المَخِيطَ كُلَّه، والخِفَافَ، وأنَّ لها أنْ تُغطِّيَ رأسَها، وتستُرَ شَعْرَها؛ إلا وجهَها، فتَسْدُلُ عليه الثوبَ سَدْلًا خفيفًا تُسْتَرُ به عن نظرِ الرجالِ» (١)، وقال ابنُ قُدَامةَ: «لا نَعْلَمُ فيه خلافًا» (٢).
ولا تشترَطُ المجافاةُ عند سدلِ المُحْرِمةِ ثوبَها على وجهِها، بحيثُ لا يلتصِقُ بوجهِها كالتصاقِ النِّقابِ؛ فلم يَشتَرِطْهُ مالكٌ وأحمدُ في قولٍ (٣)؛ خلافًا لمَذهبِ الشافعيِّ (٤).
وعلى هذا عملُ نساءِ الصحابةِ في الحجِّ؛ يَتْرُكْنَ النقابَ، ويَتخَمَّرْنَ أو يَتجلبَبْنَ بغيرِه، فقد صحَّ عن فاطمةَ بنتِ المنذِرِ، قالت: «كُنَّا نُخمِّرُ وجوهَنا ونحنُ مُحْرِماتٌ مع أسماءَ بنتِ أبي بكرٍ (٥).
وقد كانتِ العربُ في بعضِ أنساكِها في الحجِّ على
_________________
(١) انظر: «التمهيد» (١٥/ ١٠٨)، و«الاستذكار» (١١/ ٢٨ - ٢٩).
(٢) انظر: «المغني» (٥/ ١٥٤).
(٣) انظر: «المدونة» (١/ ٤٦٣)، و«المغني» (٥/ ١٥٥).
(٤) انظر: «الأم» (٣/ ٣٧٠ و٥٧١).
(٥) أخرجه مالك في «الموطأ» (١/ ٣٢٨)، وإسحاق بن راهويه في «مسنده» (٢٢٥٥).
[ ٧١ ]
ما كان عليه إبراهيمُ، ومَن بعدَه مِن الأنبياءِ ﵈، وقد كانُوا في الجاهليةِ تَكْشِفُ النساءُ وجوهَهُنَّ في الحجِّ؛ ظَنًّا منهم أنَّ الحكمَ عامٌّ للنقابِ وغيرِه، عند الرجالِ الأجانبِ وغيرِهم؛ قال خُفَافُ بنُ نُدْبةَ السُّلَمِيُّ، وهو شاعرٌ جاهليٌّ يَصِفُ حالَ امرأةٍ مُحْرِمةٍ:
وأبْدَى شُهُورُ الحَجِّ مِنْهَا مَحَاسِنًا ووَجْهًا مَتَى يَحْلِلْ لهُ الطِّيبُ يُشْرِقِ (١)
وبَقِيَ الظنُّ عند بعضِ نساءِ العربِ كذلك بعدَ الإسلام، حتى إنَّ منهنَّ مَن كانت تجدُ حَرَجًا على نُسُكِها مِن تغطيةِ وجهِها في حَجِّها خوفًا على أجرِها؛ وذلك مِن بقايا فهمِ الجاهليةِ، وكانت عائشةُ ﵂ تُسأَلُ عن ذلك وتُبَيِّنُ الأَمرَ؛ فقد روى إسماعيلُ بنُ أبي خالِدٍ، عن أُمِّهِ وأُخْتِه أنَّهما دخلَتَا على عائشةَ يومَ التَّرْوِيَةِ، فسألَتْها امرأةٌ: أَيَحِلُّ لي أنْ أغطِّيَ وجهِي وأنا مُحْرِمةٌ؟ فرفعَتْ خمارَها عن صدرِها، حتى جعلَتْه فوقَ رأسِها؛ أخرَجَه ابنُ سعدٍ في «الطبقات» (٢).
_________________
(١) سبق تخريجه (ص ٥٨).
(٢) أخرجه ابن سعد في «الطبقات الكبير» (١٠/ ٤٥٦).
[ ٧٢ ]
وقد كانت عائشةُ ﵂ تُبيِّنُ التفريقَ بينَ النقابِ والتغطيةِ بغيرِه، وأنَّ التغطيةَ جائزةٌ ولو كانتِ المرأَةُ وحدَها؛ كما في البخاريِّ معلَّقًا، وأسنَدَه ابنُ حزمٍ والبيهقيُّ، قالت: «لا تَنْتقِبْ ولا تَلَثَّمْ، وتَسْدُلُ الثوبَ على وجهِها»، وعندَ البيهقيِّ: «إن شاءَتْ» (١).
وعلى هذا يَنُصُّ الفقهاءُ في كتبِهم عندَ ذكرِ المرأةِ ولباسِها حالَ إحرامِها، فيقولون عباراتٍ تُزِيلُ اللبسَ فيقولون: «ولها أن تغطِّيَ وجهَها»، وربَّما قال بعضُهم: «ويجوزُ لها أنْ تُغَطِّيَ وجهَها عند الرجالِ».
ويبيِّنُ بعضُ الفقهاءِ المرادَ كالعِمْرَانِيِّ الشافعيِّ كما في «البَيَان»؛ قال بعدَ تقريرِ ذلك: «ولَسْنَا نريدُ بذلك أنَّها
_________________
(١) علقه البخاري (٢/ ١٣٧). فقال: «ولَبِسَتْ عائشةُ ﵂ الثيابَ المُعصْفَرَةَ وهي مُحرِمةٌ، وقالت: لا تَلَثَّمْ ولا تَتبَرْقَعْ، ولا تلبَسْ ثوبًا بوَرْسٍ ولا زعفَرَانٍ»، ووصَلَه ابنُ حزمٍ في «المحلَّى» (٧/ ٩١)؛ فقال: وروينا عن وكيعٍ سُئِلَت عائشةُ أمُّ المؤمِنِين: ما تلبَسُ المحرِمَةُ؟ فقالت: «لا تنتَقِبْ ولا تَلَثَّمْ، وتَسْدُلُ الثوبَ على وجهِها»، ووصلَه البيهقيُّ في «السنن الكبرى» (٤٧/ ٥)؛ بلفظِ: «المحرِمَةُ تَلْبَسُ مِن الثيابِ ما شاءتْ؛ إلا ثوبًا مَسَّه وَرْسٌ أو زَغفَرانٌ، ولا تتبَرْقَعْ ولا تَلَثَّمْ، وتَسْدُلُ الثوبَ على وجهِها إنْ شاءَت».
[ ٧٣ ]