الحسرة والنَّدامةِ، لذلك أرشد الشَّارع إلى الوسائل المُحصِّنة من الشَّيطان، دون أن ينفي مؤاخذة العبد على ما تجنيه جوارحُهُ (^٢).
ونوقش: بما نوقش به الوجهُ الأوَّل.
٥ - حديث عمر بن الخطاب ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إنما الأعمال بالنيَّات، وإنما لكلِّ امرئ ما نوى، فمن كانت هجرتُهُ إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يُصيبُها أو امرأة يتزوَّجها، فهجرته إلى ما هاجرَ إليه " (^٣).
وجه الدلالة: في هذا الحديث بيان أنَّ مدار قبول الأعمال وعدمه على النّيَّة بشروطها التي من بينها أن تكون صادرةً من عاقل مُختار، فبناءً على ذلك استَنبَطَ البخاري ﵀ من هذا الحديث عدم وقوع طلاق الغضبان وكذا وقفه؛ لخروج الأمر عن رضاه واختياره (^٤).
_________________
(١) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، مصدر سابق، (٩/ ٣٠)، بتصرُّف.
(٢) يُنظر: جامع العلوم والحكم (ص ١٢٩)، بتصرف.
(٣) تقدم تخريجه برقم (٥٩).
(٤) إغاثة اللَّهفان في حكم طلاق الغضبان (ص ٤)، فتح الباري بشرح صحيح البخاري (٩/ ٣٠١).
[ ١ / ٢٩٦ ]
ونوقش: بأنَّ النّيَّة لا بدَّ أن تكون من عاقل مختار، وكلا الشرطين في الغضبان، فإنَّ اختيارَه وعقله باقيان في حالة غَضَبِهِ، فيلزمُ إدانتُهُ بما يصدُرُ عنه (^١).
وأُجيب: بأنه مع التسليم ببقاء عقله واختياره وقصده، إلاَّ أنَّ شدَّةَ غضبه قد أغلَقَ عليه، فيعذر في أقواله (^٢).
٦ - عن عائشة ﵂ أنها قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " لا طلاق ولا عتاق في إغلاق " (^٣).
وجه الدلالة: نفى النَّص صراحة الطَّلاق والعتق في حال الغضب، وكذا وقفه (^٤).
اعتُرض عليه من وجوه:
الوجه الأول: أنه ضعيف.
الوجه الثاني: أنَّ تفسير "الإغلاق" بمعنى الغضب محلُّ خلاف بين العلماء، فقد فُسِّرَ بمعنى الإكراه (^٥).
وأُجيب: بأنه مع التسليم بالخلاف في معنى "الغلق" إلاَّ أنَّ هذا لا يمنع من إطلاقِهِ أيضا على الغَضَب؛ لتساويهما في علَّة القَهر والضِّيق والغَلَبة (^٦).
_________________
(١) الفواكه العديدة في المسائل المفيدة (٢/ ٥٣).
(٢) إغاثة اللَّهفان في حكم طلاق الغضبان (ص ١٩)، إعلام الموقعين (٣/ ٤٥ - ٤٦).
(٣) تقدم برقم (٥٥).
(٤) زاد المعاد (٥/ ٢١٥)، فتح الباري بشرح صحيح البخاري (٩/ ٣٠١).
(٥) النهاية في غريب الحديث (٣/ ٣٧٩ - ٣٨٠)، لسان العرب (١٠/ ١٠٥)، التلخيص الحبير (٣/ ٤٥٠)، فتح الباري بشرح صحيح البخاري (٩/ ٣٠١).
(٦) إغاثة اللَّهفان في حكم طلاق الغضبان (ص ٥)، الفتح الربَّاني مع شرحه بلوغ الأماني من أسرار الفتح الربَّاني، للساعاتي (١٧/ ١١).
[ ١ / ٢٩٧ ]
الوجه الثالث: مع التَّسليم بأنَّ معناه "الغضب" إلاَّ أنَّ المقصود به الغضب المتَّفق على عدم نفوذ أحكامه؛ لزوال العقل وإغلاقه بإغماء ونحوه (^١).
وأُجيب: بأنَّه لو سُلِّمَ جَدَلًا بأنَّه خاصٌّ بالغَضَب المتَّفق على عدم نفاذ أحكامه، فإنَّ ذلك لا يمنع من إلحاق الغَضَب الأدنى منه مرتبةً به؛ وذلك لتساويهما في علَّة الضّيق والغلق وذهول العقل، كالإكراه (^٢).
(٦٤) ٧ - ما رواه الإمام أحمد من طريق محمد بن الزبير، عن الحسن، عن عمران بن حصين ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "لا نذرَ في غَضَب، وكفارته كفارة اليمين " (^٣).
_________________
(١) الفواكه العديدة في المسائل المفيدة (٢/ ٥٥).
(٢) يُنظر: إغاثة اللَّهفان في حكم طلاق الغضبان (ص ١٩) وينظر: اختيارات الشيخ محمد العثيمين في الطلاق ص ٤٦٧.
