المحارِمِ، فيَنْقُلُون عن جماعةٍ مِن الصحابةِ والتابِعِين قولَهم في: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ أنَّه: الكَفُّ والوَجْهُ؛ كما رُوِيَ عنِ ابنِ عباسٍ ﵄، وابنِ عُمَرَ ﵄، والضَّحَّاكِ، أو: الكُحْلُ والخِضَابُ والخَاتَمُ؛ كما رُوِيَ عنِ ابنِ عباسٍ، ومجاهِدٍ، وابنِ جُبَيْرٍ، أو: الكُحْلُ والخاتَمُ؛ كما رُوِيَ عن أنَسٍ ﵁، أو: الخِضَابُ والكُحْلُ؛ كما رويَ عن عطاءٍ، أو: الكُحْلُ؛ كما رُوِيَ عن الشَّعْبِيِّ، وقتادةَ، أو: الوجهُ والثيابُ؛ كما رُوِيَ عن الحسَنِ، وقتادةَ، أو: الوجهُ وثُغْرةُ النَّحْرِ؛ كما جاء عن عِكْرِمةَ، أو: الكُحْلُ والثيابُ؛ كما جاء عن الشَّعْبيِّ؛ وما سبقَ أصَحُّ ما جاء عن الصحابةِ والتابِعِين مِن تفسيرِ آيةِ الزِّينةِ (١).
وكلامُ هؤلاءِ السلفِ كلُّه في الزينةِ الظاهرةِ للمحارِمِ مِن النَّسَبِ والرَّضَاعِ، وليستْ للأجانِبِ، ولمَّا كثُرَ السُّفُورُ والتعرِّي اليومَ يَسْتثقِلُ بعضُ الناسِ هذا الفهمَ، وهذا مِن أثرِ الواقعِ على النفوسِ؛ فإنَّ الصحابةَ والتابعينَ كانُوا على
_________________
(١) انظر هذه الآثارَ في: «تفسير عبد الرزاق» (٢/ ٥٦)، و«مصنف ابن أبي شيبة» (١٧٢٨١ - ١٧٣٠٠)، و«تفسير ابن جرير» (١٧/ ٢٥٨ - ٢٦١)، و«تفسير ابن أبي حاتم» (٨/ ٢٥٧٤ - ٢٥٧٥).
[ ١٠٤ ]
قَدْرٍ شديدٍ مِن العفافِ والسترِ، حتَّى إنَّهم قَلَّما يَسْأَلُون عما تُبْدِيه الحُرَّةُ للرجلِ الأجنبيِّ.
ويوضِّحُ أنَّ مرادَ الصحابةِ والتابِعِينَ بكشفِ الزينةِ الظاهرةِ: للمحارمِ لا الأجانبِ، نصوصُهم الأُخْرَى ونصوصُ غيرِهم الصريحةُ في ذلك؛ فهي لا تَتَّفِقُ وتجتَمِعُ إلا على هذا المعنى؛ وذلك مِن أربعةِ أوجُهٍ:
الوجهُ الأوَّلُ: أنَّ جميعَ مَن صحَّ عنه تفسيرُ الزينةِ الظاهرةِ في آيةِ النُّورِ: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ قد صَحَّ عنه ما يؤيِّدُ حملَ تفسيرِهِ على تخصيصِهِ للمحارِمِ صريحًا أو قرينةً قويةً في موضِعٍ آخَرَ:
- أما عبدُ الله بنُ عبَّاسٍ: فصحَّ عنه أنَّه قال: «الزينةُ الظاهرةُ: الوجهُ، وكُحْلُ العينِ، وخِضَابُ الكفِّ، والخاتَمُ، فهذا تُظْهِرُه في بيتِها لمن دخَلَ عليها»، ثم قال صريحًا:
﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ﴾، والزينةُ التي تُبْدِيها لهؤلاءِ الناسِ: قُرْطَاها، وقِلَادَتُها، وسوارَاها، فأمَّا
[ ١٠٥ ]
خَلْخَالُها، ومِعْضَدَتُها، ونحرُها، وشعرُها، فلا تُبْدِيه إلا لزَوْجِها»؛ أخرَجَه البيهقيُّ عن عليٍّ، عنِ ابنِ عباسٍ، وهو صحيحٌ (١).
