باتفاق العلماء صحة وقف البالغ الرشيد، واختلف العلماء ﵏ في حكم وقف السفيه على قولين:
القول الأول: عدم صحة وقف السفيه.
بهذا قال أبو يوسف، ومحمد بن الحسن من الحنفية (^٢)، وهو مذهب
_________________
(١) السفه: مصدر سَِفه يسفه، من باب تعب. ضد الحلم، ومعناه في اللغة: الخفة، والجهل، والحركة. ينظر: القاموس المحيط ص (١٦٠٩)، والمصباح المنير (١/ ٣٣٠) مادة (سفه). والسفه في الاصطلاح: هو تبذير المال وإتلافه على خلاف مقتضى الشرع والعقل. الدر المختار ٩/ ٢٠٨، والتعريفات للجرجاني ص (١١٩). فالسفيه هو من يبذر ماله سرفا في لذاته من الشراب والفسق وغيره، ويسقط فيه سقوط من لم يعد المال شيئا، وأما من أحرز المال وأنماه وهو فاسق في حاله غير مبذر لماله فليس سفيها. ينظر: كشاف اصطلاحات الفنون (٢/ ٤٥٢ - ٤٥٣). وإلى هذا المعنى ذهب جمهور أهل العلم فالرشد عندهم: صلاح الإنسان في ماله. فهو مذهبسس الحنفية، والمالكية والحنابلة، وهو قول مرجوح عند الشافعية. وقد فرق الإمام مالك بين الغلام والجارية فقال: الجارية لا يفك عنها الحجر، ولا يرتفع السفه إذا بلغت حتى تتزوج ويدخل بها، وتكون حافظة لما لها، وهذا الفرق رواية عن أحمد. أما القول الراجح عند الشافعية في معنى السفه فهو: التبذير في المال، والفساد فيه وفي الدين معا، فلا يعطى الصبي ماله بعد البلوغ إلا إذا تحقق فيه صلاح الدين وإصلاح المال، فعلى هذا لا يدفع المال إلى الصبي الذي بلغ وهو فاسق، وإن كان رشيدا في إنماء ماله وإصلاحه والمحافظة عليه. ينظر: تبيين الحقائق (٥/ ١٩٢)، مواهب الجليل (٥/ ٦٤)، روضة الطالبين (٤/ ١٨١)، مغني المحتاج (٢/ ١٨٦)، المغني لابن قدامة (٦/ ٦٠٧)، رحمة الأمة في اختلاف الأئمة ص (١٥٤)، صيغ العقود ص ٣٤٥.
(٢) بدائع الصنائع (٧/ ١٧١)، تبيين الحقائق (٥/ ١٩٢)، مصدران سابقان.
[ ١ / ٣٢٠ ]
المالكية (^١)، والشافعية (^٢)، والحنابلة (^٣).
لكن عند أبي يوسف: يصح وقفه ما لم يحجر عليه القاضي.
وعند المالكية، والشافعية، والحنابلة: إن بلغ سفيهًا استمر الحجر عليه، وإن رشد ثم سفه حجر عليه القاضي.
وعند الجمهور: لا يصح وقفه مطلقًا.
واستثنى بعض الحنفية: صحة وقف السفيه إذا وقف على نفسه، ثم على جهة لا تنقطع (^٤).
واستثنى آخرون: أنه يصح وقفه بإذن القاضي على ولده (^٥).
القول الثاني: صحة وقف السفيه، وبه قال الإمام أبو حنيفة رحمة الله.
جاء في بدائع الصنائع (^٦): " أما السفيه فعند أبي حنيفة -عليه الرحمة - ليس بمحجور عن التصرفات أصلا، وحاله وحال الرشيد في التصرفات سواء " (^٧).
_________________
(١) مواهب الجليل (٥/ ٦٥)، الذخيرة (٤/ ٢٠٧)، مصدران سابقان.
(٢) روضة الطالبين (٤/ ١٨٣)، مغني المحتاج (٢/ ١٧٢)، حواشي الشرواني وابن قاسم ٦/ ٢٣٦.
(٣) المغني (٦/ ٦١٣)، المبدع (٤/ ٣٤٤)، كشاف القناع (٣/ ٤٥٢).
(٤) فتح القدير، مصدر سابق، ٥/ ٣٨.