(٣) مسند الإمام أحمد (٤/ ٤٣٩)، والنسائي (٧/ ٢٩)، والطبراني في الكبير (١٨/ ٣٦٣)، وابن عدي في الكامل (٦/ ٢٢٠٩) من طريق أبي بكر النهشلي. عند النسائي، وابن عدي بدل قولة: (غضب)، (معصية). وعند الطبراني: (لا نذر في معصية ولا غضب). وأخرجه أحمد (٤/ ٤٤٣)، والنسائي (٧/ ٢٩) من طريق إبراهيم بن طهمان، ثلاثتهم (أبو بكر، وسفيان، وإبراهيم) عن محمد بن الزبير، به. وأخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار (٣/ ١٢٩ - ١٣٠) وفي شرح مشكل الآثار (٢١٣٦)، والطبراني في الكبير (١٨/ ٤٨٦)، والحاكم (٤/ ٣٠٥) من طريق عبد الوهاب ابن عطاء الخفاف. والبزار في مسنده (٣٥٦١) من طريق حماد بن زيد. والطحاوي في شرح معاني الآثار (٣/ ١٢٩ - ١٣٠)، وفي شرح المشكل (٢١٦٤) من طريق خالد بن عبد الله الطحَّان. ثلاثتهم (عبد الوهاب، وحماد، وخالد) عن محمد بن الزبير، عن أبيه، عن رجل، عن عمران. وأخرجه النسائي (٧/ ٢٨)، والطبراني (١٨/ ٤٩٠)، وابن عدي في الكامل (٦/ ٢٢٠٩)، ومن طريقه البيهقي (١٠/ ٧٠) من طريق محمد بن إسحاق، عن أبيه، عن رجل من أهل البصرة قال: صحبتُ عمران، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "النذر نذران، فما كان من نذر في طاعة الله فذلك لله، وفيه الوفاء، وما كان من نذر في معصية الله فذلك للشيطان ولا وفاء فيه، ويكفِّرهُ ما يُكفّر اليمين" لكن في رواية ابن عدي لم يذكر في إسناده والد محمد بن الزبير. وأخرجه النسائي (٧/ ٢٨، ٢٧)، والطحاوي في شرح المعاني (٣/ ١٢٩)، وفي المشكل (٣١٧٠) و(٣١٦١) و(٢١٦٣)، والطبراني (١٨/ ٤٨٨، ٤٨٧، ٤٨٥)، وابن عدي (٦/ ٢٢٠٩)، والبيهقي (١٠/ ٧٠)، والخطيب في تاريخه (١٣/ ٥٦) من طرق عن محمد بن الزبير، عن أبيه، عن عمران. ليس فيه ذكر الرجل المُبهم. قال البيهقي: " الزبير لم يسمع من عمران ". وأسند عن محمد بن الزبير أنَّ أباه لم يسمع من عمران، وقال النسائي: قيل: إنَّ الزبيرَ لم يسمع عن عمران. وأخرجه ابنُ عدي (٦/ ٢٢١٠)، ومن طريقه البيهقي (١٠/ ٧٠) من طريق الأوزاعي. والحاكم (٤/ ٣٠٥) من طريق معمر. كلاهما (الأوزاعي، ومعمر) عن يحيى بن أبي كثير، عن رجل من بني حنظلة، عن عمران. رواية الأوزاعي عند ابن عدي، والبيهقي عن رجل من بني حنظلة، عن أبيه، عن عمران. رواية معمر عند الحاكم، عن رجل من بني حنيفة، ولفظه: (لا نذرَ في معصية). وأخرجه الطبراني في الكبير (ج ١٨) (٣٩٧) والخطيب في تاريخ بغداد (٦/ ٢٩٢) من طريق جبارة بن المغلس، عن شبيب بن شيبة، عن الحسن به، بلفظ: (معصية) بدل (غضب) وهو ضعيف. الحكم على الحديث: الحديث مداره على محمد بن الزبير، وهو الحنظلي متروك، انظر: التقريب (٢/ ١٦١)، وقد اختلف عليه فيه، وعلَّة أخرى: وهي أنَّ الحسن لم يسمع من عمران.
[ ١ / ٢٩٨ ]
ونوقش من وجوه:
الوجه الأول: أنَّ الحديث ضعيف، فلا تقوم به حجَّة (^١).
الوجه الثاني: أنَّ عدم انعقاد نذر اللجاج والغضب محلُّ خلاف بين العلماء، فلا يُحتجُّ به (^٢).
الوجه الثالث: أنَّ عدمَ إلزام الغضبان بنذره لعدم قصده النَّذر، فيكون حكمُهُ حكم اليمين، والدليلُ على ذلك إلزامُهُ بالكفَّارة، فلولا مؤاخذتُهُ على لفظِهِ لما أُلزِمَ بها (^٣).
وأُجيب: بأنَّ إيجاب الكفَّارة لا يقتضي ترتُّب موجب النَّذر، فالكفَّارة لا تستلزم التكليف، والدليل: وجوبُها في مال مَن عفا الشارع عنهم كالصغير، والمجنون، والناسي، والمخطئ، فمن باب أولى إيجابُها في النَّذر؛ وذلك لدفع الضَّرر الحاصل من عدم تنفيذ النَّذر.
