السبيل الأولى: الاهتمام بالأوقاف المجودة:
مع ما ذكرنا فيما سبق من ضياع أوقاف كثيرة في بلاد إسلامية عديدة،
_________________
(١) الباب التمهيدي.
[ ١ / ١٤٣ ]
فقد سلمت أوقاف كثيرة وهي في مواضع مثمنة جدًا، وهي كافية لسد كثير من حاجات الأمة، والواجب فيما نحن فيه المحافظة على هذه الأوقاف، والنظر في شروط الواقفين، ومدى الإفادة في صرف ريعها على سبل الخير المختلفة.
وعلى الجهات المسؤولة أن تجتهد فيما فيه وفرة الإنتاج منها، وأن تعمل على إشراك العلماء فيما يعرض من إشكال عند وجود الغبطة في المشاركة، أو المناقلة، أو البيع عند التهدم، ونقل الوقف إلى موضع آخر، والنظر في شرط الواقف، وإمكان تغييره إلى ما هو أصلح مما لا يخل بغرضه وقصده ، وغير ذلك مما يقتضيه الفقه، وتحتمه المصلحة، ويتحقق معه قصد الواقف، ويبتعد بذلك عن الوقوع في إضاعة المال.
السبيل الثانية: العمل على إعادة الضائع من أصول الوقف:
ضياع كثير من أعيان الوقف لأسباب كثيرة، ومن الواجب على الأمة وولاة الأمر فيها خاصة بذلك الجهد العظيم في العمل على إعادة هذه الأوقاف، وقد يزع الله بالسلطان ما لا يزع بالقرآن، والنظر في إمكانية الإفادة من هذه الأوقاف وصرف ريعها على سبل الخير.
فللسلطان بهيبته وأعوانه، وما يستطيع به أن يعيد الأمر إلى نصابه، وأن يجعل من عمله هذا باعثًا للأحياء على الاقتداء بالأموات؛ وذلك لما يشاهده الأحياء من وفرة الحرمة لوقفهم بعد الممات.
السبيل الثالثة: وضع خطة اقتصادية ترعى حاجات الأمة فيما يتعلق بالوقف:
رأينا فيما سبق كيف كان الوقف رافدًا مهمًا في سبل الخير، والدور الذي كان يقوم به في تخفيف العبء عن بيت المال، وذلك بتكلفه بجوانب مهمة الاهتمام بها كفيل بإعادة الهيبة للأمة لتنزل الرحمة.
ولهذا فإني أرى أن من أهم السبل في دعم الوقف أن تتولى الجهات
_________________
(١) (تعليق الشاملة): في المطبوع «وقده»، والظاهر أن الصواب ما أُثْبِتَ، والله أعلم.
[ ١ / ١٤٤ ]
المسؤولة عن الوقف أمر القيام بوضع خطة اقتصادية ترعى حاجات الأمة في هذا الجانب، وعليها في ذلك أن تستقطب الخبراء من أهل الاقتصاد، وعلماء الاجتماع، والتخطيط والإدارة، وبلاد الإسلام مليئة منهم، حتى إذا تم إعداد هذه الخطط طرحت هذه المشاريع، وعرضت على أثرياء الأمة، بتكلفتها، والمردود المرجو منها.
فهذا أفضل في نظري من الدعوة المجردة للبذل، أو للوقف، وفي ظني ومن واقع ما نشاهده من انبعاث جانب البذل والإنفاق في سبيل الله من نفر غير قليل من أثرياء الأمة، أن هذا من أنجح السبل، وأنجع الدواء.
السبيل الرابعة: قيام مؤسسات اقتصادية ترعى الأوقاف على العلم، ومن ذلك الجامعات:
تقدمت في وقتنا علوم الاقتصاد، وقننت أنظمة الإدارة، والمحاسبة، وشؤون المال فحسمًا لباب الاسترخاء، وقطعًا للظنون المثبطة -أن تكون الجهة الناظرة، هي المحاسبة- ينبغي العمل على إيجاد مؤسسات متخصصة، تقوم على إدارة الوقف فتأخذه من وزارة الأوقاف، أو من صاحبه إذا رغب، بجزء معلوم من ريعه على أن تخضع هذه المؤسسات لرقابة قضائية مشتركة، وتخضع لنظام محاسبي واضح، ومنشور.
وبهذا تحل عقدة كبيرة منعت كثيرًا من أهل البذل من المشاركة في هذا الباب من البر.
السبيل الخامسة: الاستفادة من التجارب المعاصرة:
قامت في بلدان عديدة، في الآونة الحاضرة، جهود عديدة، فردية وجماعية، للدعوة إلى إحياء سنة الوقف، وقد أثمرت هذه الجهود عن نواة لمشاريع وقفية عديدة، منها ما هو في طور البناء والتشييد، ومنها ما أينعت ثماره وبدأ في إتيان أكله.
[ ١ / ١٤٥ ]
ولا شك أن هذه الجهود قد مرت بتجربة، واستفادت من أخطاء، فحبذا لو تم التخاطب، وتبادل الزيارات بين الجهات المختصة في كل بلد مع أصحاب تلك الجهود، تلافيًا للأخطاء المستقبلية، ومنعًا للتكرار.
السبيل السادسة: فتح باب المساهمة في الوقف الجماعي:
وذلك تطبيقًا لقاعدة: ما لا يدرك كله، لا يترك كله، وقاعدة القليل من الكثير كثير.
فتعم بذلك المشاركة في الخيرات، ولا يحرم من قصد الثواب، وتجتمع فيه نيات المشاركين، وأموالهم، وتوجهاتهم إلى الله بالإخلاص في أعمالهم.
(٣٦) وقد قال ﷺ فيما رواه البخاري ومسلم من طريق عبيد الله الخولاني أنه سمع عثمان بن عفان ﵁ يقول: قال النبي ﷺ: " من بني مسجدًا لله بني له الله في الجنة مثله " (^١).
السبيل السابعة: الاستفادة من الجمعيات الخيرية الموجودة:
ذكرنا فيما سبق أن من أولويات العمل على بعث الوقف على العلم، ومن ذلك الجامعات من جديد، وضع خطة اقتصادية متينة مدروسة، وأن يتولى أمر ذلك نخبة من علماء الاقتصاد، والتخطيط والإدارة، كما ذكرنا فتح الباب للوقف الجماعي.
ومما يفيد جدًا في هذا الجانب الاستعانة بخبرة الجمعيات الخيرية، فقد عملت في أوساط الحاجة، وتلمست مواطن الإنفاق، وتجمع لديها خبرة في هذا الجانب لا يمكن الحصول عليها من غيرها.
_________________
(١) صحيح البخاري - كتاب أبواب المساجد/ باب من بنى مسجدا (ح ٤٣٩)، ومسلم في الزهد/ باب فضل بناء المساجد (ح ٥٣٣).
[ ١ / ١٤٦ ]
السبيل الثامنة: العمل على الاستفادة من التجارب الحالية للدول غير المسلمة على أن توضع في إطار إسلامي (^١).