ولو كان بعدَ نوحٍ تبرُّجٌ عامٌّ أشدُّ مِن هذا، لذكَرَهُ اللهُ مثالًا لسوئِه.
وقد قال بعمومِ هذه الآيةِ على نساءِ النبيِّ ﷺ وغيرِهن جماعةٌ؛ كالجَصَّاصِ، وابنِ كثيرٍ (١)، وغيرِهما؛ ويدلُّ على ذلك أنَّ النبيَّ ﷺ كان يُبايِعُ النساءَ على عدمِ التبرُّجِ تبرُّجَ الجاهليةِ الأُولَى؛ كما صحَّ في «المسنَد» لَمَّا بايَعَتْهُ أُمَيْمةُ بنتُ رُقَيْقةَ كان مما قال لها: (وَلَا تَبَرَّجِي تَبَرُّجَ الجَاهِلِيَّةِ الأُولَى) (٢)؛ وله شاهِدٌ عنِ ابنِ عباسٍ ﵄؛ أخرَجَه الطبرانيُّ (٣).
ولكنْ كُلَّما كان الرجُلُ أكثَرَ قدوةً مِن غيرِه في الناسِ مِن العلماءِ والمصلِحِين والأُمَراءِ، وجَبَ أن تكونَ نساؤهم أكثَرَ سَتْرًا؛ لأنَّ الناسَ تقتَدِي بكُبَرائِها، فيأخُذُون أجورَ مَن تَبِعَهم بخيرٍ، ويأخُذُون إثمَ مَن تَبِعَهم بسوءٍ وشَرّ
الآيةُ الثالثةُ: قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ
_________________
(١) انظر: «أحكام القرآن» (٥/ ٢٥٩)، و«تفسير ابن كثير» (١١/ ١٥٠)
(٢) أخرجه أحمد في «مسنده» (٢/ ١٩٦ رقم ٦٨٥٠)، وابن جرير في «تفسيره» (٢٢/ ٥٩٧).
(٣) أخرجه الطبراني في «الكبير» (١١/ ٢٦٤ رقم ١١٦٨٨).
[ ٩٨ ]
يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٩].
وهذه الآيةُ وا لآيتانِ بعدَها [النور: ٣١، ٦٠] هي أصرَحُ الآياتِ وأوضَحُهُنَّ في حجابِ نساءِ المؤمِنِينَ عامَّةً؛ فهي لـ (نساءِ النبيِّ ﷺ)، و(بناتِه)، و(نساءِ المؤمِنِين)، أمَرَهُنَّ اللهُ أنْ يُدْنِين عليهن مِن جلابِيبِهِنَّ، وقد تقدَّمَ تعريفُ الجلابيبِ، وأنَّها ما يكونُ مِن لباسٍ فَضْفاضٍ فوقَ الخمارِ يستوعِبُ أعلَى البدنِ ووَسَطَه، ويُسْدَلُ فيُغَطَّى به الوجهُ والصدرُ؛ ففي «الصحيحين»، مِن حديثِ عائشةَ ﵂، قالت: «فَخَمَّرْتُ وَجْهِي بِجِلْبَابِي» (١).
والجِلْبابُ قريبٌ مِن العَبَاءةِ اليومَ، لكنَّها غيرُ مفصَّلةٍ، وهو القِنَاعُ والمُلَاءةُ، والجِلْبابُ ليس غطاءً خاصًّا بالوجهِ وحدَه، ولكنَّه للوجهِ وغيرِه؛ ولذا قال: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾؛ يعني: تأخُذُ شيئًا مِن جلبابِها وتُنْزِلُه على وجهِها، والإدناءُ مِنَ الدُّنُوِّ وهو القُرْبُ، ويكونُ مِن مكانٍ عالٍ أو مُوَازٍ، والدُّنُوُّ نزولٌ؛ فيُسَمَّى أسفلُ الشيءِ وأقرَبُه: أدناهُ، ويقالُ للنازلِ الهابطِ بالنسبةِ للعالي: أدْنَى ودَانٍ؛ كما في قولِه: ﴿فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ [الروم: ٣].
_________________
(١) سبق تخريجه (ص ٥٢).
[ ٩٩ ]