(٦٥) ٨ - ما رواه البخاري من طريق سعيد بن المسيب، ومسلم من طريق سالم مولى النصريين قال: سمعت أبا هريرة ﵁ يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "اللهم إنما محمد بشر، يغضب كما يغضب البشر، وإني قد اتخذت عندك عهدًا لن تخلفنيه، فأيما مؤمن آذيتُهُ، أو سَبَبتُهُ، أو جَلَدتُهُ، فاجعلها له كفارةً وقربةً تُقَرِّبُهُ بها إليك يوم القيامة" (^٤).
وجه الدلالة: أنَّ تأثير الغضب على رسول الله ﷺ وهو المعصوم
_________________
(١) إغاثة اللَّهفان في حكم طلاق الغضبان (ص ١٥).
(٢) الإفصاح (٢/ ٣٤٠).
(٣) الفواكه العديدة في المسائل المفيدة (٢/ ٥٤) وينظر: اختيارات الشيخ محمد العثيمين في الطلاق ص ٤٥٦.
(٤) صحيح البخاري في الدعوات/ باب قول النبي ﷺ من آذيته (٦٣٦١)، ومسلم - كتاب البر والصلة والآداب/ باب من لعنه النبي ﷺ أو سبه أو دعا عليه وليس هو أهلا لذلك كان له زكاة وأجرا ورحمة (٢٦٠١) واللفظ له.
[ ١ / ٣٠٠ ]
والمالك للفظه وتصّرُفِهِ في حالة الرِّضا والغضب يدلُّ على أنَّ الغضب سلطان، فإذا كان هذا حال رسول الله ﷺ وطلبه من ربِّه أن لا يؤاخذه ويكون ما قاله كفَّارةٌ لأمَّتِهِ، فمن باب أولى غير المعصوم من الغَضَب؛ وذلك لأنَّ غضَبَه قد يُلجئه إلى أُمورٍ عِظامٍ كالطلاق، والوقف، فمن الحكمةِ عدَمُ مؤاخذته في هذه الحالة؛ لأنَّه في حكم المُكرَه (^١).
ونوقش: بأنَّ الرَّسول ﷺ أخذ من ربِّه العهد أن لا يؤاخذه، وأن يجعلها كفَّارة لأمّته، ولعلَّ الحكمة من دعاء الرسول ﷺ رحمةً بأمَّته للتكفير عنها (^٢)، بخلاف الواقف في حالة الغضب فإنَّه لم يُعطَ وعدًا بعدم المؤاخذة، بل الخلاف جار في ذلك.
ويُمكن أن يُجاب: بأنَّه مع التَّسليم بالحكمة، إلاَّ أنَّ هذا لا يتعارض مع القولِ بعدم مؤاخذةِ الغَضبان، بل يُؤيّده؛ وذلك أنَّ التَّكفير والتَّجاوز عمَّن سبَّه وشَتَمَه رسول الله ﷺ مع إغضابه لرسول الله ﷺ وعِظَمِ فعلِهِ، ومع ذلك يُكفر عنه، فمن باب أولى التَّجاوز عن غيره، وخاصَّةً أنه غالبًا لم يتجرَّأ على إغضاب رسول الله ﷺ إلاَّ لغَضَبهِ في هذه الحالة.
(٦٦) ٩ - وقال البخاري: عن ابن عباس ﵄ أنه قال: "الطَّلاقُ عن وَطَر (^٣)، والعتق ما يبتغى به وجه الله" (^٤).
وجه الدلالة: في هذا الأثر دلالة على عدم وقوع طلاق الغضبان؛ لأنه
_________________
(١) إغاثة اللَّهفان في حكم طلاق الغضبان (ص ٤١).
(٢) طرح التثريب في شرح التقريب (٨/ ١٤)، بتصرف.
(٣) محرَّكة: هي الحاجة أو حاجة الإنسان فيها هم وعناية، فإذا بَلَغَها فقد قضى وَطَره. (يُنظر: لسان العَرَب (١٥/ ٣٣٦)، والقاموس المحيط (ص ٦٣٤».
(٤) علَّقه البخاري عن ابن عباس في كتاب الطلاق/ باب الطلاق في الإغلاق والإكراه، والسكران والمجنون وأمرهما، والغلط، والنسيان في الطلاق والشرك وغيره (٣/ ٤٠٥).
[ ١ / ٣٠١ ]
اشترط أن يكون الطَّلاق عن قصد من المُطَلِّق وتصوُّر لما يقصدُه، فإن تخلَّف أحدهما لم يقع طلاقه، فشدَّة الغضب تمنعُهُ من التَّثبُّت والتَّروّي وتُخرجه من حال اعتداله فتُلجئُه إلى ما لا يرغبه ولا يرضاه فلا يقع طلاقُه؛ لعدم خالص قصده وأمره، وكذا الوقف (^١).
