إنَّ الحمدَ لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضلَّ له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)﴾ (^١).
﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾ (^٢).
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾ (^٣).
أما بعد:
فإن الله تعالى خلق الخلق لغاية عظيمة، وهي عبادته وحده لا شريك له، ومن خصائص العبادة في دين الإسلام شمولها وتعدد أنواعها وتنوع مجالاتها، فمنها عبادات بدنية كالصلاة والصيام، وعبادات قولية كالذكر وقراءة القرآن، وعبادات قلبية كالخوف والرجاء والتوكل، وعبادات مالية، وهذه العبادات المالية مشتملة على إنفاق المال ابتغاء وجه الله تعالى، ومن أجلّ هذه العبادات المالية وقف المال في سبيل الله ﷿؛ لما يترتب عليه من
_________________
(١) آية ١٠٢ من سورة آل عمران.
(٢) آية ١ من سورة النساء.
(٣) آية ٧٠ و٧١ من سورة الأحزاب.
[ ١ / ٩ ]
مصالح عظيمة وفوائد كبيرة في الأمة، والمجتمع والأفراد، وفي الدنيا والآخرة، كما سيأتينا عند الحديث على حكمة الوقف.
ولذا سارع المسلمون إلى تحبيس الأموال في شتى مجالات الحياة كبناء المساجد والمدارس، والربط، وحفر الآبار، وتعبيد الطرق، ودور الأيتام، والمستشفيات، وطباعة الكتب، وما يتعلق بالجهاد في سبيل الله ﷿، وغير ذلك حتى شملت الأوقاف الحيوان والطير.
ولقد لقي الوقف في الفقه اهتمامًا بالغًا من علماء المسلمين، فأولوه عناية فائقة تتمثل بنشر أحكامه للناس وتعليمها، والحث عليه وبيان فضائله ومصالحه، والدفاع عنه، وتأليف المؤلفات في أحكامه، وقد كتب فيه علماء الإسلام على اختلاف مشاربهم؛ فكتب فيه المفسرون، والمحدثون، والفقهاء، بل وتعرض له علماء الاعتقاد والتنظير في بعض مباحثهم، وكذلك تناوله وحث عليه علماء السلوك، وعلماء الاجتماع، وكتب فيه القضاة والمنظمون.
ذلك أن الوقف يعتبر في عداد الأعمال الصالحة التي شرعها الله تعالى في كتابه، والنبي ﷺ في سنته، وأمر بها، ومن الطاعات التي رغبت فيها أمة الإسلام، فكان المسلمون في كل مكان وعلى مختلف العهود والأعصار يبادرون إليه ابتغاء فضل الله ﷿ ومرضاته سبحانه، وعملا بقوله: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٩٢)﴾ (^١).
فمنذ الصدر الإسلامي الأول أقبل المسلمون عليه، فكانوا يبادرون إلى وقف بعض أموالهم، ويسارعون إلى تحبيسها، ليتم صرف ريعها على بعض المجالات الخيرية الدينية والاجتماعية، فأخذت الوقوف تكثر في البلاد
_________________
(١) آية ٩٢ من سورة آل عمران.
[ ١ / ١٠ ]