وصحَّ عنِ ابنِ عباسٍ أيضًا لَمَّا ذكَرَ المَحارِمَ: «الزِّينةُ التي تُبْدِيها لهؤلاءِ: قُرْطَاها وقِلَادَتُها، وسِوَارَاها، وأما خَلْخَالَاها ومِعْضَدَاها ونَحْرُها وشعرُها، فإنَّها لا تُبْدِيه إلا لزَوْجِها»؛ أخرَجَه ابنُ جَرِيرٍ عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ (٢)، وعلى هذا اتَّسَقَ جميعُ تفسيرِ ابنِ عباسٍ وأقوالِه في كلِّ أبوابِ الفِقْه؛ كالحَجِّ، وآيَةِ الأحزابِ، وفي آيَةِ القواعِدِ -العجائِزِ-: فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ﴾ [النور: ٦٠] قال: «الجلابِيب» (٣)، وهي التي على الشابَّةِ، كما صَحَّ عنِ ابنِ عباسٍ قولُه: «أمَرَ اللهُ نساءَ المؤمِنِين إذا خَرَجْنَ مِن بيوتِهِنَّ في حاجةٍ أن يُغَطِّينَ وجوهَهن مِنْ فوقِ
_________________
(١) أخرجه ابن جرير في «تفسيره» (١٧/ ٢٥٩)، وابن أبي حاتم في «تفسيره» (٨/ ٢٥٧٦)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (٧/ ٩٤).
(٢) أخرجه ابن جرير في «تفسيره» (١٧/ ٢٦٤ و٢٦٧).
(٣) أخرجه أبو عبيد في «فضائل القرآن» (ص ٣٠٧)، وابن جريرٍ في «تفسيره» (١٧/ ٣٦٠)، وابن أبي حاتم في «تفسيره» (٨/ ٢٦٤١)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (٧/ ٩٣).
[ ١٠٦ ]
رؤوسِهِنَّ بالجلابيبِ، وُيبْدِينَ عَيْنًا واحدةً» (١)، وصحَّ عنه أيضًا قولُه: «تُدْلِي الجلبابَ على وجهِها» (٢).
وجميعُ أصحابِ ابنِ عباسٍ ﵄ الذين رُوِيَ عنهم ما يشابِهُ قولَه، لم يكونُوا يَسْأَلُونَ عن غيرِ المَحارِمِ، والسؤالُ عنهم غيرُ واردٍ؛ لوضوحِه وجَلَائِه، وقد كانُوا على نوعٍ مِن العفافِ والسَّتْرِ شديدٍ، فيُطْلِقُونَ إطلاقاتٍ لا يَفهَمُها مَن تأثَّرَ بواقعِ السفورِ والتعرِّي، حتى أصبحَ مِن النساءِ مَن تلبَسُ عندَ الأجانبِ ما لا تلبَسُهُ نساءُ السلفِ عندَ أَبِيها وأَخِيها وابْنِها، ومَن جمَعَ أقوالَ أُولئِكَ السلَفِ المفسِّرِينَ للزِّينةِ مِن أبوابِ السترِ والعوراتِ، ظهَرَ له مرادُهم جليًّا:
- فأمَّا سعيدُ بنُ جُبَيْرٍ، فصَحَّ عنه: أنَّ تخفيفَ اللهِ عن القواعِدِ -العجائزِ- هو وضعُ الجلابيبِ فقط، قال سعيدُ بنُ جُبَيْرٍ: «لا تتَبَرَّجْنَ بوضعِ الجلبابِ؛ أَن يُرَى ما عليها مِن الزِّينةِ» (٣)، والجلابيبُ: هي ما يستُرُ الوجوهَ كما تقدَّمَ بيانُه، فإنْ كانَتْ هذه هي الرخصةَ عند سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ للعجوزِ، فهي ليست رخصةً للشابَّةِ، وقد أجمَعَ العلماءُ:
_________________
(١) سبق تخريجه (ص ١٠١).