(٥) منحة الخالق على البحر الرائق ٥/ ٢٠٣.
(٦) .. (٧/ ١٧١).
(٧) تبيين الحقائق (٥/ ١٩٢).
[ ١ / ٣٢١ ]
الأدلة:
استدل جمهور الفقهاء بما يلي:
١ - قوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ (^١).
وجه الدلالة: أن الله علق دفع أموال اليتامى إليهم على شرطين -هما البلوغ والرشد- والحكم المعلق على شرطين لا يثبت بدونهما (^٢)، فدلت على أن البالغ السفيه لا يدفع إليه ماله، بل يمنع من التصرف فيه حتى يرشد، ومن ذلك الوقف (^٣).
ونوقش هذا الاستدلال: بأن الآية تدل على منع المال من اليتيم إلى أن يؤنس منه الرشد بعد البلوغ، وليس في الآية ما يدل على الحجر عليه عن التصرف (^٤).
وأجيب عن هذه المناقشة: بأن منع المال منه لا يفيد شيئًا إذا كان تصرفه نافذًا؛ لأنه يتلف ماله بنفوذ تصرفه وإقراره، ثم لو كان تصرفه نافذًا لسلم إليه ماله كالرشيد، فإنه إنما يمنع ماله حفظًا له، فإذا لم يتحفظ بالمنع وجب تسليمه إليه بحكم الأصل (^٥).
_________________
(١) من آية ٦ من سورة النساء.
(٢) انظر: معرفة السنن والآثار عن الإمام الشافعي للبيهقي (٤/ ٤٦٥)، كشف الأسرار لعبد العزيز البخاري (٤/ ٦٠٣)، المغني لابن قدامة (٦/ ٥٩٦).
(٣) روى مسلم في صحيحه (٣/ ١٤٤٤)، ح (١٨١٢) عن ابن عباس ﵄ أنه سئل عن انقضاء يتم اليتيم فقال: " فلعمري إن الرجل لتنبت لحيته وإنه لضعيف الأخذ لنفسه ضعيف العطاء منها، فإذا أخذ لنفسه من صالح ما يأخذ الناس فقد ذهب عنه اليتم ".
(٤) المبسوط (٢٤/ ١٦٠)، البناية بشرح الهداية (١٠/ ١٠٩ - ١١٠).
(٥) المغني لابن قدامه، مصدر سابق، (٦/ ٥٩٦).
[ ١ / ٣٢٢ ]
٢ - قول الله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ (^١).
وجه الدلالة: أن الله جل وعلا أثبت الولاية على السفيه، وجعله مسلوب العبارة في الإقرار، وذلك لا يتصور إلا بالحجر عليه (^٢).
ونوقش الاستدلال بالآية من وجهين:
الوجه الأول: أن صدر الآية وهو قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ (^٣) يقتضي أنَّ السفيهَ يداين ويعامل، وهو مقتضٍ لنفاذ تصرفه وعدم الحجر عليه، فتكون الآية دليلًا على المستدل لا له (^٤).
الثاني: أن المراد بالسفيه في الآية هو المجنون والصبي، وعلى هذا كثير من أهل التأويل، لأن السفه انعدام العقل أو نقصانه (^٥).
وأجيب عن الوجه الأول من المناقشة: بأن الاستثناء في الآية أخرج السفيه، والضعيف، والذي لا يستطيع أن يمل عن المداينة، وقد جمعهم الله ﵎ بحرف العطف، والعطف يقتضي التسوية، فاقتضى اشتراكهم في الحكم (^٦) كما يقتضي كون العطف بـ (أو) المغايرة في المعنى (^٧).
وأجيب عن الوجه الثاني: بعدم التسليم بأن المراد بالسفيه: الصبي
_________________
(١) من آية ٢٨٢ من سورة البقرة.
(٢) المبسوط (٢٤/ ١٧٥)، الذخيرة للقرافي (٨/ ٣٤٥)، معرفة السنن والآثار عن الإمام الشافعي للبيهقي (٤/ ٤٦٤)، المغني لابن قدامة (٢/ ٥٠٢).
(٣) من آية ٢٨٢ من سورة البقرة.
(٤) البناية للعيني (١٠/ ١٠٥)، الذخيرة للقرافي (٨/ ٢٤٦).
