إذا لزم شخصًا حق من الحقوق المالية، وأعطى مقابل ذلك رهنًا، فهل يصح وقف هذا الرهن من قبل الراهن؛ إذ هو المالك للرهن؟.
_________________
(١) من آية ٩ من سورة الحشر.
(٢) آية ٢٩ من سورة الإسراء.
(٣) ينظر: الجامع لأحكام القرآن العظيم (١٠/ ١٦٣).
(٤) صحيح البخاري في الوصايا/ باب الوصية في الثلث (٢٧٤٣)، ومسلم في الوصية/ باب الوصية بالثلث (١٦٢٨). وجاء مثله من حديث كعب بن مالك، وأبي لبابة ﵄.
[ ١ / ٣٩٥ ]
أما المرتهن فلا يصح وقفه بالاتفاق؛ إذ هو غير مالك، وإنما له حق الوثيقة فقط.
أما الراهن، ففي وقفه ثلاثة أمور:
الأمر الأول: أن يكون ذلك بإذن المرتهن:
إذا أذن المرتهن للراهن أن يقف الرهن صح هذا الوقف بالاتفاق؛ لأن الراهن إنما منع من التصرفات الناقلة للملك لحق المرتهن، فإذا أذن فقد أسقط حقه (^١).
الأمر الثاني: أن يكون ذلك بغير إذن المرتهن، وقبل القبض:
إذا لم يأذن المرتهن للراهن في وقف العين المرهونة، ولم يكن المرتهن قبضها، فوقفها الراهن، فللعلماء في حكم هذا الرهن قولان ينبنيان على حكم لزوم الرهن قبل القبض، أو عدم لزومه:
القول الأول: أن الرهن يلزم بمجرد العقد، وعليه فلا يصح وقف الراهن للرهن.
وهو قول أكثر المالكية (^٢)، ورواية عن الإمام أحمد، قدمه في الفائق (^٣).
القول الثاني: أن الرهن لا يلزم إلا بالقبض.
وهو قول جمهور الفقهاء: الحنفية (^٤)، وبعض المالكية (^٥)،
_________________
(١) المصادر التالية.
(٢) الإشراف (٢/ ٢)، القوانين (ص ٢١٣).
(٣) الإنصاف مع الشرح الكبير ١٢/ ٣٩٢.
(٤) بدائع الصنائع (٦/ ١٣٧)، تبيين الحقائق (٦/ ٦٣)، البناية في شرح الهداية (١١/ ٥٤٥).
(٥) الكافي، مصدر سابق، (ص ٤١٠).
[ ١ / ٣٩٦ ]
والشافعية (^١)، والحنابلة (^٢)، والظاهرية (^٣).
الأدلة:
أدلة القول الأول: (لزوم الرهن بالعقد)
استدل لهذا الرأي بما يلي:
١ - قوله تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ (^٤).
وجه الدلالة من وجهين:
الوجه الأول: أنه سبحانه شرط فيه القبض بعد أن أثبتها رهنًا، وذلك يفيد أنها قد تكون رهنًا وإن لم تقبض (^٥).
الوجه الثاني: أنه لا يخلو أن يكون خبرًا أو أمرًا، ولا يجوز أن يكون خبرًا؛ لأنه لو كان كذلك لم يجز وجود رهن غير مقبوض … فثبت أنه أمر (^٦).
ونوقش من أمرين:
الأول: أن الخلاف هنا هو في لزوم الرهن وليس في اسمه، وكونه يسمى رهنًا قبل القبض مسلّم، لكن لا يكون لازمًا إلا بقبضه.
الثاني: أن سياق الآية دل على الأمر بقبض هذا الرهن ليحصل به التوثيق، وبدون هذا القبض لا يتم المقصود.
_________________
(١) الحاوي الكبير (٧/ ٩٧)، فتح العزيز (١٠/ ٦٢)، مغني المحتاج (٢/ ١٣٣).
(٢) المغني (٦/ ٤٤٥ - ٤٤٦)، الإنصاف (٥/ ١٤٩)، شرح المنتهى (٢/ ١٠٨).