(٢) سبق تخريجه (ص ٧٠).
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم في «تفسيره» (٨/ ٢٦٤٢).
[ ١٠٧ ]
أنَّه لا يحِلُّ للعجوزِ إظهارُ شعرِها؛ حَكَى الإجماعَ: الجَصَّاصُ وابنُ حزمٍ (١).
- وأمَّا عطاءُ بنُ أبي رَبَاحٍ، فقد صحَّ عنه تفضيلُه سترَ الشعرِ عن المحارِمِ، فقد قال في الرجُلِ يرى مِن النساءِ -مِمَّا يحرُمُ عليه نكاحُهُنَّ- رؤوسَهُنَّ: «يَستَتِرْنَ أحبُّ إليَّ، وإنْ رأى فلا بأسَ»؛ أخرجَه ابنُ أبي شيبةَ، عن عبدِ الملِكِ، عن عطاءٍ، وهو صحيحٌ (٢).
ثمَّ إنَّه قد صَحَّ عن عطاءٍ ما صحَّ عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ في العجوزِ؛ أنَّها تضَعُ جلبابَها، والجلبابُ: ما على الوجهِ.
- وأمَّا مجاهِدُ بنُ جَبْرٍ، فصحَّ عنه أنَّه لا يرى وضعَ الخمارِ عند المرأةِ الكافرةِ؛ فكيف يُحمَلُ قولُه في الزِّينةِ الظاهرةِ: «الخَاتَمُ والخضابُ والكُحْلُ» أنَّها للرجالِ الأجانبِ مشرِكِين ومسلِمِين؟! فقد روَى لَيْثٌ عن مجاهِدٍ قال: «لا تَضَعِ المسلمةُ خمارَها عندَ مُشرِكَةٍ،
_________________
(١) انظر: «أحكام القرآن» للجصاص (٥/ ١٩٦)، و«المحلى» لابن حزم (١٠/ ٣٢).
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في «مصنفه» (١٧٥٦٦).
[ ١٠٨ ]
ولا تَقْبَلْها (١)؛ لأنَّ اللهَ تعالى يقولُ: ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾؛ فليس مِن نسائِهِنَّ»؛ رواه البيهقيُّ عنه (٢)، وروايةُ ليثٍ عن مجاهِدٍ كتابٌ ونُسْخةٌ؛ ذكَرَه ابنُ حِبَّانَ (٣).
وقد صَحَّ عن مجاهِدٍ -كما صَحَّ عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، وعطاءٍ- في العجوزِ، وأنَّ اللهَ رخَّص لها بوضعِ جلبابِها (٤)، وهذه خَصِيصةُ العَجُوزِ عندَه عن الشابَّةِ.
- وأما قولُ عامِرٍ الشَّعْبيِّ: «الكُحْلُ والثِّيَابُ»، وقولُ عكرمةَ مولَى ابنِ عباسٍ: «الوَجْهُ وثُغْرَةُ النَّحْرِ»، فقد صحَّ عنهما أنَّهما كانا يَنْهَيَانِ أن تضَعَ المرأةُ خمارَها عند عَمِّها وخالِها، خلافًا لجمهورِ العلماءِ؛ فكيفَ يُحمَلُ قولُه في: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾: أنَّ المرأةَ تُبْدِي وجهَها ونَحْرَهَا وكُحْلَها للأجانبِ الأبعَدِينَ، وهما
_________________
(١) يُقال: قَبِلَتِ القابِلةُ المرأةَ تَقْبَلُها قِبالةً وقِبالًا: تَلقَّتِ الولَدَ مِن بطنِ أمِّه عند الوِلادة. «تاج العروس» (٣٠/ ٢٠٩).
(٢) أخرجه سعيد بن منصور ف «سننه» (١٥٧٦ /التفسير)، ومِن طريقِه البيهقيُّ في «السنن الكبرى» (٧/ ٩٥).