(٥) المبسوط (٢٤/ ١٦١)، البناية (١٠/ ١٠٥)، مصدران سابقان.
(٦) الذخيرة للقرافي، مصدر سابق، (٨/ ٢٤٦).
(٧) التفسير الكبير للرازي (٣/ ٩٣)، جامع البيان للطبري (٣/ ١٢٢).
[ ١ / ٣٢٣ ]
والمجنون؛ لأنَّ السَّفَهَ يقابلُهُ الرُّشد، وليس البلوغ والعقل، فالبلوغ يقابل بالصبي، والعقل يقابل بالجنون، وعليه يراد بالسفيه في الآية: من ليس برشيد (^١).
وقالوا أيضا: لأنَّ السَّفهَ اسم ذم، ولا يذم الإنسان على ما لم يكتسبه، والقلم مرفوع عن غير البالغ العاقل، فالذم والحرج منفيان عنهما (^٢).
٣ - قول الله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ (^٣).
وجه الدلالة: أن المراد بقوله: ﴿أَمْوَالَكُمُ﴾ أي: أموالهم فأضاف الأموال إلى الأولياء -مع كونها للسفهاء-؛ لأنهم القوامون عليها والمتصرفون فيها، فكانت الآية نصا في إثبات الحجر على السفيه والنظر له، فإن الولي هو الذي يباشر التصرف في مال السفيه على وجه النظر له (^٤).
والدليل على أنه خطاب للأولياء في أموال اليتامى: قوله تعالى بعد ذلك: ﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ﴾ (^٥).
ونوقش هذا الاستدلال من وجهين:
الأول: أن المراد بالسفهاء في الآية الصبيان، أو المجانين (^٦).
الثاني: أن المراد نهي الأزواج عن دفع المال إلى النساء وجعل التصرف
_________________
(١) الذخيرة، مصدر سابق، (٨/ ٢٤٥).
(٢) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي، مصدر سابق، (٣/ ٢٥٠).
(٣) من آية ٥ من سورة النساء.
(٤) المبسوط (٢٤/ ١٥٧)، كشف الأسرار لعبد العزيز البخاري (٤/ ٧٠٢ - ٧٠٣)، الذخيرة (٨/ ٢٤٥)، المغني لابن قدامة (٦/ ٥٩٦)، أحكام صدقة التطوع ص ٢٥٠.
(٥) الكشاف للزمخشري، مصدر سابق، (١/ ٥٠٢ - ٥٠٣).
(٦) المبسوط (٢٤/ ١٦١)، وانظر: البناية (١٠/ ١٠٥).
[ ١ / ٣٢٤ ]
إليهن كما كانت العرب تفعله بدليل أنه قال: ﴿أَمْوَالَكُمُ﴾ وذلك يتناولوا أموال المخاطبين بهذا النهي لا أموال السفهاء (^١).
وأجيب عن الوجه الأول: بما تقدم من أنَّ السَّفَهَ يقابله الرشد لا البلوغ والعقل (^٢).
وأيضا يقال: على فرض إرادة الصبيان والمجانين في الآية، فإن لفظ السفهاء عام في كل سفيه، فيدخل فيه الصبيان والمجانين، وغيرهم من السفهاء.
يقول الطبري: "والصواب من القول في تأويل ذلك عندنا أن الله جل ثناؤه عم بقوله: ﴿ولا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ فلم يخصص سفيهًا دون سفيه، فغير جائز لأحد أن يؤتي سفيهًا ماله صبيًَّا صغيرًا كان أو رجلًا كبيرًا ذكرًا كان أو أنثى".
والسفيه الذي لا يجوز لوليه أن يؤتيه ماله هو المستحق الحجر بتضييعه ماله وفساده وإفساده، وسوء تدبيره ذلك (^٣).
أما الجواب عن الوجه الثاني:
فيقول الطبري ﵀: " وأما قول من قال: عنى بالسفهاء النساء خاصة، فإنه جعل اللغة على غير وجهها؛ وذلك أن العرب لا تكاد تجمع فعيلا على فعلاء إلا في جمع الذكور، أو الذكور والإناث، وأما إذا أرادوا جمع الإناث خاصة لا ذكران معهم، جمعوه على فعائل، وفعيلات، مثل غريبة تجمع: غرائب، غريبات، فأما الغرباء فجمع غريب " (^٤).
