إذا كان على شخص دين ولم يحجر عليه القاضي فهل يصح وقفه؟
اختلف العلماء ﵏ على قولين:
القول الأول: أنه لا يصح وقفه إذا كان الدين مستغرقًا.
وبه قال بعض الحنفية (^٢)، والمالكية (^٣)، واختاره شيخ الإسلام (^٤).
وعند المالكية: أن العقد غير لازم، فإن أجازه صاحب الدين نفذ.
وعندهم أيضا: إن جهل السابق من الدين أو الوقف، فإن كان الوقف
_________________
(١) تقدم تخريجه برقم (٨٥).
(٢) حاشية ابن عابدين، مصدر سابق، (٤/ ٣٩٩).
(٣) بلغة السالك (٢/ ٣١٢)، حاشية الدسوقي (٤/ ٨٠).
(٤) الاختيارات (ص ٢٠٢).
[ ١ / ٣٤٧ ]
على محجوره بطل وإن حازه، وإن كان على غيره فلا بطلان إن حازه الموقوف عليه قبل حصول مانع من مرض أو موت.
وحجته:
١ - ما تقدم من الأدلة على عدم صحة وقف المفلس (^١).
وجه الدلالة: أنه إذا لم يصح وقف المفلس -المدين الذي حجر عليه القاضي- لحظ صاحب الحق، فكذا المدين الذي لم يحجر عليه؛ لاتفاقهما في علة الحجر.
٢ - حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: " من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه، ومن أخذه يريد إتلافها أتلفه الله " (^٢)، ولا ريب أن هذا التبرع إتلاف لها، فكيف ينفذ تبرع من دعا رسول الله ﷺ على فاعله؟ (^٣).
٣ - قال ابن القيم: " إن استغرقت الديون ماله لم يصح تبرعه بما يضر بأرباب الديون سواء حجر عليه الحاكم أو لم يحجر عليه، هذا مذهب مالك واختيار شيخنا، وعند الثلاثة يصح تصرفه في ماله قبل الحجر بأنواع التصرف، والصحيح هو القول الأول وهو الذي لا يليق بأصول المذهب غيره، بل هو مقتضى أصول الشرع وقواعده؛ لأن حق الغرماء قد تعلق بماله، ولهذا يحجر عليها الحاكم ولو تعلق حق الغرماء بماله لم يسع الحاكم الحجر عليه، فصار كالمريض مرض الموت لما تعلق حق الورثة بماله منعه الشارع من التبرع بما زاد على الثلث، فإن في تمكينه من التبرع بماله إبطال حق الورثة منه، وفي تمكين هذا المدين من التبرع إبطال حقوق الغرماء، والشريعة
_________________
(١) ينظر: مبحث وقف المفلس.
(٢) تقدم تخريجه برقم (٨٨).
(٣) إعلام الموقعين (٤/ ٨ - ٩).
[ ١ / ٣٤٨ ]
لا تأتي بمثل هذا، فإنها إنما جاءت بحفظ حقوق أرباب الحقوق بكل طريق وسد الطرق المفضية إلى إضاعتها " (^١).
٤ - أن وفاء الدين واجب والوقف تطوع، والواجب مقدم على التطوع.
القول الثاني: يصح وقفه ما دام أنه لم يحجر عليه.
وهو قول جمهور أهل العلم (^٢).
وحجته:
١ - أن الأصل صحة التصرف؛ لبقاء الأهلية.
ونوقش: باستثناء المدين؛ لما تقدم من أدلة القول الأول.
٢ - أن الوقف صادف ملكه، وحق الدائنين تعلق بذمة المدين لا بالعين (^٣).
ونوقش: بعدم التسليم، بل تعلق بالعين؛ لإحاطة الدين بالمال.
٣ - أن سبب المنع من التصرف هو الحجر، فلا يتقدم المنع على سببه (^٤).
ونوقش: بعدم التسليم، بل سبب المنع هو استغراق الدين لجميع ماله، واستحقاق الغرماء ماله كله.
الترجيح:
الراجح -والله اعلم- القول الأول؛ لقوة دليله، ومناقشة دليل القول الثاني.
_________________
(١) المصدر السابق.
(٢) ينظر: المصادر السابقة في وقف المفلس.
(٣) الإسعاف (ص ٩)، حاشية ابن عابدين (٣/ ٥٤٦)، المغني ٦/ ٥٧١.
(٤) المغني، مصدر سابق، ٦/ ٥٧١.
[ ١ / ٣٤٩ ]
فرع: مثل ديون الآدميين الديون لله ﷿ من الزكوات، والكفارات والنذور.
يستثنى وقف الأشياء اليسيرة؛ إذ قاعدة الشرع العفو عن الأشياء اليسيرة.