(٣) انظر: «الثقات» (٧/ ٣٣١).
(٤) أخرجه سعيد بن منصور في «سننه» (١٦١٧ /التفسير)، وابن جرير في «تفسيره» (١٧/ ٣٦١ و٣٦٣ و٣٦٤). وهو في «تفسير مجاهد» (٢/ ٤٤٤).
[ ١٠٩ ]
يُشَدِّدَانِ في المحارِمِ غيرِ المَذْكُورِينَ في الآيةِ؟! فقد رَوَى داودُ، عن الشعبيِّ وعكرمةَ، في قولِه: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ﴾، حتى فَرَغَ منها؛ قالا: «لم يَذْكُرِ العَمَّ والخالَ؛ لأنَّهما يَنْعَتانِ لأبنائِهما، وقالا: لا تَضَعْ خمارَها عندَ العَمِّ والخَالِ»؛ أخرَجَه ابنُ أبي شيبةَ وابنُ جَرِيرٍ وابنُ المُنْذِرِ (١).
ويَعْضُدُ هذا ما رواه جابِرٌ عن عامِرٍ الشَّعْبيِّ؛ أنَّه كَرِهَ أن ينظُرَ إلى شعرِ كلِّ ذي مَحْرَمٍ؛ أخرَجَه ابنُ أبي شيبةَ (٢).
ثمَّ إنَّه قد صحَّ عن الشعبيِّ ما صحَّ عنِ ابنِ جُبَيْرٍ وعطاءٍ ومجاهِدٍ في العجوزِ (٣).
- وأمَّا الحسَنُ البَصْرِيُّ: فإنَّه لا يَرَى أن يَرَى الأخُ أُخْتَه بلا خمارٍ على رأسِها؛ فقد صحَّ عن هشامٍ، عن
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة في (مصنفه) (١٧٥٨٠)، ومِن طريقِه ابنُ المنذِر؛ كما في «تفسير ابن كثير» (١٠/ ٢٢٠)، وابن جرير في «تفسيره» (١٩/ ١٧٣).
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في «مصنفه» (١٧٥٦٩).
(٣) أخرجه ابن جرير في «تفسيره» (١٧/ ٣٦٣).
[ ١١٠ ]
الحسَنِ؛ في المرأةِ تضَعُ خمارَها عندَ أَخِيها؟ قال: «واللهِ ما لها ذَاكَ»؛ أخرَجَه ابنُ أبي شيبةَ، وهو صحيحٌ (١)؛ وهذا دليلٌ أنه يقصِدُ المحارِمَ، وما كانوا يَسْأَلُونَ ولا يَقْصِدُونَ غيرَهم لشِدَّةِ وَرَعِهم.
وقد صحَّ عنِ الحسَنِ البصريِّ، مثلُ ما صحَّ عند ابنِ جبيرٍ وعطاءٍ ومجاهِدٍ والشعبيِّ في العجوزِ، وأنَّ اللهَ خَصَّها بوضعِ الجلبابِ (٢).
- وأمَّا الضَّحَّاكُ، فيدلُّ على أنَّه يتكلَّمُ عن المحارِمِ: ما رواه مُزَاحِمٌ عنه أنَّه قال: «لو دخَلْتُ على أُمِّي، لقُلْتُ: غَطِّي رأسَكِ»؛ أخرَجَه ابنُ أبي شيبةَ (٣).
- وأمَّا قتادةُ، فصَحَّ عنه ما صَحَّ عند ابنِ جُبَيْرٍ وعطاءٍ ومجاهدٍ والشعبيِّ والحسَنِ في العجوزِ (٤).
وعلى هذا المعنى لم يخرُجْ واحدٌ مِن أصحابِ ابنِ عباسٍ وغيرِهم مِن التابِعِين؛ فقد صحَّ عن عكرمةَ
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة في «مصنفه» (١٧٥٦٨).
(٢) أخرجه عبد الرزاق في «تفسيره» (٢/ ٦٣)، وابن أبي حاتم في «تفسيره» (٨/ ٢٦٤١ - ٢٦٤٢)
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة في «مصنفه» (١٧٥٧٤ و١٧٥٧٦).