_________________
(١) انظر: المصدرين نفسيهما.
(٢) وينظر: بقية الجواب في الصفحة السابقة.
(٣) جامع البيان للطبري، مصدر سابق، (٣/ ٢٤٧).
(٤) المصدر السابق (٣/ ٢٤٨).
[ ١ / ٣٢٥ ]
وأما قوله تعالى: ﴿أَمْوَالَكُمُ﴾ فتقدم في وجه الدلالة من الآية، وجه كون المراد به أموال السفهاء.
وعلى فرض أن المراد بقوله: ﴿أَمْوَالَكُمُ﴾ أي أموال المخاطبين، فإن الآية لا تخرج عن أن تكون دليلًا للحجر على السفهاء، لأنهم يكونون محجورًا عليهم في أموال المخاطبين، فلا تُدفع إليهم؛ لأنهم لا يحسنون التصرف بها.
(٨٢) ٤ - ما رواه البيهقي من طريق أحمد بن عبيد، حدثنا إسماعيل بن الفضل البلخي، حدثنا سهل بن عثمان، حدثنا حفص، عن الأعمش، عن الشعبي، عن النعمان بن بشير ﵄ أن النبي ﷺ قال: "خذوا على أيدي سفهائكم" (^١) (^٢).
٥ - إقرار النبي ﷺ لقرابة حبان بن منقذ على طلبهم الحجر عليه (^٣).
ولو كان الحجر على السفيه غير سائغ لما طلبوه، ولما أقرهم النبي ﷺ على طلبهم، بل إنه دعا حبان وطلب منه الامتناع عن البيع.
_________________
(١) شعب الإيمان للبيهقي ١٣/ ٢٦٢. وأخرجه البغوي في شرح السنة (٤١٥٢) من طريق الأجلح عن الشعبي. وأخرجه الطبراني في المعجم الكبير -كما في الجامع الصغير للسيوطي، مع فيض القدير للمناوي ٣/ ٤٣٥، ح (٣٨٩٤) واللفظ له، وقال المناوي: (وأخرجه أبو الشيخ والديلمي)، وأخرجه الديلمي في مسند الفردوس ٢/ ١٦٧، والحديث رمز له السيوطي بالضعف، ٥/ ٣٠٩ (ح ٢٢٨٤)، وفي إسناده (أحمد بن عبيد بن ناصح) قال الحافظ ابن حجر فيه: (لين الحديث) تقريب التهذيب ص ٩٥ (٧٨).
(٢) مغني المحتاج ٢/ ١٧٠.
(٣) حديث حبان بن منقذ: أخرجه الترمذي (٣/ ٥٥٢) ح (١٢٥٠)، وأبو داود (٣/ ٢٨٢) (٣٥٠٠)، والبيهقي في السنن الكبرى ٦/ ٦٢، والدارقطني في سننه ٢/ ٣١١، ٣٢١، من حديث عبد الله بن عمر، وأصل الحديث في الصحيحين: البخاري ٥/ ٨٨ (٢٤١٤)، ومسلم ٣/ ١١٦٥ (١٥٣٣).
[ ١ / ٣٢٦ ]
وأما عدم حجر النبي ﷺ عليه، فلا يبطل إقراره ﵊، ودلالته على مشروعية الحجر؛ لأنه يرد عليه عدة احتمالات منها: احتمال الخصوصية (^١) (^٢).
(٨٣) ٦ - ما رواه البخاري ومسلم من طريق عمرو بن دينار، عن جابر ﵄ أنَّ رجلًا من الأنصار أعتق غلامًا له عن دبر ولم يكن له مال غيره، فبلغ ذلك النبي ﷺ، فقال: "من يشتريه مني؟ فاشتراه نعيم بن عبد الله بثمانمئة درهم فدفعها إليه " (^٣).
وجه الاستدلال: ردَّ النبيُّ ﷺ عتق من أعتق عبدًا له عن دبر، ولا مال له غيره، كما أشار إلى ذلك البخاري وترجم عليه: " باب من رد أمر السفيه والضعيف العقل وإن لم يكن حجر عليه الإمام " (^٤).