(٣) المحلى، مصدر سابق، (٨/ ٨٨).
(٤) من آية ٢٨٣ من سورة البقرة.
(٥) الإشراف على مسائل الخلاف (٢/ ٢).
(٦) المرجع السابق.
[ ١ / ٣٩٧ ]
٢ - قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (^١)، فالتصرف بالرهن بعد العقد بما ينقل الملك مخالف للإيفاء بالعقد.
٣ - قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (٣٢)﴾ (^٢).
ووجه الاستدلال كما سبق.
٤ - أن الرهن عقد من العقود، فلم يكن من شرط انعقاده قبض المعقود عليه (^٣).
ونوقش: بأن الخلاف في لزومه، وأنه لا يحصل إلا بالقبض وليس بانعقاده، ولهذا نظائر في العقود منها: عقد البيع لا يلزم إلا بالتفرق من مجلس العقد، وبيع الربوي بالربوي متحدي العلة يصح العقد فيه لكن شرط بقائه على الصحة التقابض قبل التفرق وإلا بطل.
٥ - أن الرهن عقد لازم، فوجب أن يلزم بنفس انعقاده كالبيع (^٤).
ونوقش هذا التعليل: بأن هذا استدلال في محل النزاع، وقياسه على البيع مناقش بأنه قياس مع الفارق؛ لأن البيع عقد معاوضة، والرهن عقد إرفاق (^٥).
أدلة القول الثاني: (لزوم الرهن بالقبض)
استدل لهذا الرأي بما يلي:
١ - قوله تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ (^٦).
_________________
(١) من آية ١ من سورة المائدة.
(٢) آية ٣٢ من سورة المعارج.
(٣) المعونة على مذهب عالم المدينة (٢/ ١١٥٤).
(٤) المعونة على مذهب عالم المدينة (٢/ ١١٥٤).
(٥) المغني، مصدر سابق، (٦/ ٤٤٦).
(٦) من آية ٢٨٣ من سورة البقرة.
[ ١ / ٣٩٨ ]
والاستدلال بهذه الآية من وجوه ثلاثة:
الوجه الأول: أن الله ﷿ وصف الرهن بالقبض، فوجب أن يكون شرطًا في صحته، كوصف الرقبة بالإيمان، والاعتكاف بالمسجد، والشهادة بالعدالة، ثم كانت هذه الأوصاف شروطًا، فكذا القبض (^١).
ونوقش: بالفرق، حيث إن ما ذكر صفات لأعيان، والرهن عقد، فيلزم بمجرده؛ إذ القبض صفة منفكة عنه.
الوجه الثاني: أنه ذكر غير الرهن من العقود ولم يصفها بالقبض، وذكر الرهن ووصفه بالقبض، فلا يخلو أن يكون وصف الرهن بالقبض إما لاختصاصه به، أو ليكون تنبيهًا على غيره، وأيهما كان فهو دليل على لزومه فيه (^٢).
ونوقش: بأن وصفه بالقبض لا يدل على عدم لزومه بالعقد.
الوجه الثالث: أن ذكر القبض يوجب فائدة شرعية لا تستفاد بحذف ذكره، ولا فائدة في ذكره إن لم يجعل القبض شرطًا في صحته (^٣).
ونوقش: بأنه لا يلزم أن يكون ذكره شرطًا للصحة، بل ذكر لتأكيد القبض، أو بناء على الغالب، بدليل أن العقد بدون قبض صحيح بالإجماع.
(١١٨) ٢ - ما رواه البخاري من طريق عامر، عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: " الظهر يركب بنفقته إذا كان مرهونًا " (^٤).
وجه الدلالة: أن النبي ﷺ أذن للمرتهن بركوب العين المرهونة مما يدل على القبض.
_________________
(١) الحاوي الكبير (٧/ ٩٧)، المغني (٦/ ٤٤٦).
(٢) الحاوي الكبير، مصدر سابق، (٧/ ٩٧).
