وهي أن يأتي الواقف بلفظ دال على معنى وقف العين، والتصدق بمنفعتها، وهي الإيجاب مطلقًا، والقبول إذا كان على معين كما سيأتي.
الإيجاب لغة: الإلزام.
والقبول: مأخوذ من قبلت العقد أقبله قبولًا، بالفتح، وحكي بالضم، يقال: قبلت القول أي صدقته، وقبلت الهدية أي أخذتها (^١).
وفي الاصطلاح: عند جمهور أهل العلم: الإيجاب ما صدر من المالك (الواقف).
والقبول: ما صدر من متملك المنفعة الموقوف عليه.
_________________
(١) لسان العرب ١/ ٧٩٣، القاموس المحيط ١/ ١٤١، المصباح المنير ٢/ ٥٨٧.
[ ١ / ٢٢٦ ]
والألفاظ التي تستعمل في الصيغة -الإيجاب- قسمان:
١ - ألفاظ صريحة في الوقف.
٢ - ألفاظ كنائية في الوقف.
أولًا: الألفاظ الصريحة في الوقف:
وهي ما اشتهر استعمالها في معنى الوقف، فيصير وقفا بها من غير انضمام أمر زائد إليها.
أو ما لا تحتمل إلا الوقف.
وهي ثلاثة ألفاظ: ١ - الوقف ٢ - الحبس ٣ - التسبيل.
وهذا هو مذهب الشافعية (^١)، والحنابلة (^٢).
قال الماوردي ﵀ -: "فأما الصريح فثلاثة ألفاظ: الوقف، والحبس، والتسبيل" (^٣)، وقال ابن قدامة ﵀: " ألفاظ الوقف ستة، ثلاثة صريحة … فالصريحة: وقفت، وحبست، وسبلت" (^٤).
وعند المالكية على الراجح (^٥)، وبه قال بعض الشافعية (^٦)، وبعض الحنابلة (^٧): أن الصريح: لفظ: الوقف، والتحبيس.
_________________
(١) مغني المحتاج، مصدر سابق، (٢/ ٣٨٢).
(٢) الشرح الكبير مع الإنصاف (١٦/ ٣٦٦)، كشاف القناع (٤/ ٢٤٢).
(٣) الحاوي، مصدر سابق، ٧/ ٥١٩.
(٤) المغني، مصدر سابق، (٨/ ١٨٩).
(٥) شرح الخرشي على خليل (٧/ ٧٩).
(٦) المصادر السابقة للشافعية.
(٧) المصادر السابقة للحنابلة.
[ ١ / ٢٢٧ ]
وعند الحنفية (^١): الصيغة لا تخلو من أمور:
يشترط الحنفية على المعمول به لصحة الوقف أن يكون مؤبدا؛ بأن يكون آخره مشروطًا صراحة أو دلالة لجهة بر لا تنقطع، غير أنهم يختلفون في اشتراط ذكر التأبيد أو ما يقوم مقامه نصًا في صيغة الوقف.
فأبو يوسف ﵀ - لا يشترط ذكر التأبيد، وإنما يشترط خلو الصيغة عما ينافيه وهو المعتمد.
ومحمد ﵀: يشترط ذلك.
وعلى هذا فإذا ذكر الواقف جهة بر دائمة كالفقراء انصرف إليها بالاتفاق.
وإذا ذكر أناسا معينين وشرط انصراف الوقف بعدهم لجهة بر دائمة كالفقراء صح الوقف بالاتفاق.
وإذا ذكر أناسا معينين ولم يذكر بعدهم جهة دائمة، فإن اقتصر على لفظ الوقف مع حصره بأشخاص بطل بالاتفاق، وإن ذكر مع لفظ الوقف التأبيد أو لفظ صدقة بأن قال: عقاري صدقة موقوفة على فلان وفلان، أو هو وقف على أولادي أبدًا صح الوقف مؤبدًا عند أبي يوسف، وهو الأرجح عند فقهاء المذهب وينصرف بعد انقراض المعين إلى الفقراء، ولم يصح عند محمد (^٢).
وحجة الشافعية، والحنابلة ما يأتي:
١ - أما الوقف: فهو صريح بالعرف وكثرة الاستعمال، وانضم إلى ذلك عرف الشرع.
_________________
(١) الإسعاف (ص ١٠)، وحاشية ابن عابدين (٤/ ٣٤٩).
(٢) الحجة على أهل المدينة ٣/ ٦٥، بدائع الصنائع ٦/ ٢٢٠، الإسعاف ص ١٢، رد المحتار ٤/ ٣٤٨.
[ ١ / ٢٢٨ ]
٢ - وأما الحبس، والتسبيل: فهما صريحان بالعرف الشرعي في قوله ﷺ لعمر ﵁: "حبس الأصل، وسبل الثمرة " (^١).
وحجة القول الثاني:
قال الحارثي: " والصحيح أنه -لفظ التسبيل- ليس صريحًا "؛
١ - لقوله ﷺ: " حبس الأصل، وسبل الثمرة " (^٢).
غاير بين معنى التحبيس والتسبيل، فامتنع كون أحدهما صريحًا في الآخر.
٢ - أنه قد علم كون الوقف هو الإمساك في الرقبة عن أسباب التملكات، والتسبيل إطلاق التمليك، فكيف يكون صريحًا في الوقف؟ " (^٣).
ثانيًا: الألفاظ الكنائية في الوقف:
وهي ما كانت تحمل معنى الوقف ومعنى غيره، مثل: ١ - تصدقت ٢ - حرمت ٣ - أبدت.