(٨٤) ٧ - ما رواه الإمام مالك: عن عمر بن عبد الرحمن بن دلاف المزني، عن أبيه: أنَّ رجلًا من جهينة كان يسبق الحاج، فيشتري الرواحل فيغلي بها، ثم يسرع السير فيسبق الحاج فأفلس فرفع أمره إلى عمر بن الخطاب، فقال: " أما بعد: أيها الناس فإن الأسيفع أسيفع جهينة رضي من دينه وأمانته بأن يقال سبق الحاج، ألا وإنه قد دان معرضا فأصبح قد دين به، فمن كان له عليه دين فليأتنا بالغداة نقسم ماله بينهم، وإياكم والدين فإن أوَّلَه هَمٌّ، وآخره حرب" (^٥).
_________________
(١) كما في رواية الدارقطني.
(٢) المبسوط للسرخسي ٢٤/ ١٥٧، ١٦١، وأحكام تصرفات السفيه (ص ٤٤ - ٤٥).
(٣) صحيح البخاري في كفارات الأيمان/ باب عتق المدبر (٦٧١٦)، ومسلم في الأيمان/ باب جواز بيع المدبر (٤٣٣٨).
(٤) الروضة الندية لصيق حسن ٢/ ٣٤٨.
(٥) موطأ مالك (٢/ ٧٧٠). وأخرجه البيهقي ٦/ ٤٩، و١٠/ ١٤١ من طريق ابن بكير، والدارقطني في غرائب مالك (كما في التلخيص ٣/ ٤٧) من طريق ابن مهدي، والدارقطني معلقًا (في الموضع السابق) من طريق ابن وهب، ثلاثتهم عن مالك، وأخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ٥٣٦ عن ابن أدريس، والدارقطني في العلل ٢/ ١٤٧ معلقًا من طريق زهير بن معاوية، وعبدة بن سليمان، وأبي حمزة، ويحيى القطان، خمستهم عن عبد الله بن عمر، والدارقطني في العلل ٢/ ١٤٧ - ١٤٨ من طريق أبي بكر الهذلي، وعبيد الله العمري، وموسى بن عبيد، وعبد الرزاق كما في التلخيص ٣/ ٤٧ من طريق زياد بن سعد، خمستهم (عبد الله بن عمر، والهذلي، والعمري، وموسى بن عبيدة، وزياد بن سعد) عن عمر بن عبد الرحمن، به. زاد عبد الله بن عمر -في قول الجماعة- بعد قوله: "عن أبيه" عن بلال بن الحارث، وجعل -في قول يحيى القطان- بدل قوله: "عن أبيه" "عن عمه"، ولم يذكر موسى بن عبيدة: " عن أبيه ". وفي حديثهم زيادة: " لا يغرنكم صيام امرئ ولا صلاته ولكن انظروا إلى صدقه إذا حدث، وإلى أمانته إذا أؤتمن، وإلى ورعه إذا استغنى ". وأخرجه عبد الرزاق كما في التلخيص ٣/ ٤٧، عن معمر، والبيهقي ٦/ ٤٩، ١٠/ ١٤١ معلقًا من طريق ابن علية، كلاهما عن أيوب: قال في رواية معمر " ذكر بعضهم "، وقال في رواية ابن علية " نبئت عن عمر " فذكره بنحوه في أوله. الحكم عليه: إسناده ضعيف؛ لأجل الانقطاع، فإن بين دلاف وعمر رجل، كما أنه وقع فيه اختلاف على عمر بن عبد الرحمن بن دلاف على أوجه كما في تخريجه (تخريج أحاديث القرض ٤٧).
[ ١ / ٣٢٧ ]
(٨٥) ما رواه الشافعي من طريق يعقوب بن إبراهيم، عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: ابتاع عبد الله بن جعفر بيعًا، فقال علي ﵁: " لآتينَّ عثمان فلأحجرنَّ عليك، فأعلم ذلك ابن جعفر للزبير فقال: أنا شريكك في
[ ١ / ٣٢٨ ]
بيعك، فأتى علي عثمان فقال: احجر على هذا، فقال الزبير: أنا شريكه، فقال عثمان: أحجر على رجل شريكه الزبير؟ " (^١).