١٠ - قياسُ الغضبان على السَّكران والمُكره؛ لتساويهما في علَّة عَدَمِ القَصدِ والإرادةِ (^٢)، حيث إن شدة الغضب تحول بينه وبين إرادته ونيته، فيصدُر منه ما لا يُريدُه ولا يقصدُهُ حقيقةً (^٣)، فيسقُطُ عنه حكمُهُ للعلَّة ذاتِها.
ونوقش من وجهين:
الوجه الأول: أن القياس على المكره والسكران قياس مع الفارق؛ إذ الغضبان عقله باق بخلاف السكران، والمكره قد ضيق عليه الغير بخلاف السكران (^٤).
وأُجيب: بعدم التَّسليم بالفارق بينهما؛ إذ إنَّ كليهما مكره، فالمُكرَه مُكرَهٌ على عقده، والغضبانُ مُكرهٌ على قصدِهِ وإرادتِهِ ليَستريح من حرارةِ الغَضَب، يدلُّ على ذلك نَدَمُهُ وحسرتُهُ على فعلِهِ عند سكون غَضَبِه، بل إنه أولى بعدم وقوع طلاقِهِ وظهاره ووقفه من المُكرَه؛ لانعدام حقيقة قصدِهِ ومُراده (^٥).
الوجه الثاني: أنَّ الغضبان كالسكران؛ إذ إن كليهما حال دون النية.
١١ - أنَّ العبرة بالمقاصد وما تكسبُهُ القلوب وتُريده، فالواقف في الغَضَب الشَّديد الحامل له التَّشفّي وفضّ الغيظ وليس الرّضا والقصد، بدليل
_________________
(١) زاد المعاد (٥/ ٢١٥).
(٢) إغاثة اللَّهفان في حكم طلاق الغضبان (ص ١٧، ١٦)، إعلام الموقعين (٤/ ٤١).
(٣) زاد المعاد (٥/ ٢١٥).
(٤) إغاثة اللهفان ص ١٦، إعلام الموقعين ٤/ ٤١.
(٥) إعلام الموقعين (٤/ ٤١) وينظر: اختيارات الشيخ محمد العثيمين في الطلاق ص ٤٦٧.
[ ١ / ٣٠٢ ]
نَدَمه بعد ذهاب غضبه (^١).
١٢ - أنَّ العوارض النَّفسيَّة من الأمور المُعتبرة في الشرع؛ لما لها من أَثَر على تصرُّفات صاحبها وأقوالِهِ، كعارض النِّسيان والخَطَأ، والخوف، والغَضَب، فيتكلَّم بما لا يقصد ولا يُريد حقيقةً أو حُكمًا فيُعذر دون غيره؛ لعَدَم مَحضِ قصده وإرادته، بل إنَّ الغضبان أولى من غيره في اعتباره هذه العوارض لعدّه من أبرز الأسباب في تفكُّك الأُسرة، وزوال وحدتها (^٢).
١٣ - أنَّ ما ثبت بالإجماع لا يزول إلاَّ بالإجماع، فالملك ثابتٌ بالإجماع، فالأصل بقاؤه حتى يثبت ما يرفعُهُ كليًا أو جزئيًا (^٣).
ونوقش: بأنَّه مع التَّسليم بأنَّ ما ثبت بالإجماع لا يزول إلا بالإجماع، إلا أنَّ القول بالصحة، قال به جمهور العلماء ﵏ (^٤)، فإجماع الجمهور يُعدُّ إجماعًا، ولا يضُرُّ مخالفة الأقل من المُجتهدين، والدَّليل على ذلك أنَّ الصَّحابة ﵃ لمَّا استخلفوا أبا بكر ﵁ انعَقَدَت خلافتُهُ بإجماع الحاضرين، مع غياب عدد من الصَّحابةِ ﵃ في بعض الأمصار (^٥).
وأُجيب: بعدم التَّسليم بأنَّ إجماع الجمهور يُعدُّ إجماعًا، فإذا خالف الجمهورَ واحدٌ من المجتهدين لم ينعقد الإجماع؛ إذ إن المعتبر في الإجماع قول جميع الفقهاء، فإذا تحقَّق وإلاَّ انعدم الإجماع (^٦).
_________________
(١) إغاثة اللَّهفان في حكم طلاق الغضبان (ص ٢١).
(٢) نفسه (ص ٢٨).
(٣) نفسه.
(٤) الفروع (٥/ ٣٦٤)، بلغة السالك لأقرب المسالك (٢/ ٧٩٣)، حاشية ابن عابدين (٢/ ٤٢٧)، تكملة المجموع (١٧/ ٦٨).
(٥) الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم (٤/ ٥٩١)، الفواكه العديدة في المسائل المفيدة (٢/ ٥٥).
(٦) إرشاد الفحول، مصدر سابق، (١/ ٣١٠ - ٣١١).
[ ١ / ٣٠٣ ]
ورُدَّ عليه: بعدم التَّسليم بأنَّ الإجماع قول جميع الفقهاء؛ إذ إنَّ مخالفة الأقل أو الواحد شذوذٌ، والشَّاذ لا حكم له عند وجود من هو أقوى منه (^١).
وأُجيب: بأن الإجماع المعتبر عند الأصوليين هو اتفاق مجتهدي أمة محمد ﷺ.