قال ابن قدامة ﵀: " وأما الكناية فهي: تصدقت، وحرمت، وأبدت، فليست بصريحة " ثم قال: " فالصدقة تستعمل في الزكاة والهبات، والتحريم يستعمل في الظهار والأيمان ويكون تحريمًا على نفسه وعلى غيره، والتأبيد يحتمل تأبيد التحريم، وتأبيد الوقف، ولم يثبت لهذه الألفاظ عرف الاستعمال فلا يحصل الوقف بمجردها، فإن انضم إليها أحد ثلاثة أشياء حصل الوقف بها:
_________________
(١) تقدم تخريجه برقم (١).
(٢) تقدم تخريجه برقم (١).
(٣) الإنصاف مع الشرح الكبي، مصدر سابق، ر (١٦/ ٣٦٧).
[ ١ / ٢٢٩ ]
أحدها: أن ينضم إليها لفظة أخرى من الألفاظ الخمسة، فيقول: صدقة موقوفة أو محبسة أو مسبلة أو محرمة أو مؤبدة، أو يقول: هذه محرمة موقوفة، أو محبسة أو مسبلة أو مؤبدة.
والثاني: أن يصفها بصفات الوقف، فيقول: صدقة لا تباع، ولا توهب ولا تورث؛ لأن هذه القرينة تزيل الاشتراك.
والثالث: أن ينوي الوقف، فيكون على ما نوى، إلا أن النية تجعله وقفا في الباطن دون الظاهر؛ لعدم الإطلاع على ما في الضمائر، فإن اعترف بما نواه لزم في الحكم؛ لظهوره، وإن قال: ما أردت الوقف، فيقبل قوله؛ لأنه أعلم بما نوى " (^١).
وقد جعل الماوردي ﵀ ألفاظ الوقف ثلاثة أقسام:
١ - قسم صريح في الوقف، وهو ألفاظ: الوقف، والحبس، والتسبيل.
٢ - قسم كناية في الوقف، وهو لفظة: الصدقة.
٣ - وقسم ثالث مختلف في كونه صريحًا في الوقف أو كنايةً فيه، وهما لفظا: التحريم، والتأبيد (^٢).
فالوجه الأول: أنهما كناية؛ وذلك لأنهما لم يرد لهما عرف في الشرع ولا في اللغة، فلم يصح الوقف بمجردهما كلفظة التصدق.
الوجه الثاني: أنهما صريح؛ لأن التأبيد والتحريم في غير الأبضاع لا يكون إلا بالوقف، فحمل عليه (^٣).
_________________
(١) المغني، مصدر سابق، (٨/ ١٨٩).
(٢) الحاوي، مصدر سابق، ٧/ ٥١٩.
(٣) حلية العلماء (٦/ ٢١)، روضة الطالبين (٥/ ٣٢٣)، نهاية المحتاج (٢/ ٣٨٢).
[ ١ / ٢٣٠ ]
وعند المالكية: الألفاظ الصريحة: حبست، ووقفت، وما عداها لا ينعقد بها الوقف إلا إذا قارنها قيد (^١).
قال الخرشي: "يصح ويتأبد الوقف إذا قال: تصدقت على الفقراء والمساكين، أو على طلبة العلم، وما أشبه ذلك إذا قارنه قيد، كقوله: لا يباع ولا يوهب " (^٢).
فإن لم يكن قيد كان هبة.
وعند شيخ الإسلام ﵀: أن عقد الوقف ينعقد بما دل عليه العرف.
قال شيخ الإسلام ﵀: " وذلك أن الله ذكر البيع والإجارة والعطية مطلقًا في كتابه ليس لها حد في اللغة، ولا الشرع فيرجع فيها إلى العرف، والمقصود بالخطاب إفهام المعاني، فأي لفظ انعقد به مقصود العقد انعقد به، وعلى هذا قاعدة الناس إذا اشترى أحد لابنه أمة، وقال: خذها لك استمتع بها، ونحو ذلك كان ذلك تمليكًا عندهم " (^٣).
الأدلة:
دليل الجمهور: أن هذه الألفاظ المعينة هي وردت في السنة والآثار -كالوقف، والحبس، والتسبيل، والصدقة-، أو اقتضتها دلالة اللغة، فالتأبيد والتحريم دالان لغة على الدوام والاستمرار.
وأما دليل شيخ الإسلام:
١ - الأدلة الدالة على اشتراط رضا الواقف (^٤).
وجه الدلالة: أنه رضي بإخراج ملكه لله مؤبداُ على هذا الوجه.
_________________
(١) مواهب الجليل (٦/ ٢٧)، شرح منح الجليل (٤/ ٥٧).
(٢) شرح الخرشي، مصدر سابق، (٧/ ٧٩).
(٣) الفتاوى الكبرى، مصدر سابق، ٤/ ١٦٩.
(٤) ينظر: شرط رضا الواقف، مصدر سابق.
[ ١ / ٢٣١ ]
(٤٠) ٢ - ما رواه البخاري ومسلم من طريق ابن أبي حازم، عن سهل بن سعد ﵁، وفيه قوله ﷺ: " اذهب فقد ملكتها بما معك من القرآن " (^١).
فدل الحديث على أن النكاح ينعقد بغير لفظ الإنكاح أو التزويج، بل بما دل عليه العرف.
(٤١) ٣ - ما رواه البخاري ومسلم من طريق ثابت وشعيب بن الحبحاب، عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ: "أعتق صفية، وجعل عتقها صداقها" (^٢).
وجه الدلالة كسابقه.