_________________
(١) مسند الشافعي ١/ ٣٨٤. وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٨/ ٢٦٧)، وعبد الله بن الإمام أحمد في العلل (٣/ ٣٧١) ومن طريقه الخطيب في تاريخ بغداد (١٤/ ٢٤٢)، والدارقطني (٤/ ٢٣١)، والبيهقي (٦/ ٦١)، وفي معرفة السنن والآثار (٤/ ٣٦٥٦)، وابن حزم في المحلى (٧/ ١٤٨) كلهم من طريق يعقوب بن إبراهيم وهو أبو يوسف القاضي، عن هشام … به. إلاَّ أنَّ عبد الرزاق رواه عن رجل سَمِعَ هشام … فذكره. ورواه عن أبي يوسف جمع: محمد بن الحسن، كما عند الشافعي، وعمرو الناقد، كما عند عبد الله ابن الإمام أحمد، وسريج بن يونس، كما عند الدارقطني. واحتجَّ بهذا الأثر الشافعيُّ في الأم (٣/ ٢٢٠). وقال ابن الملقن في خلاصة البدر المنير (٢/ ٨٦): " رواه الشافعي والبيهقي بإسنادٍ حسنٍ". وقال الإمام أحمد كما في العلل: "لم نسمع هذا إلا من أبي يوسف القاضي"، وذكر ذلك –أيضًا- ابنه صالح في مسائله (٣/ ٧). قال البيهقي: يُقال: " إنَّ أبا يوسف تفرَّد به وليس كذلك، ثم أخرجه من طريق علي بن عثام يقول: حدثني محمد ابن القاسم الطلحي، عن الزبير بن المديني قاضيهم، عن هشام بن عروة، عن أبيه، أنَّ عبد الله بن جعفر اشترى أرضًا بستمئة ألف درهم قال: فهم علي وعثمان أن يحجرا عليه، قال فلقيت الزبير، فقال: ما اشترى أحد بيعًا أرخص مما اشتريت، قال: فذكر له عبد الله الحجر، قال: لو أنَّ عندي مالًا لشاركتك، قال: فإني أقرضك نصف المال، قال: فإني شريكك، قال: فأتاهما عليٌّ وعثمان وهما يتراوضان، قال: ما تراوضان؟! فذكرا له الحجر على عبد الله بن جعفر فقال: أتحجران على رجل أنا شريكه؟ قالا: لا لعمري. قال: فإني شريكه. فتركه ". وقد تحرَّف اسم الزبير عند البيهقي إلى الزبير بن المديني، مما جعل الألبانيَّ ﵀ يقول كما في الإرواء (٥/ ٢٧٤): "لم أجد له ترجمة"، ونقله عن البيهقيّ على الصواب ابن حجر في التلخيص" (٣/ ٤٣). وقد ترجم له ابنُ أبي حاتم في الجرح والتعديل (٨/ ١١٢) وقال أبو حاتم عنه: " شيخ كتبتُ عنه بالمدينة، ما رأينا به بأسًا ". وضعَّف هذا الأثر ابن حزم في المحلى (٧/ ١٥٧) من جهة متنه، وقال عن هذا الأثر: " نُنكره جدًَّا ". ورواه ابن حزم في المحلى (٧/ ١٤٨) من طريق أبي عبيد، حدثني عفان بن مسلم، عن حماد بن زيد، عن هشام بن حسان، عن ابن سيرين قال: قال عثمان لعلي: " ألا تأخذ على يدي ابن أخيك -يعني عبد الله بن جعفر- وتحجر عليه اشترى سبخة بستين ألفا ما يسرني أنها لي بنعلي " وليس فيه ذكرٌ للزبير. وهذا مختصر، وروي مُطوَّلًا ذكره ابن حزم في المحلى (٧/ ١٥٧) من طريق حماد بن زيد، عن أيوب السختياني، عن محمد بن سيرين، أنَّ عثمان قال لعلي: " خذ على يد ابن أخيك اشترى سبخة آل فلان بستين ألفا ما أحب أنها لي بنعلي "، وليس فيه ذكر الزبير أيضًا.
[ ١ / ٣٢٩ ]
وجه الدلالة: فعلي سأل عثمان الحجر على عبد الله، فدل على أنهما يريانه.
ونوقش: بأنه دليل لهم؛ لأنَّ عثمان ﵁ امتنع عن الحجر على عبد الله مع سؤال علي ﵁ له مما يدل على عدم جوازه، وسؤال علي لعثمان ﵄ لم يكن إلا على سبيل التخويف والتهديد (^١).