أدلة القول الثاني: (صحة الوقف)
استدلَّ القائلون بصحة وقف الغضبان بما يلي:
(٦٧) ١ - ما رواه مسلم من طريق أبي بردة، عن أبي موسى ﵁ قال: أرسلني أصحابي إلى رسول الله ﷺ أسأله لهم الحملان إذ هم معه في جيش العسرة (وهي غزوة تبوك)، فقلت: يا نبي الله إن أصحابي أرسلوني إليك لتحملهم، فقال: "والله لا أحملكم على شيء"، ووافقته وهو غضبان ولا أشعر، فرجعت حزينًا من منع رسول الله ﷺ ومن مخافة أن يكون رسول الله ﷺ قد وَجَدَ في نفسه عليَّ، فرجعت إلى أصحابي، فأخبرتهم الذي قال رسول الله ﷺ، فلم ألبث إلا سويعة، إذ سمعت بلالًا يُنادي: أي عبد الله بن قيس! فأجبته، فقال: أجب رسول الله ﷺ يدعوك، فلما أتيت رسول الله ﷺ قال: " خذ هذين القرينين (^٢)، وهذين القرينين، وهذين القرينين، لستَّةِ أبعرةٍ ابتاعهنَّ حينئذٍ من سعد فانطلق بهنَّ إلى أصحابك، فقل: إنَّ اللهَ (أو قال: إنَّ رسولَ الله ﷺ يحملكم على هؤلاء فاركبوهنَّ " (^٣).
(٦٨) ٢ - ما رواه البخاري ومسلم من طريق يزيد مولى المنبعث، عن زيد بن خالد الجهني ﵁ أنَّ رجلًا سأل رسول الله ﷺ عن اللقطة؟ فقال: "
_________________
(١) روضة الناظر وجنة المناظر (١/ ٣٥٨).
(٢) أي: البعيرين المشدودين أحدهما بالآخر (يُنظر: النهاية في غريب الحديث (٤/ ٥٣».
(٣) صحيح مسلم -كتاب الإيمان/ باب ندب من حلف يمينًا، فرأى غيرها خيرًا منها، أن يأتي الذي هو خير، ويكفر عن يمينه برقم (١٦٤٩).
[ ١ / ٣٠٤ ]
عَرِّفها سَنَة (^١)، ثم اعرف وكاءَهَا (^٢) وعفاصَهَا (^٣)، ثم استنفق بها (^٤)، فإن جاء ربُّها فأدِّها إليه "، فقال: يا رسول الله فضالَّة الغنم؟ قال: "خذها، فإنما هي لك، أو لأخيك، أو للذئب"، قال: يا رسول الله فضالَّة الإبل؟ قال: فغضِبَ رسولُ الله ﷺ حتى احمرَّت وَجنَتاه أو احمرَّ وجهُهُ، ثم قال: " ما لَكَ ولها؟! مَعَها حذاؤها، وسقاؤها، حتى يلقاها ربُّها " (^٥).
(٦٩) ٣ - ما رواه البخاري ومسلم من طريق ابن شهاب، عن عروة بن الزبير أنَّه حدَّثه أنَّ رجلًا من الأنصار خاصم الزبير في شراج من الحرَّة (^٦)، يسقي بها النخل، فقال رسول الله ﷺ: " اسق يا زبير -فأمره بالمعروف- ثم أرسل إلى جارك "، فقال الأنصاري: أن كان ابن عَمَّتك؟! فتلوَّن وجه رسول اللهِ ﷺ، ثمَّ قال: " اسق ثم احبس، حتى يرجع الماءُ إلى الجدر، واستَوعَى له حَقَّه " (^٧) فقال الزبير: والله إنَّ هذه الآية أنزلت في ذلك:
_________________
(١) أي: ينشدها في الموضع الذي وجدها فيه ويذكرها، ويطلب من يعرفها في الأسواق، وأبواب المسجد، ومواضع اجتماع النَّاس ويكرر ذلك حَسَب العادة (يُنظر: النهاية في غريب الحديث: (٣/ ٢١٧».
(٢) أي: الخيط الذي به تربط الصُّرَّة، والكيس وغيرهما (يُنظر: لسان العرب: (٥/ ٣٨٩».
(٣) أي: الوعاء الذي تكون فيه النَّفقة من جلدٍ أو خرقةٍ وغيرها (يُنظر: النهاية في غريب الحديث (٣/ ٢٦٣».
(٤) أي: تملكها ثم أنفقها على نفسه (يُنظر: لسان العرب (١/ ٣٥٨)، شرح النووي على صحيح مسلم (١٢/ ٢٣)، عون المعبود (٥/ ٨٥».
(٥) صحيح البخاري في الأدب/ باب ما يجوز من الغضب (٦١١٢)، ومسلم في كتاب اللُّقطة/ حديث رقم (١٧٢٢).
(٦) الشراج: هو مسيل الماء من الحرَّة إلى السَّهل، والحرَّة أرض بظاهر المدينة بها حجارة سود كثيرة. (يُنظر: النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ٣٦٥)، (٢/ ٤٥٦».