(٣) المرجع السابق، وانظر: بدائع الصنائع (٦/ ١٣٧).
(٤) صحيح البخاري في الرهن/ باب الرهن مركوب (٢٥١١).
[ ١ / ٣٩٩ ]
ونوقش هذا الاستدلال: بأن مجرد قبض المرتهن للعين المرهونة لا يلزم منه أن يكون شرطًا للزوم، بل قد يكون بناء على الغالب، أو لزيادة التوثق، ونحو ذلك.
٣ - أن الرهن عقد إرفاق يفتقر إلى القبول، فافتقر إلى القبض كالقرض (^١).
ونوقش من وجهين:
الوجه الأول: عدم المقيس عليه، فمن العلماء من يرى أن القبض يلزم بمجرد العقد.
الوجه الثاني: أنه استدلال مع الفارق، فالقرض لا ينتفع إلا بقبضه، والرهن يكون وثيقة وإن لم يقبض.
الترجيح:
الراجح -والله أعلم- لزوم الرهن بمجرد العقد، وعلى هذا فلا يصح وقفه بعد العقد؛ لما يترتب عليه من إبطال حق المرتهن من الوثيقة.
الأمر الثالث: أن يكون بدون إذن المرتهن، وبعد القبض:
للعلماء في هذه المسألة ثلاثة أقوال:
القول الأول: أنه لا يصح وقف المرهون.
وهو قول جمهور أهل العلم: المالكية، والشافعية، والحنابلة (^٢).
القول الثاني: أنه يصح وقف الراهن إن فكها من الرهن ولو بعد مدة، وإن لم يفكها فلا يصح الوقف.
_________________
(١) المغني، مصدر سابق، (٦/ ٤٤٦).
(٢) حاشية الدسوقي (٤/ ٧٧)، حلية العلماء (٤/ ٤٤٥)، الشرح الكبير مع الإنصاف (١٦/ ٣٧٥).
[ ١ / ٤٠٠ ]
وهو قول الحنفية (^١).
القول الثالث: صحة وقف الراهن للمرهون مطلقًا.
وهو قول عند الشافعية (^٢)، والحنابلة (^٣).
الأدلة:
أدلة القول الأول: (عدم الصحة مطلقًا)
استدل لهذا الرأي بما يلي:
١ - قوله تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ (^٤).
وجه الدلالة: دلت الآية على مشروعية الرهن، وفي تجويز وقف الرهن إبطال لحق المرتهن من الوثيقة، فلم يكن في مشروعيته فائدة.
(١١٩) ٢ - ما رواه أحمد من طريق جابر، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: " لا ضرر ولا ضرار " (^٥).
_________________
(١) أحكام الأوقاف للخصاف (ص ٣٤)، الإسعاف (ص ٢١).
(٢) حلية العلماء (٤/ ٤٤٥).
(٣) الإنصاف مع الشرح الكبير (١٢/ ٤١١).
(٤) من آية ٢٨٣ من سورة البقرة.
