لقد سبق أن ذكرت الأدلة على مشروعية الوقف وفضله ولم أفرق بين الوقف الذري، والوقف الخيري، مما يدل على أن تلك الأدلة تبين حث الشارع وندبه إلى الإنفاق والتصدق على سبيل الوقف في وجوه البر
_________________
(١) من آية ٣٤ من سورة آل عمران.
[ ١ / ١٨٢ ]
المختلفة، سواء كانت على جهات خاصة كالقرابة والذرية، أم على جهات عامة كالفقراء والمساكين، مما يدل على مشروعية الوقف بنوعيه: الذري والخيري، لكن المتأمل في كثير من الأدلة التي وردت عن وقوف الصحابة -رضوان الله عليهم-يجد أن قسما كبيرا منها كانت على الذرية، والقرابة، وكان غرضهم من ذلك التقرب إلى الله تعالى وابتغاء مرضاته (^١)، ولعلي أورد بعضا منها في هذا الموضع.
(٣٧) روى البيهقي: أخبرنا أبو سعيد يحيى بن محمد بن يحيى المهرجاني الخطيب، ثنا أبو بحر البربهاري، ثنا بشر بن موسى، ثنا أبو بكر عبد الله بن الزبير الحميدي قال: " وتصدق أبو بكر الصديق ﵁ بداره بمكة على ولده، فهي إلى اليوم، وتصدق عمر بن الخطاب ﵁ بربعه عند المروة وبالثنية على ولده، فهي إلى اليوم، وتصدق علي بن أبي طالب ﵁ بأرضه بينبع، فهي إلى اليوم، وتصدق الزبير بن العوام ﵁ بداره بمكة في الحرامية، وداره بمصر، وأمواله بالمدينة على ولده، فذلك إلى اليوم، وتصدق سعد بن أبي وقاص ﵁ بداره بالمدينة وبداره بمصر على ولده، فذلك إلى اليوم وعثمان بن عفان ﵁ برومة، فهي إلى اليوم، وعمرو بن العاص ﵁ بالوهط من الطائف وداره بمكة على ولده، فذلك إلى اليوم، وحكيم بن حزام ﵁ بداره بمكة والمدينة على ولده، فذلك إلى اليوم" قال: وما لا يحضرني ذكره كثير، يجزئ منه أقل مما ذكرت " (^٢).
_________________
(١) الوقف على الذرية/ كتاب مؤتمر الأوقاف الأول ٢/ ٦٣.
(٢) سنن البيهقي ٦/ ١٦١. إسناده معضل؛ الحميدي لم يدرك هؤلاء الذين روى عنهم. قال ابن حزم في المحلى ٩/ ١٨٠: " وحبس عثمان بئر رومة على المسلمين بعلم رسول الله ﵌ ينقل ذلك الخلف عن السلف، جيلا بعد جيل، وهي مشهورة بالمدينة، وكذلك صدقاته ﷺ بالمدينة مشهورة كذلك. وقد تصدق عمر في خلافته بثمغ، وهي على نحو ميل من المدينة وتصدق بماله وكان يغل مئة وسق بوادي القرى كل ذلك حبسا، وقفا، لا يباع ولا يشترى، أسنده إلى حفصة، ثم إلى ذوي الرأي من أهله. وحبس عثمان، وطلحة، والزبير، وعلي بن أبي طالب، وعمرو بن العاص: دورهم على بنيهم، وضياعا موقوفة. وكذلك ابن عمر، وفاطمة بنت رسول الله ﵌ وسائر الصحابة جملة صدقاتهم بالمدينة أشهر من الشمس، لا يجهلها أحد. وأوقف عبد الله بن عمرو بن العاص "الوهط" على بنيه، اختصرنا الأسانيد لاشتهار الأمر". وستأتي هذه الآثار، ينظر: الوقف على النفس.
[ ١ / ١٨٣ ]
(٣٨) قال الخصاف: حدثنا محمد بن عمر الواقدي، حدثنا محمد بن نجاد بن موسى بن سعد بن أبي وقاص، عن عائشة بنت سعد قالت: " صدقة أبي حبس لا تباع ولا توهب ولا تورث، وأن المردودة من ولده أن تسكن غير مضرة ولا مضر بها " (^١).
(٣٩) وما رواه البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني أحمد بن سهل، حدثنا إبراهيم بن معقل، حدثنا حرملة، حدثنا ابن وهب، حدثني مالك أن زيد بن ثابت ﵁ أنه حبس داره على ولده، وولد ولده، وعلى أعقابهم (^٢).
_________________
(١) أحكام الأوقاف (١٤). وأخرجه ابن شبة في أخبار المدينة (١/ ٢٢٧) من طريق الواقدي به. وأخرجه من طرق عنه، ولا يخلو أكثر طرقه من الواقدي، وهو متهم. وأخرجه البيهقي في سننه الكبرى (٦/ ١٦١) بإسناد معضل.
(٢) أخرجه البيهقي في سننه (٦/ ١٦١) قال: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني أحمد بن سهل، حدثنا إبراهيم بن معقل، حدثنا حرملة حدثنا ابن وهب، حدثني مالك: " أن زيد بن ثابت ﵁ كان قد حبس داره التي في البقيع وداره التي عند المسجد وكتب في كتاب حبسه على ما حبس عمر بن الخطاب ﵁. قال مالك: وحبس زيد بن ثابت عندي، قال: وكان زيد بن ثابت ﵁ يسكن منزلًا في داره التي عند المسجد حتى مات فيه، وقد كان عبد الله بن عمر ﵄ فعل ذلك حبس داره وكان يسكن مسكنًا فيها. وهذا الإسناد فيه ضعف، وذلك أن الإمام مالك لم يدرك ابن عمر ولا زيد بن ثابت ﵄، وذكر هذا الأثر عن مالك سحنون في مدونته (٤/ ٣٤٥).
[ ١ / ١٨٤ ]
فهذه الوقوف عن الجمع الكبير من صحابة رسول الله ﷺ تدل صراحة على مشروعية الوقف على الأولاد، وأن الواقف بهذا الوقف متى كان غرضه نبيلا وقصده كريما وهو تحقيق القربة والبر، فإن هذا الوقف يكون مشروعًا … (^١).
_________________
(١) الوقف على الذرية/ كتاب مؤتمر الأوقاف ٢/ ٦٣، أحكام الوقف على الذرية: د. محمد عبد الرحيم الخالد.
[ ١ / ١٨٥ ]