(٧) صحيح البخاري في كتاب الحرث والمزارعة/ باب شرب الأعلى إلى الكعبين برقم (٢٣٦٢)، صحيح مسلم في الفضائل/ باب وجوب اتباعه ﷺ (٢٣٥٧).
[ ١ / ٣٠٥ ]
﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ (^١).
(٧٠) ٤ - قال البخاري: وقال الأعمش: عن تميم، عن عروة، عن عائشة ﵂ قالت: الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات، فأنزل الله تعالى على النبي ﷺ: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ (^٢) (^٣).
وجه الدلالة من هذه الأدلة: أنَّ وجود الغضب في هذه الحوادث لم يمنع من اعتبار الأحكام بها، فدلَّ على مؤاخذة الغضبان، فإذا نَفَذَت أحكامُه نَفَذَت سائرُ أقواله، ومنها الوقف (^٤).
ونوقش: بأنَّ الغضب المتحقِّق في هذه الحوادث هو المتفق عليه بين الفقهاء ﵏ على نفاذه واعتبار أحكامه (^٥).
(٧١) ٥ - ما رواه البخاري ومسلم من طريق عبد الرحمن بن أبي بكرة ﵁ قال: كَتَبَ أبي وكتبت له إلى عبيد الله بن أبي بكرة وهو قاضٍ بسجستان (^٦) أن لا تحكم بين اثنين وأنت غضبان، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: " لا يحكم أحدٌ بين اثنين وهو غضبان " (^٧).
_________________
(١) من آية ٦٥ من سورة النساء.
(٢) من آية ١ من سورة المجادلة.
(٣) صحيح البخاري -كتاب التوحيد/ باب قول الله تعالى: وكان الله سميعا بصيرا، وقد خرجت الحديث بتمامه في كتابي (أحكام الظهار).
(٤) جامع العلوم والحكم (ص ١٢٩).
(٥) الفواكه العديدة في المسائل المفيدة (٢/ ٥٢)، اختيارات ابن عثيمين في الطلاق ٤٥٦.
(٦) بكسر أوَّله وثانيه، إحدى بلدان المشرق، بينها وبين هراة عشرة أيام وثمانون فرسَخًا، وهي في خراسان (يُنظر: معجم البلدان (٣/ ١٩٠ - ١٩٢».
(٧) صحيح البخاري في الأحكام/ باب هل يقضي القاضي أو يفتي وهو غضبان؟ (٧١٥٨)، ومسلم في كتاب الأقضية/ باب كراهة قضاء القاضي وهو غضبان، برقم (١٧١٧).
[ ١ / ٣٠٦ ]
وجه الدلالة: أنَّ نهي النبيِّ ﷺ للقاضي عن الحكم بين الخصمين وهو غضبان دليل على نفاذ حُكمه، لذلك ورَدَ النَّهيُ خشية أن يُخرجه غضبُه عن سداد النظر وعدالة القضاء فيقضي بغير الحق، فيهلك ويُهلك غيره (^١).
ونوقش: بأنَّ النَّهيَ يقتضي فساد القضاء، فإذا لم يصح قضاؤه في الغضب، فلا اعتبار لحكمه (^٢).
وأجُيب: بأنَّ النهي لا يقتضي الفساد مطلقًا، فقد ورد النهي عن الصلاة في الأرض المغصوبة، والبيع بعد النِّداء الثاني من يوم الجمعة مع صحَّة الصلاة والبيع، فالنهي إمَّا للتحريم أو للكراهة، لتفويت فضيلة أو دفع مضرَّة، أو للاحتياط؛ كالنَّهي عن القضاء حال الغَضَب، وإلاَّ فالقضاء صحيح، فقد قضى ﷺ في شراج الحرَّة مع غضبه في تلك الحالة (^٣)، فدلَّ على نفوذ الأحكام في الغضب (^٤).
ورُدَّ عليه: بعدم التسليم بأنَّ النَّهيَ لا يقتضي الفساد إلاَّ ما قامَ الدَّليلُ على عدم اقتضائِهِ لذلك؛ لوجود قرينة تصرفه عن معناه الحقيقي، ففي هذه الحالة يُخصَّص النَّهي حسب ما اقتضاه الدَّليل (^٥).
(٧٢) ٦ - ما رواه البخاري من طريق أبي حصين، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁ أنَّ رجلًا قال للنبي ﷺ: أوصِني، قال: "لا تغضَب" فردَّدَ مرارًا قال: "لا تغضَب" (^٦).
_________________
(١) فتح الباري بشرح صحيح البخاري (١٣/ ١٤٧).
(٢) إغاثة اللَّهفان في حكم طلاق الغضبان (ص ٣٧).
(٣) سبق تخريجه برقم (٦٧).
(٤) قواعد الأحكام في مصالح الأنام (١/ ٢٠٦).
(٥) إرشاد الفحول، مصدر سابق، (٢/ ٣٧١).
(٦) صحيح البخاري في صحيحه في كتاب الأدب/ باب الحذر من الغضب (٦١١٦).
