الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد: فإنه لما كان الحج أحد أركان الإسلام وتأديته على الوجه الصحيح واجب على كل مسلم ومسلمة ولما كان للحج الكثير من الأحكام التي يجهلها الكثير من الناس فقد رأيت أن أؤلف كتابًا أجمع فيه كل ما يتعلق بالحج والعمرة والزيارة من الأحكام والفضائل والمناسك وكل ما يحتاجه الحاج، وقبل أن أبدأ بالتأليف جمعت الكثير من الكتب والرسائل والفتاوى والتنبيهات والتوجيهات التي كتبت عن الحج، وهي كثيرة، ونظرت فيها فإذا هي تتضمن فوائد عظيمة لا يستغني عنها الحاج وقد بذل مؤلفوها جهودًا كبيرة في تأليفها وقد انتفع بها المسلمون فجزاهم الله خيرًا وأحسن ثوابهم، لكني بعد الاستقراء والنظر فيها لم أجد فيها كتابًا جمع كل ما يتعلق بالحج والعمرة والزيارة وكل ما يحتاجه الحاج على نحو شامل جامع، بل رأيتها تكاد تنحصر في ثلاثة أقسام:
القسم الأول منها -وهو الأكثر- هو ما يتعلق بالحج والعمرة وفضائلهما ومناسكهما وما فيهما من أحكام.
[ ٧ ]
٧- شروط الحج: ١-الإسلام ٢-العقل ٣-البلوغ ٤-الحرية٥-الاستطاعة ٦-ويزاد في حق المرأة شرط سادس وهو وجود المحرم الذي يسافر معها إذ يحرم عليها السفر للحج وغيره بدون محرم لقول النبي صلي الله عليه وسلم:"لا تسافر امرأة إلا مع ذي محرم"١ متفق عليه.
فضل الحج والعمرة
ورد في فضل الحج والعمرة أحاديث كثيرة صحيحة منها:
ما في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال:سئل رسول الله صلي الله عليه وسلم أي العمل أفضل؟
قال:"الإيمان بالله ورسوله" قيل: ثم ماذا؟ قال:"الجهاد في سبيل الله" قيل: ثم ماذا؟ قال:"حج مبرور" ٢ متفق عليه. وروى البخاري عن عائشة ﵂ قالت: قلت يا رسول الله، نرى الجهاد أفضل العمل أفلا نجاهد؟ قال:"لكن أفضل من الجهاد حج مبرور "٣.وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول:"من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه"
_________________
(١) ١ البخاري ٢/٦٥٩ رقم ١٠٨٦)، مسلم رقم ١٣٣٨) . ٢ صحيح البخاري ١/٩٧ رقم ٢٦)، مسلم ١/٨٨ رقم ٨٣) . ٣ البخاري ٣/٤٤٦ رقم ١٥٢٠) .
[ ٨ ]
١.وفيهما عنه –﵁ قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم:" العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة" ٢.وعن عائشة ﵂ أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال:"ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدًا من النار من يوم عرفة وإنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة فيقول: ما أراد هؤلاء؟ " ٣.وفي الصحيحين عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم:"عمرة في رمضان تقضي حجة أو حجة معي" ٤.العمرة لغة: الزيارة.
شرعًا: هي قصد بيت الله الحرام لأداء نسك مكون من الإحرام والطواف والسعي والحلق أو التقصير وأركان العمرة وواجباتها وأحكامها مثل الحج إلا الوقوف بعرفة وما يتبعه من إفاضة إلى المزدلفة فمنى فرمي جمار، وتختلف العمرة عن الحج في الميقات الزمني فالحج له زمن مخصوص لا يجوز في غيره، أما العمرة فتجوز في كل أيام السنة إلا أيام النحر الأربعة على الحاج، أما على غيره فتجوز عمرته فيها، أما عند أحمد والشافعي فلا تكره العمرة فيها.