وأُجيب عن هذه المناقشة: بأن عبد الله بن جعفر والزبير لما اقتسما الغبن، صار نصيب كل واحد مما يغبن الرشيد في مثله عادة (^٢).
٩ - القياس على الصبي، حيث إن السفيه مبذر في ماله، فيحجر عليه لحظ نفسه كالصبي بل أولى؛ لأن الصبي إنما يحجر عليه لتوهم التبذير واحتمال وجوده منه، وهو متحقق الوجود في السفيه، فكان أولى بالحجر عليه منه (^٣).
_________________
(١) المبسوط، مصدر سابق، ٢٤/ ١٦١.
(٢) الذخيرة، مصدر سابق، ٨/ ٢٤٦.
(٣) الهداية ٥/ ٣١٥، المبسوط ٢٤/ ١٥٨، المغني لابن قدامة ٦/ ٥٩٦ - ٥٩٧.
[ ١ / ٣٣٠ ]
ونوقش هذا الاستدلال: بأنه قياسٌ مع الفارق، فلا يصح؛ لأن الصبي عاجز عن النظر لنفسه والسفيه قادر عليه لكمال عقله، فلا يصح قياس القادر على العاجز، قالوا: وأما جري السفيه على خلاف العقل فهو لسوء اختياره لا لعجزه (^١).
وأجيب: بأن عجز الصبي عن النظر لنفسه وسوء اختيار السفيه كليهما سبب في جري تصرفهما على خلاف ما يقضيه العقل والشرع، فساغ قياس أحدهما على الآخر لتحقق الوصف المقتضي للحكم في المقيس.
وحجة من قال: بجواز وقف السفيه على نفسه: قياسه على الوصية؛ إذ تصح منه، بجامع عدم الضرر في كل منهما، بل فيه مصلحة، وهي المحافظة على ماله لنفسه، وهو تثبيت المال.
وحجة من قال: يصح وقف السفيه بحكم القاضي: أن حكم القاضي يرفع الخلاف.
أدلة الرأي الثاني: (الجواز)
١ - قول الله تعالى: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ﴾ (^٢).
٢ - قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا﴾ (^٣).
وجه الدلالة: أن الآيتين نص في وجوب دفع مال اليتيم إليه بعد البلوغ (^٤)، فالمراد باليتامى في الآية الأولى: البالغون، وسموا يتامى لقرب عهدهم به (^٥).
_________________
(١) البناية، مصدر سابق، ١٠/ ١٠٤.
(٢) من آية ٢ من سورة النساء.
(٣) من آية ٦ من سورة النساء.
(٤) كشف الأسرار لعبد العزيز البخاري (٤/ ٦٠٣).
(٥) المصدر نفسه.
[ ١ / ٣٣١ ]
ومعنى الآية الثانية: النهي عن أكل أموال اليتامى مخافة أن يكبروا، فلا يبقى لهم عليهم ولاية، ويلزمهم دفع أموالهم إليهم، والتنصيص على زوال الولاية عن اليتامى بعد الكبر يكون تنصيصا على زوال الحجر عنهم بالكبر (^١).
ونوقش الاستدلال بالآيتين: بالتسليم بدلالتهما على وجوب دفع المال إلى اليتيم بعد البلوغ؛ غير أنهما مخصوصتان بآية النساء التي استدل بها الجمهور، والتي تدل على اشتراط الرشد مع البلوغ.
وأيضا هما مخصوصتان بما قبل الخمس والعشرين سنة لعلة السفه، وهو موجود بعد الخمس والعشرين فيجب أن تخصا به، كما أنهما مخصوصتان بالبالغ المجنون، فإنه يحجر عليه لأجل جنونه قبل الخمس والعشرين وبعده، فكذلك السفيه لورود ما يخصصه (^٢).
٣ - آيات الكفارات من الظهار والقتل وغيرهما، كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ (^٣)، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ (^٤).