[ ١ / ٣٠٧ ]
وجه الدلالة: أنَّ وصيَّة النبي ﷺ للرجل بعدم الغضب، وتأكيده ذلك، دليل على مؤاخذة الإنسان على نتائج غَضَبه، وإلا لما أوجز الرسول ﷺ سؤال السَّائل بهذه الكلمة دون غيرها (^١).
يُمكن أن يُناقش من وجهين:
الوجه الأول: عدم التسليم بأنَّ النَّهي عن الغضب دليل على مؤاخذة صاحبه، وإنما لاعتبار الغضب جماع الشَّر؛ إذ إنه للأخلاق بمنزلة القلب للجَسَد، فاستُحبَّ التَّحرُّزُ منه.
الوجه الثاني: لو سُلِّم جَدَلًا بمؤاخذة العبد على غَضَبه، فإنَّ هذا خاص بالغضب المُتَّفق على مؤاخذة صاحبه عليه (^٢).
٧ - عن جابر ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: " .. لا تدعوا على أولادِكم، ولا تدعوا على أموالِكم، ولا تدعوا على خَدَمِكم، لا توافقوا من الله ساعةً لا يُسأل فيها شيئًا إلاَّ أعطاه " (^٣).
(٧٤) ٨ - ما رواه مسلم من طريق أبي المهلب، عن عمران بن حصين ﵁ قال: بينما رسول الله ﷺ في بعض أسفاره وامرأة من الأنصار على ناقة فضجرت فلعنتها، فسمع ذلك رسول الله ﷺ فقال: "خذوا ما عليها ودَعوها فإنها ملعونة". قال عمران: فكأني أراها الآن تمشي في الناس ما يعرض لها أحد (^٤).
وجه الدلالة من الدليلين: أنَّ نهي النبي ﷺ عن الدعاء في الحديث
_________________
(١) جامع العلوم والحكم (ص ١٢٤، ١٢٩)، وينظر: اختيارات الشيخ محمد العثيمين في الطلاق ص ٤٥٠.
(٢) اختيارات ابن عثيمين في الظلاق ص ٤٥٦.
(٣) سبق تخريجه برقم (٥٩).
(٤) صحيح مسلم -كتاب البر والصلة/ باب النهى عن لعن الدواب وغيرها (٢٥٩٥).
[ ١ / ٣٠٨ ]
الأول، وهجرِه للناقة الملعونة، دليلٌ على إجابة الدُّعاء وقت الغضب؛ إذ إنَّ الدُّعاء لا يصدُرُ في الغالب إلاَّ في حالة الغضب، فإذا أوخذ الغضبان على دعائه حُوسِبَ على طلاقه (^١) ووقفه، ونحو ذلك.
ونوقش: بعدم التسليم بأنَّ الدُّعاء لا يصدُر إلاَّ في حالة الغضب، وأنَّ هجر النبي ﷺ دليل إجابة الدُّعاء؛ إذ إنَّ الدُّعاء يندر في حالة الغَضَب وعَدَمِه، وعلى ذلك هَجَر النبي ﷺ النَّاقة الملعونة من باب التأديب والتربية لصحابته ﵃ بالترفُّع عن ما حرم من الأقوال، وخاصَّة ما عَظُمَ منها كاللَّعن (^٢).
(٧٥) ٩ - ما رواه الدارقطني من طريق سيف، عن مجاهد قال: جاء رجل من قريش إلى ابن عباس فقال: يا ابن عباس إني طلَّقت امرأتي ثلاثًا وأنا غضبان، فقال ابن عباس ﵄: " لا أستطيع أن أُحِلَّ لك ما حرَّم اللهُ عليك، عصيتَ ربَّك وحَرُمَت عليك امرأتك " (^٣).
_________________
(١) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (٨/ ٢٨٦)، الفواكه العديدة في المسائل المفيدة (٢/ ٥٣).
(٢) يُنظر: إغاثة اللَّهفان في حكم طلاق الغضبان (ص ٩).
