جعَلَ اللهُ لبعضِ العباداتِ أحكامًا في اللباسِ تختصُّ بها، وذلك للرجالِ والنساءِ في الصلاةِ والحجِّ؛ فشرَعَ اللهُ للمرأةِ لباسًا على وصفٍ، وللرجالِ لباسًا على وصفٍ:
أمَّا الصلاةُ: ففي الرجالِ جاءت أحاديثُ، منها ما في «الصحيحَيْنِ»، قال ﷺ: (لَا يُصَلِّي أحَدُكُمْ فِي الثَّوْبِ
[ ٦٤ ]
الوَاحِدِ لَيْسَ عَلَى عَاتِقَيْهِ شَيْءٌ) (١)، واختُلِفَ في الحدِّ الذي تبطُلُ صلاةُ الرجلِ بكشفِه له، والجمهورُ: أنَّ عَوْرَتَهُ ما بينَ السُّرَّةِ إلى الرُّكْبةِ، وفي النساءِ جاءتْ أحاديثُ أيضًا، ومنها ما في «السُّنَن»، قال ﷺ: (لَا يَقْبَلُ اللهُ صَلَاةَ حَائِضٍ إلا بِخِمَارٍ) (٢).
وللصلاةِ أحكامٌ خاصَّةٌ بها في لباسِ الجنسَيْنِ، وللحجِّ أحكامٌ خاصَّةٌ به في لباسِ الجنسَيْنِ أيضًا، سواءٌ كان أحدُ الجنسينِ وحدَهُ أو كان مع غيرِه، يجبُ عليه أن يستُرَ ما أُمِرَ بسترِه، وكلُّ حكمٍ في اللباسِ ورَدَ به نصٌّ خارجَ الصلاةِ والحجِّ، فهو مستقِلٌّ لا يرتبِطُ بهما.
وكثيرٌ مِن الكُتَّابِ ينقُلُ أقوالَ الفقهاءِ عندَ كلامِهم على لباسِ المرأةِ في الصلاةِ: «المَرْأَةُ عَوْرةٌ إلا وَجْهَها وكَفَّيْها»، ويجعلُها في أحكامِ النظرِ، ولا يفرِّقُ بين عورةِ الصلاةِ والسَّتْرِ، وعورةِ النظرِ، والمرأةُ يجبُ عليها أن تستُرَ كلَّ شيءٍ في صلاتِها إلَّا وجهَها وكَفَّيْها، ولو كانت
_________________
(١) أخرجه البخاري (٣٥٩)، ومسلم (٥١٦)؛ من حديثِ أبي هريرة ﵁.
(٢) أخرجه أبو داود (٦٤١)، والترمذي (٣٧٧)، وابن ماجه (٦٥٥)؛ مِن حديثِ عائشة ﵂.
[ ٦٥ ]
في بيتِها وحدَها، وإنْ شهِدَها أحدٌ مِن مَحارِمِها أو زَوْجُها، وأظهَرَتْ شعرَها وصَلَّتْ، بطَلَتْ صلاتُها، وليس لها أن تقولَ: «إنَّه لا يراني إلا زَوْجِي» مثلًا؛ فإنَّ سَتْرَها لبدنِها إلا وجهَها وكَفَّيْها حينئذٍ للصلاةِ، لا لمَن يراها ولو كان زوجَها؛ فهذه عَوْرةُ صلاةٍ، لا عَوْرةُ نَظَرٍ، وهكذا فإنَّه نَصَّ بعضُ الفقهاءِ أنَّ المميِّزةَ الصغيرةَ تُسْتَرُ للصلاةِ كالبالغةِ، مع أنَّ الصغيرةَ تخرُجُ للرجالِ الأجانبِ، ولا عورةَ نظرٍ عليها.
بل نَصَّ الفقهاءُ مِن المذاهبِ الأربعةِ على أنَّ المرأةَ إن كانت في الصلاةِ وعندَها أجانبُ، أنَّها تستُرُ وجهَها؛ نصَّ عليه الخطيبُ الشِّرْبِينِيُّ مِن الشافعيةِ؛ فقال: «إلا أنْ تكونَ بحضرةِ أجنبيٍّ فلا يجوزُ لها رفعُ النِّقَاب» (١)، ومِن المالكيةِ اللَّخْمِيُّ، ومِن الحنابلةِ ابنُ تيميَّةَ وغيرُه، وأشار إليه الطحطاويُّ وغيرُه مِن الحنفيةِ.
وعدمُ التفريقِ بين سياقاتِ الأئمَّةِ في عورةِ الصلاةِ وعورةِ النظرِ مِن أكثرِ ما يخطِئُ به النَّقَلةُ؛ فيأخُذُون كلامَ الفقهاءِ في عورةِ الصلاةِ، ويَضَعُونه في عورةِ النظرِ،
_________________
(١) انظر: «الإقناع، في حلِّ ألفاظ أبي شُجَاع» (١/ ١٢٤).
[ ٦٦ ]