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم في «تفسيره» (٨/ ٢٦٤٠).
[ ١١١ ]
وأبي صالحٍ: «أنَّ الزِّينةَ الظاهرةَ: ما فوقَ الدِّرْعِ» (١)، والدِّرْعُ: ثوبُ البيتِ لا ثوبُ الخروجِ كما هو معروفٌ؛ لأنَّ الدِّرْعَ يظهَرُ معه الشعرُ والنَّحْرُ، وهو محرَّمُ الكشفِ للأجانبِ بالإجماعِ.
وصح تفسيرُ الزينةِ الظاهرةِ أيضًا بالدِّرْعِ عن إبراهيمَ النخعيِّ (٢).
وصحَّ عن طاوسٍ: ما كان أكرَهَ إليه مِن أن يَرَى عورةً مِن ذاتِ مَحْرمٍ، قال: وكان يَكْرَهُ أنْ تَسلَخَ خمارَها عندَه؛ رواه عبدُ الرَّزَّاقِ، عن مَعْمَرٍ، عنِ ابنِ طاوسٍ، عن أَبِيه، وهو صحيحٌ (٣).
- وأمَّا عبدُ الله بنُ عُمَرَ، فإنَّه قد صحَّ عنه أنَّه جعَلَ ما استَثْناه اللهُ للعجوزِ أن تكشِفَه هو جِلْبَابَها (٤)، ويتَّفِقُ العلماءُ أنْ لا خَصِيصةَ للعجوزِ في ذلك، فبَقِيَ جلبابُ الوجوهِ على الشابَّةِ، ولا يليقُ بفقهِ الصحابةِ ولا بعقولِهم
_________________
(١) أخرجه ابنُ أبي شيبة في «مصنفه» (٣/ ٣٨٣).
(٢) أخرجه ابنُ أبي حاتم (١٠/ ١٠٩)، والطحاويُّ في «شرح معاني الآثار» (٤/ ٣٣٢)؛ بسندٍ صحيحٍ.
(٣) أخرجه عبد الرزاق في «مصنفه» (١٢٨٣١).
(٤) أخرجه سعيد بن منصور في «سننه» (١٦١٦ /التفسير)، وابن أبي حاتم في «تفسيره» (٨/ ٢٦٤١).
[ ١١٢ ]
وفهمِهم، أنْ تُضرَبَ أقوالُهم بعضُها ببعضٍ في البابِ البَيِّنِ الواضِحِ؛ كحجابِ المرأةِ ولباسِها.
وعلى هذا الجمعِ بوَّب البيهقيُّ في «سننه» فقد ترجَمَ على تفسيرِ ابنِ عباسٍ ﵄ لقولِه تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١]، فقال: «باب: ما تُبْدِي المرأةُ مِن زينَتِها للمَذْكُورِين في الآيةِ مِن محارِمِها»، ثم أورَدَ قولَ ابنِ عباسٍ الذي فيه: «والزِّينةُ الظاهرةُ: الوجهُ وكُحْلُ العينِ وخِضَابُ الكَفِّ والخاتَمُ؛ فهذا تُظْهِرُه في بيتِها لمن دخَلَ عليها» (١).
ونصَّ على هذا ابنُ عبدِ البرِّ؛ فجعَلَ كشفَ الزينةِ وإظهارَها للمحارمِ لا للأجانبِ، فقال: «إنَّ ذَوِي المحارِمِ مِن النَّسَبِ والرضاعِ لا يُحتجَبُ منهم ولا يُستتَرُ عنهم إلا العَوْراتُ، والمرأةُ فيما عدَا وجهَها وكَفَّيْها عورةٌ» (٢).
ومَن نظَرَ إلى تفسيرِ بقيةِ الصحابةِ في ذلك، وجَدَ أنه يتطابَقُ مع هذا المعنى ويوافِقُه؛ كما صحَّ عن عبدِ الله بنِ مسعودٍ ﵁؛ أنَّ الزينةَ الظاهرةَ: الثيابُ (٣)، وعلى هذا
_________________
(١) سبق تخريجه (ص ١٠٥ - ١٠٦).