_________________
(١) ١ البخاري ٣/٤٤٦ رقم ١٥٢١)، مسلم رقم ١٣٥٠) . ٢ البخاري ٣/٦٩٨ رقم ١٧٧٣)، مسلم رقم ١٣٤٩) . ٣ مسلم رقم ١٣٤٨) . ٤ البخاري رقم ١٧٨٢)، مسلم رقم ١٢٥٦) . .
[ ٩ ]
حكم العمرة
اختلف العلماء في حكمها على قولين:
الأول: القول بوجوبها، وهو المشهور عن أحمد والشافعي وجماعة من أهل الحديث وغيرهم -﵏، ومن أدلتهم على ذلك: ما رواه أهل السنن وغيرهم عن أبي رزين العقيلي -وافد بني المنتفق- أنه أتى النبي صلي الله عليه وسلم فقال: إن أبي شيخ كبير لا يستطيع الحج ولا العمرة، فقال:"حج عن أبيك واعتمر" ١، صححه الترمذي، وقال أحمد: لا أعلم في إيجاب العمرة حديثًا أجود من هذا ولا أصح منه. وبحديث عمر في رواية الدارقطني وفيه قال صلي الله عليه وسلم:"وتحج البيت وتعتمر" ٢.وبحديث عائشة أنها قالت: يا رسول الله هل على النساء من جهاد؟ قال:"عليهن جهاد لا قتال فيه: الحج والعمرة" ٣.واستأنسوا بقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الحَجَّ وَالْعُمرَةَ للهِ﴾ [البقرة:١٩٦] .
الثاني: أنها سنة وليست بواجبة، وهو مذهب مالك وأبي حنيفة وإحدى الروايتين عن الشافعي وأحمد، وقول أكثر أهل العلم، واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، ومن أدلة ذلك:
_________________
(١) ١ رواه الترمذي رقم ٩٣٠)، والنسائي ٥/٨٨-٨٩، وابن ماجه رقم ٢٩٠٦) . ٢ رواه ابن خزيمة في صحيحه ١/٤، والدارقطني ٢/٢٨٢. ٣ أخرجه أحمد ٦/١٦٥، وابن ماجه رقم ٢٩٠١) .
[ ١٠ ]
والقسم الثاني: هو ما يتعلق بالأخطاء التي تقع من بعض الحجاج والتنبيه عليها.
والقسم الثالث: هو ما يتعلق بالفتاوى.
وقد عزمت على تأليف كتاب أجمع فيه كل هذه الأمور وما يحتاجه الحاج على نحو جامع وشامل
وفي ختام هذه الكلمة أكرر القول أني سبقت في هذا الموضوع والسبق والفضل فيه لغيري، وإن تكن لي من حسنة فهي الجمع والترتيب فجزاهم الله خيرًا، وأسأل الله ﷾ أن ينفعني وأن ينفع به إخواني المسلمين، إنه سميع عليم. هذا وقد جعلته في خمسة أقسام هي:
القسم الأول: وصايا، نصائح، فوائد، آداب، منافع، توجيهات، تحذيرات.
القسم الثاني: مناسك الحج والعمرة وصفتهما.
القسم الثالث: زيارة المسجد النبوي وما فيها من أحكام وآداب.
القسم الرابع: تنبيهات على أخطاء تقع من بعض الحجاج.
القسم الخامس: الفتاوى.
١- تعريف الحج لغة:
قصد الشيء المعظم وإتيانه.
٢- تعريف الحج شرعًا: الحج أحد أركان الإسلام الخمسة، وهو عبادة روحية اجتماعية،
[ ١١ ]
بدنية مالية، ومعناه القصد إلى بيت الله الحرام بمكة المكرمة لأداء النسك فيه وفيما جاوره من الأماكن الشريفة.
٣- فرضية الحج: فرض الحج في السنة التاسعة أو العاشرة من الهجرة، وهذا ما ذهب إليه ابن القيم رحمه الله١، وقال الشيخ عبد الرحمن بن قاسم ﵀:"فرض الحج سنة تسع من الهجرة عند أكثر أهل العلم وجزم به غير واحد من أهل التحقيق"٢.
