اتَّسَعَ الإسلامُ وانتشَرَتْ نصوصُه وأدلَّتُه، على أُمَمٍ وشعوبٍ، متبايِنةِ العاداتِ، مختلِفَةِ المشارِبِ والأفهامِ، منها وَثَنِيَّةٌ، ومنها كتابيَّةٌ، ومنها ما لا دِينَ له، واختلفَتِ الألسُنُ حتى مِن العربِ: عربٌ عروبَتُهم قريبةٌ مِنِ استعمالاتِ القرآنِ، وعربٌ بعيدونَ عن استعمالِه، وبين ذلك شعوبٌ وقبائلُ، ويَغلِبُ على النفوسِ ربطُ المصطلحاتِ والألفاظِ بأقرَبِ استعمالٍ لغويٍّ أو عُرْفِيٍّ، فأثَّرَتِ اللغاتُ والعاداتُ والدياناتُ السابقةُ على فقهِ أصحابِها، وغالبًا أنَّ النفوسَ -وإن لم تَشْعُرْ -لا تُحِبُّ أنْ تخرجَ عما هي عليه مِن عرفٍ وعادةٍ وواقعٍ، فانتشَرَ القرآنُ والحديثُ على شعوبٍ يختلِفُون في مِقْدارِ العفافِ والسَّتْرِ، حتى بلَغَ في شعوبٍ عادَتُها تلثُّمُ رجالِها، وسفورُ نسائِها، وعكَسَتْ بعضُ المجتمعاتِ التشريعَ؛ فتتخَمَّرُ العجوزُ وتتغَطَّى، وتتبَرَّجُ بنتُها، حتى إذا كَبِرَتِ الشابَّةُ وقَعَدَتْ، تخمَّرَتْ، وبينَ ذلك أحوالٌ وعاداتٌ لا حَصْرَ لها.
تتقَلَّبُ الشعوبُ وتتدرَّجُ في تغَيُّرِ عاداتِها، وتدورُ بها دائرةُ التغييرِ كدائرةِ الفَلَكِ، وتختلِفُ أزمانُ التغييرِ فيها بينَ عقودٍ، وبين قرونٍ، بحَسَبِ المؤثِّرَاتِ عليها، ولو قُدِّرَ للناظرِ
[ ٥٣ ]
أن يكونَ القرنُ الواحدُ للشعوبِ لديه ما ليومِ الواحدِ، فأخذَ ينظُرُ إليهم يَتقلَّبُونَ في لباسِهم وهيئاتِهم، ومآكِلِهم ومشارِبِهم، وألسنَتِهم ومساكِنِهم، لظهَر له أنَّ آخِرَ قَرْنِهم لا يعرِفُ ما كان عليه أوَّلُه، وكلٌّ يَظُنُّ أنَّه مُتَّصِلٌ بمَن سبَقَه، وهو يَتقلَّبُ ببُطْءٍ وهو لا يشعُرُ، ولولا أنَّ القرآنَ يَقُصُّ والتاريخَ يُكْتَبُ، لظَنَّ الناسُ اليومَ أنَّهم على ما كان عليه أبوهم آدَمُ.
ولهذا؛ فلا عبرةَ بما عليه الأُمَمُ والشعوبُ والدُّوَلُ، فإنَّ للواقِعِ المُشاهَدِ تأثيرًا على فقهِ الفقيهِ، فضلًا عن جهالةِ الجاهلِ، فيظُنُّ الجاهلُ أنَّه حينَما يفتَحُ عينَيْهِ على لباسِ أهلِه أو بلدِه، أنَّ هذا الأمرَ متسلسِلٌ على ما كانَ عليه الناسُ في زمَنِ النبوَّةِ، وربما يتأثَّرُ بعضُ الفقهاءِ والكُتَّابِ بالواقعِ، فيحمِلُه على ترجيحِ قولٍ على قولٍ، أو تغييرِ قِيَمِ الأقوالِ لِينًا وشِدَّةً، حتى رأيتُ أحدَ محقِّقِي أحدِ كتبِ السُّنَّةِ يُغَيِّرُ ما في المخطوطِ في تعليقِ أحدِ الأئمةِ السابقينَ على أحدِ الأحاديثِ النبويَّةِ مِنْ: «كشف وجهها حرامًا» إلى: «كشف رأسها حرامًا»، فحذَفَ الوجهَ، وأبدَلَه بالرأسِ، كما في كتابِ «شرح مُشْكِلِ الآثار» للطَّحَاوِيِّ (١)؛ ويدُلُّ على حسنِ قصدِ المحقِّقِ: أنَّه نبَّه في الحاشيةِ على
_________________
(١) «شرح مشكل الآثار» (٥/ ٣٩٧).
[ ٥٤ ]