(٣) بهذا اللفظ أخرجه الدارقطني -كتاب الطلاق والخلع والإيلاء ونحوه (٤/ ١٣) (٣٨). وهذا الأثر عزاه ابن رجب في جامع العلوم والحكم (١٣٠) إلى الجوزجاني أيضًا وقال: " بإسناد على شرط مسلم ". وهذا إسنادٌ صحيحٌ ورجالُهُ ثقاتٌ. دعلج: هو ابن أحمد، وحبان: هو ابن موسى المروزي، وسيف: هو ابن أبي سليمان المكّي. وروى هذا الأثر أبو داود في سننه في أول كتاب الطلاق/ باب بقيَّة ما نسخ المراجعة بعد ثلاث تطليقات (٣/ ٧٢) برقم (٢١٩٠)، فقال: حدثنا حميد بن مسعدة، حدثنا إسماعيل، أخبرنا أيوب، عن عبد الله بن كثير، عن مجاهد قال: كنت عند ابن عباس ﵂ فجاءه رجلٌ فقال: إنَّه طلَّقَ امرأته ثلاثًا. قال: فسكت حتى ظَنَنت أنه رادَّها إليه، ثم قال: ينطلق أحدُكُم فيركب الحموقة ثم يقول: يا ابن عباس، يا ابن عباس! وإنَّ اللهَ قال: (ومن يتَّق اللهَ يجعل له مخرجًا) … وهذا إسنادٌ حَسَن. إسماعيل: هو ابن عليَّة، وأيوب: هو السختياني، وعبد الله بن كثير: هو الداري المكّي. وقال الحافظ في الفتح (٩/ ٤٥٣): إسناده صحيح. وأخرجه ابن جرير في تفسيره (٢٨/ ٨٤)، وعبد الرزاق في مصنفه في كتاب الطلاق/ باب المطلق ثلاثًا (٦/ ٣٩٧) برقم (١١٣٥٢)، والدارقطني في سننه في كتاب الطلاق والخلع والإيلاء ونحوه (٤/ ٦٠) برقم (١٤٣)، والطبراني في معجمه الكبير (١١/ ٧٣) كلاهما من طريق عبد الله بن كثير، عن مجاهد .. به. وأخرجه ابنُ جرير في تفسيره (٢٨/ ٨٣) قال: حدثنا ابن المثنى، ثنا محمد بن جعفر، ثنا شعبة، عن عبد الله بن أبي نجيح، عن حميد الأعرج، عن مجاهد أنَّ رجلًا سأَلَ ابن عبَّاس فقال: " إنَّه طلَّقَ امرأته مئة، فقال: عصيتَ ربَّك، وبانت منك امرأتُك، ولم تتَّق الله فيجعل لك مخرجًا .. ". وأخرجه الطحاويُّ في شرح معاني الآثار (٣/ ٥٨)، والطبراني في معجمه الكبير (١١/ ٧٨)، والبيهقي في السنن الكبرى في كتاب الخلع والطلاق/ باب من جعل الثلاث واحدة وما ورد في خلاف ذلك (٧/ ٥٥٢) برقم (١٤٩٧٦)، والدارقطني في سننه في كتاب الطلاق والخلع والإيلاء ونحوه (٤/ ١٣) برقم (٣٨). وأخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه في كتاب الطلاق/ من كره أن يطلق الرجل امرأته ثلاثًا في مقعد واحد وأجاز ذلك عليه (٤/ ٦١) برقم (١٧٧٨٣)، وسعيد بن منصور في سننه -كتاب الطلاق/ باب التعدّي في الطلاق (١/ ٢٦٢) (١٠٦٤)، والطحاويُّ في شرح معاني الآثار (٣/ ٥٧)، والبيهقي في سننه (٧/ ٣٣٧). كلهم من طريق الأعمش، عن مالك بن الحارث، عن ابن عباس ﵄ أنه أتاه رجل فقال: إنَّ عمي طلَّق امرأته ثلاثًا. وجاء من طرقٍ كثيرة عن ابن عباس ﵂. وقد جَمَعَ كثيرًا من طرقه أبو داود في سننه. قال الحافظ ابن رجب: إسناده على شرط مسلم. قال الحافظ ابن حجر: إسناده صحيح (يُنظر: جامع العلوم والحكم، ص ١٣٠).
[ ١ / ٣٠٩ ]
وجه الدلالة: أنَّ إمضاء ابن عباس ﵄ لطلاق الرجل بالرغم من صدوره في حالة الغضب دليل على صحَّة طلاق الغضبان (^١)، وكذا وقفه.
ونوقش: بأنَّه مع التسليم بصحَّة الأثر بلفظه، فإنَّ المراد به الغضب المُتَّفق على وقوعه.
١٠ - الإجماع على أنه لم يقُل أحدٌ بالتصريح بعدم الوقوع، فالقول بخلافه يُعدُّ خرقًا للإجماع (^٢).
ونوقش: بأنَّ القول بالإجماع مردود، فالمسألة محلُّ خلاف بين العلماء.
الترجيح:
الراجح -والله أعلم- القول الأول القائل بعدم صحة الوقف في حالة الغَضَب الشَّديد الذي يفقد الإنسان سيطرته على نفسه ولا يستطيع إمساكها مع بقاء عقله؛ وذلك لقوَّة دليلهم، ومناقشة دليل القول الثاني، ولأنَّ الأصلَ براءةُ الذِّمَّة من الواقف، وبقاء الملك.
الأمر السابع: وقف النائم، والمغمى عليه:
النائم والمغمى عليه لا يصح وقفهما باتفاق الأئمة الأربعة.
لما تقدم من حديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: " رفع القلم عن ثلاثة: .. وعن النائم حتى يستيقظ .. " (^٣)، والمغمى عليه ملحق بالنائم (^٤).
_________________
(١) معالم السُّنَن (٣/ ٢٠٥).
(٢) الفواكه العديدة في المسائل المفيدة، مصدر سابق، (٢/ ٥٤ - ٥٥).
(٣) تقدم تخريجه برقم (٤٨).
(٤) بدائع الصنائع (٥/ ١٣٥)، الشرح الصغير (٢/ ٤)، المجموع (٩/ ١٥٥)، المبدع (٤/ ٨)، المحلى (٩/ ١٩).
[ ١ / ٣١١ ]