لأنَّ التَّبِعةَ عليهنَّ وعلى أزواجِهِنَّ أيسَرُ، وهذه الآيةُ تدلُّ على تحريمِ الاختلاطِ ومجالسةِ الجنسَيْنِ بعضِهما لبعضٍ بلا ضرورةٍ؛ لأنَّه ذكرَ علةً مشتَرَكَة لكلِّ النساءِ: ﴿ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٣]، وقال بعمومِ هذه الآيةِ ابنُ جريرٍ الطَّبَرِيُّ، وابنُ عبدِ البَرِّ وغيرُهما (١).
وهذه الآيةُ جاءت في حكمِ الاحتجابِ عن الرجالِ في البيوتِ، ومثلُه التعليمُ والعمَلُ؛ لأنَّه يطولُ الحديثُ والقعودُ، فكانت آيةُ الحجابِ [الأحزاب: ٥٣] مبيِّنةً لحكمٍ، وآيةُ الجلابيبِ [الأحزاب: ٥٩] مبيِّنَةً لحكمٍ آخَرَ؛ وهو اللباسُ عند إرادةِ الخروجِ إلى الطُّرُقاتِ، والسُّوقِ، والمساجِدِ، وغيرِها.
الآيةُ الثانيةُ: قال تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣].
أنزَلَ اللهُ هذه الآيةَ وصدَّر الأمرَ بها لنساءِ النبيِّ ﷺ؛
_________________
(١) «تفسير الطبري» (١٩/ ١٦٦)، و«التمهيد» لابن عبد البر (٨/ ٢٣٦).
[ ٩٦ ]
لمكانةِ بيتِ النبوَّةِ في المسلِمِين وعلوِّ منزلَتِهم، وكونِهم قدوةً للناسِ في الدِّينِ، وهذه الآيةُ كسابقَتِها في التشديدِ على أزواجِ النبيِّ ﷺ، ودخولِ غيرِهِنَّ، مع أنَّ غيرَهُنَّ أخفُّ وأيسرُ، واستَثْنَى خروجَ الحاجاتِ؛ فما نهاهُنَّ اللهُ عن الكلامِ مع الرجالِ لورودِ الحاجةِ؛ ولكنْ نَهَاهُنَّ عن الخضوعِ بالقولِ.
وهذه الآيةُ تدلُّ على مباعَدةِ مواضعِ النساءِ عن الرجالِ؛ كما صحَّ عن مجاهِدِ بنِ جَبْرٍ في تفسيرِه لتبرُّجِ الجاهليةِ: «كانَتِ المرأةُ تخرُجُ تَمْشِي بين يدي الرجالِ، فذلك تبرُّجُ الجاهليةِ (١)، وقد ذكَرَ مقاتِلُ بنُ حَيَّانَ: أنَّ تبرُّجَ الجاهليةِ أنهنَّ كُنَّ يضَعْنَ الخمارَ على رؤوسِهِنَّ ولا يَشْدُدْنَه (٢).
ورُوِيَ عن بعضِ السلفِ -كابنِ عباسٍ ﵄- أنَّ تبرُّجَ الجاهليةِ الأُولَى كان بين نُوحٍ وإدريسَ (٣)، وقال عكرمةُ: هي زَمَنَ ولادةِ إبراهيمَ (٤)، ورُوِيَ أنَّها بعدَ ذلك (٥).
_________________
(١) أخرجه عبد الرزاق في «تفسيره» (٢/ ١١٦)، وابنُ سعد في «الطبقات الكبير» (١٠/ ١٨٩).
(٢) سبق تخريجه (ص ٦٠).
(٣) سبق تخريجه (ص ٦١).
(٤) أخرجه ابن سعد في «الطبقات الكبير» (١٠/ ١٨٩ و١٩٠).
(٥) انظر: «تفسير ابن جرير» (١٩/ ٩٧ - ٩٨).
[ ٩٧ ]