(٥) مسند الإمام أحمد ١/ ٣١٣. وأخرجه ابن ماجه في الأحكام/ باب من بنى في حقه ما يضر جاره (٢٣٤١) حدثنا محمد بن يحيى، حدثنا عبد الرزاق. والطبراني في الكبير (١١٨٠٦) من طريق محمد بن ثور، كلاهما (عبد الرزاق، ومحمد بن ثور) عن معمر، به. وأخرجه الدارقطني ٤/ ٢٢٨ من طريق داوود بن الحصين، وابن أبي شيبة كما في نصب الراية ٤/ ٣٨٤ من طريق سماك، كلاهما (داوود، وسماك) عن عكرمة، عن ابن عباس، به. الحكم على الحديث: تبين أن للحديث ثلاثة طرق: الطريق الأول: طريق جابر الجعفي، ضعيف؛ لضعف جابر، وفي التقريب ١/ ١٢٣، "جابر بن يزيد الجعفي أبو عبد الله الكوفي ضعيف رافضي". الطريق الثاني: طريق داود بن الحصين، ثقة إلا في عكرمة كما في التقريب ١/ ٢٣١. الطريق الثالث: طريق سماك بن حرب، صدوق، وروايته عن عكرمة خاصة مضطربة وقد تغير بآخر حياته، فكان ربما يلقن، كما في التقريب ١/ ٣٣٢. فالحديث إسناده ضعيف، وقد صح مرسلا من حديث عمرو بن يحي المازني عن أبيه -كما سيأتي- وله شواهد تقويه. وللحديث شواهد كثيرة، منها: حديث أبي سعيد ﵁: أخرجه الدارقطني ٣/ ٧٧، والحاكم ٢/ ٥٧، والبيهقي ٦/ ٦٩ من طريق عثمان بن حمد حدثنا الدراوردي عن عمرو بن يحيى المازني عن أبيه عن أبي سعيد، قال البيهقي: "تفرد به عثمان بن محمد عن الدراوردي" وتعقبه ابن التركماني بمتابعة عبد الملك بن معاذ النصيبي عن الدراوردي به كما في التمهيد كما في نصب الراية ٤/ ٣٨٥، ولهذا صححه الحاكم على شرط مسلم ووافقه الذهبي. والدراوري صدوق كان يحدث من كتب غيره فيخطئ كما في التقريب (١/ ٥١٢)، وقد اختلف عليه فرواه الإمام مالك في الموطأ (٢/ ٧٤٥) من حديث عمرو بن يحيى عن أبيه مرسلًا، وسنده صحيح. ومنها حديث أبي هريرة ﵁: أخرجه الدارقطني ٤/ ٢٢٨، وأعله ابن رجب في شرح الأربعين حديث رقم (٣٢) فقال: وهذا إسناد فيه شك وابن عطاء هو يعقوب، وهو ضعيف ". ومنها حديث عبادة بن الصامت ﵁: أخرجه عبد الله في زوائد المسند ٥/ ٣٢٦، وابن ماجه (٢٣٤٠) وهو ضعيف؛ لضعف إسحاق بن يحيى، والانقطاع بين عبادة وحفيده إسحاق.
[ ١ / ٤٠١ ]
وفي وقف المرهون ضرر بالمرتهن.
٣ - القاعدة الفقهية: (أن المشغول لا يشغّل).
٤ - أن في وقف الراهن للمرهون إبطالًا لحق المرتهن، فيحرم، والوقف قربة، ولا يتقرب بالمحرمات وإسقاط الحقوق (^١).
_________________
(١) ينظر: الشرح الكبير مع الإنصاف (١٦/ ٣٧٥).
[ ١ / ٤٠٢ ]
دليل القول الثاني: (الصحة إن كان الرهن موسرًا)
أن الرهن مجرد وثيقة، ووقفه لا يضيع حق المرتهن مع الاحتياط له بما ذكر من شرط إمكان الرجوع على الموسر.
ونوقش: بأنه لا يسلّم أن حق المرتهن لا يضيع، بل يضيع حقه من الوثيقة؛ إذ الموسر قد يعسر، وقد يماطل.
أدلة القول الثالث: (الصحة مطلقًا)
استدل للقول بصحة وقف المرهون بما يلي:
١ - أن الوقف صدر من مالك، فيصح؛ لصدوره من أهله.
ونوقش: بالتسليم، لكن هذا الملك غير متمحض؛ لتعلق حق المرتهن.
٢ - القياس على العتق، فكما يصح عتق الراهن كذا وقفه؛ لبناء العتق على السراية والتغليب (^١).
ونوقش: بعدم تسليم عتق المرهون؛ لتعلق حق المرتهن، فلا يتقرب إلى الله ﷿ بإسقاط الحق.
الترجيح:
الراجح -والله أعلم- عدم صحة وقف المرهون من قبل الراهن؛ لقوة دليله، وضعف القولين الآخرين بمناقشتهما.
_________________
(١) الشرح الكبير مع الإنصاف (١٢/ ٤١١).
[ ١ / ٤٠٣ ]