٤- حكم الحج: فرض فرضه الله على عباده وهو أحد أركان الإسلام الخمسة، فرضه الله تعالى على أهل الإسلام بقوله سبحانه: ﴿وَللهِ عَلَى النَّاسِ حجُّ البَيت مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيه سَبِيلًا وَمَنْ كَفَر فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِين﴾ [سورة آل عمران:٩٧] وقوله تعالى: ﴿الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [سورة البقرة١٩٣] وقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمرةَ للهِ﴾ [سورة البقرة:١٦٦] وقد جاءت السنة الصحيحة عن النبي صلي الله عليه وسلم بالتصريح بأنه أحد أركان
_________________
(١) ١ انظر: زاد المعاد ١٠٠-١٠١. ٢ حاشية الروض المربع ٢/٤٩٩.
[ ١٢ ]
الإسلام ففي الصحيحين عن ابن عمر -﵄- أن النبي صلي الله عليه وسلم قال:"بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج بيت الله الحرام" ١.وفي حديث جبريل في رواية عمر ﵁ عند مسلم أنه قال للنبي صلي الله عليه وسلم: ما الإسلام؟ قال:"أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلًا" ٢، وفي صحيح مسلم أيضًا عن أبي هريرة ﵁، عن النبي صلي الله عليه وسلم قال:"أيها الناس، قد فرض الله عليكم الحج فحجوا" ٣، وأحاديث كثيرة -في الصحيحين وغيرهما- في هذا المعنى، وبفرضه كمل بناء الدين وتم بناؤه على أركانه الخمسة، وأجمع المسلمون على أنه ركن من أركان الإسلام، وفرضٌ من فروضه إجماعًا ضرويًا، وهو من العلم المستفيض الذي توارثته الأمة خلفًا عن سلف.
٥ -أركان الحج: ١ -الإحرام ٢-الوقوف بعرفة ٣- طواف الزيارة ٤-السعي.
٦- واجبات الحج: ١-الإحرام من الميقات.٢-الوقوف بعرفة إلى الليل ٣-المبيت بمزدلفة-المبيت بمنى. ٥-الرمي ٦-الحلق أو التقصير ٧- طواف الوداع
_________________
(١) ١ البخاري ١/٦٤ رقم ٨)، ومسلم ١/٤٥ رقم ١٦) . ٢مسلم ١/٣٦ رقم ٨) . ٣ مسلم ٢/٩٧٥ رقم ١٣٣٧) .
[ ١٣ ]
حديث جابر –﵁ - مرفوعًا: سئل -يعني النبي صلي الله عليه وسلم - عن العمرة: أواجبة هي؟ قال:"لا، وأن تعتمر خير لك" ١، صححه الترمذي. قلت: وأصح القولين -والله أعلم- هو القول بوجوبها، وذلك لكثرة الأدلة وقوتها وهو ما ذهب إليه الشيخ عبد العزيز بن باز -﵀ وغفر له- في كتابه التحقيق والإيضاح لكثير من مسائل الحج والعمرة ص٨، حيث قال -﵀-:وقد وردت أحاديث تدل على وجوب العمرة منها ثم ساق بعض الأدلة التي تدل على الوجوب.
أركان العمرة: ثلاثة، هي١ - الإحرام٢- الطواف ٣- السعي.
شروط العمرة: خمسة، هي:١- الإسلام.٢-العقل. ٣-البلوغ٤-الحرية٥-الاستطاعة.
واجبات العمرة: اثنان، وهما:١-الإحرام من الميقات٢-الحلق أو التقصير. ولا يجب الحج والعمرة في العمر إلامرةواحدة، لقول النبي صلي الله عليه وسلم في الحديث الصحيح:"الحج مرة فمن زاد فهو تطوع"٢.
_________________
(١) ١ الترمذي رقم ٩٣١)، النسائي ٥/٨٣. ٢ أخرجه أبو داود رقم ١٧٢١)، والنسائي ٥/٨٣، وابن ماجه رقم ٢٨٦٦) من حديث الأقرع بن حابس.
[ ١٤ ]