ففي عموماتها بيان أن هذه الكفارات تجب على كل من يتحقق منه أسبابها شرعا، سفيها كان أو غير سفيه، وارتكاب هذه الأسباب اختيارا نوع من السفه، فدل على أنه مع السفه يتصور منه السبب الموجب لاستحقاق المال، ومن ضرورته أن لا يمنع من أداء ما لزمه شرعا، وبه يتبين أنَّ الحجر
_________________
(١) المبسوط السرخسي (٢٤/ ١٥٩)، كشف الأسرار لعبد العزيز البخاري (٤/ ٦٠٣).
(٢) المغني لابن قدامة (٦/ ٥٩٦)، وانظر: المبسوط (٢٤/ ١٦١ - ١٦٢)، أحكام صدقة التطوع ص ٢٥١.
(٣) من آية ٣ من سورة المجادلة.
(٤) من آية ٩٢ من سورة النساء.
[ ١ / ٣٣٢ ]
عن التصرفات ليس منه كثير فائدة؛ لتمكنه من إتلاف جميع ماله بهذه الأسباب (^١).
ونوقش: بأنَّ عمومَ الآيات مخصوص بالصغير والمجنون، فيخص أيضا بالسفيه؛ للأدلة الدالة على الحجر عليه، على أن ما ذكروه من تمكن السفيه من إتلاف جميع ماله بهذه الأسباب - مجرد احتمال، فمن الذي يأتي على كل ماله بالظهار أو القتل الخطأ، فإن هو فعل ذلك مرة فالكفارة مؤدبة له ألا يفعل ذلك مرة أخرى (^٢).
٤ - أن السفيه حر مخاطب عاقل، فيكون مطلق التصرف في ماله كالرشيد؛ لأن كونه مخاطبًا يثبت له أهلية التصرف، فإن التصرف كلام ملزم، والمحلية تثبت بكونه خالص ملكه، والملكية تثبت بالحرية، وبعدما صدر التصرف من أهله في محله لا يمنع نفوذه إلا لمانع، والسفه لا يصلح أن يكون مانعا لنفوذ التصرف؛ لأنه بسبب السفه لا يظهر نقصان عقله، ولكن السفيه يكابر عقله ويتابع هواه في التبذير مع علمه بقبحه وفساد عاقبته.
وهذا لا يكون معارضا في حق التصرف، كما لا يكون معارضا في توجه الخطاب عليه بحقوق الشرع (^٣).
ونوقش هذا الاستدلال: بأنه قياس في مقابلة النصوص التي تدل على الحجر على السفيه، والقياس في مقابلة النص فاسد الاعتبار.
وأيضا: فإن العلة غير متحققة في الفرع، فإن علته في الأصل كونه مخاطبا بالغًا رشيدًا، فالرشد جزء علة، ولم يوجد في السفيه (^٤).
_________________
(١) المبسوط، مصدر سابق، (٢٤/ ١٥٩).
(٢) حاشية رد المحتار ٩/ ٢١١ - ٢١٢.
(٣) المبسوط ٢٤/ ١٥٩، البناية ١٠/ ١٠٢.
(٤) المصدر نفسه.
[ ١ / ٣٣٣ ]
٥ - أن الحجر على السفيه وإبطال تصرفاته فيه ضرر عليه أشد من ضرر التبذير؛ لأن في حجره إلحاقه بالبهائم، وإهدار آدميته وهو أشد ضررا من التبذير، ولا يتحمل الأعلى لدفع الأدنى (^١).
ونوقش هذا الدليل: بعدم التسليم بأن الحجر على السفيه يقتضي إهدار كرامته وآدميته، فملكيته للمال محفوظة، غاية ما في الأمر أن يعين له ولي يرشده إلى التصرف الصحيح في المال، وفي هذا مصلحة للسفيه ومنعة له؛ إذ لو ترك وشأنه لبذر ماله وضيعه، وقضى عليه في وقت قصير، فيبقى بعد فقيرًا عالة على الناس.
الترجيح:
ترجح لي -والله أعلم بالصواب- القول بعدم صحة هبة السفيه؛ وذلك لأن السفيه محجور عليه لمصلحته ومنفعته، وليس من المصلحة تصحيح هبته، لضرره، ومن المصالح الضرورية التي اتفقت عليها الشرائع حفظ المال، وما استثناه الحنفية من صحة الوقف على نفسه له وجه.
_________________
(١) تبيين الحقائق (٥/ ١٩٣).
[ ١ / ٣٣٤ ]