(٢) انظر: «التمهيد» (٨/ ٢٣٦).
(٣) أخرجه عبد الرزاق في «تفسيره» (٢/ ٥٦)، وسعيد بن منصور=
[ ١١٣ ]
جميعُ أصحابِه وغيرُهم مِن العراقِيِّين؛ كأبي الأحوَصِ والنَّخَعِيِّ والحسَنِ وابنِ سِيرِينَ وغيرِهم (١)، وقال به مجاهدٌ (٢)، ومرادُه بالثيابِ: التي تكونُ تحتَ الجلبابِ مما على الثيابِ الداخليةِ مِن زخرفةٍ وزينةٍ، فالجلبابُ يستُرُ زينةَ الملابسِ التي تحتَه ممّا يُلبَسُ في البيوتِ عادةً، فللمحارمِ رؤيةُ ذلك؛ لأنَّ الزينةَ تكونُ بالثيابِ كما في قولِه تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١]؛ يعني: زينةَ ثيابِكم؛ وبهذا فسَّرَ أبو إسحاقَ السَّبِيعِيُّ قولَ ابنِ مسعودٍ ﵁؛ فقد تَلَا هذه الآيةَ: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ لَمَّا روى تفسيرَ ابنِ مسعودٍ، عن أبي الأحوَصِ، عنه (٣).
_________________
(١) = في «سننه» (١٥٦٩ /التفسير)، وابن أبي شيبة في «مصنفه» (١٧٢٨٢ و١٧٢٩٦)، وابن جرير في «تفسيره» (١٧/ ٢٥٦ و٢٥٧)، وابن أبي حاتم في «تفسيره» (٨/ ٢٥٧٣ و٢٥٧٤)، وغيرهم.
(٢) انظر: «سنن سعيد بن منصور» (١٥٧١)، و«مصنف ابن أبي شيبة» (١٧٢٨٥ و١٧٢٨٩ و١٧٢٩٣)، و«تفسير ابن جرير» (١٧/ ٢٥٧).
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم في «تفسيره» (٨/ ٢٥٧٤).
(٤) انظر: «تفسير عبد الرزاق» (٢/ ٥٦)، و«تفسير ابن جرير» (١٧/ ٢٥٧).
[ ١١٤ ]
الوجهُ الثاني: أنَّ فِقْهَ السلفِ في غيرِ التفسيرِ في بقيةِ أبوابِ السترِ والنظَرِ، دالٌ على هذا المعنى؛ فقد صحَّ عنِ ابنِ شهابٍ الزُّهْرِيِّ قولُه: «لا بأسَ أن ينظُرَ الرجلُ إلى قُصَّةِ المرأةِ مِن تحتِ الخمارِ، إذا كان ذا مَحْرَمٍ، فأمَّا أنْ تسلَخَ خمارَها عندَه، فلا» (١).
وقال الزهريُّ أيضًا في المرأةِ تسلَخُ خمارَها عند ذي مَحْرَمٍ: «أمَّا أنْ يَرَى الشيءَ مِن دونِ الخمارِ، فلا بأسَ، وأمَّا أن تسلَخَ الخمارَ، فلا»؛ أخرجَه عبدُ الرَّزَّاقِ عن مَعْمَرٍ، عنه، وهو صحيحٌ (٢).
ومَن جَمَعَ أقوالَ السلَفِ في جميعِ الأبوابِ، ونظَرَ فيها في سياقٍ واحدٍ، أدرَكَ حجمَ وَرَعِهم وتحفُّظِ نسائِهم، وأدركَ أنهم يَدُورون في دائرةٍ أُخرى مِن العِفَّةِ والاحتياطِ على غيرِ ما يحمِلُه كثيرٌ مِن الكُتَّابِ عنهم؛ فإنَّهم لا يريدونَ مِن معنى الزينةِ التي تتعلَّقُ بالوجهِ وما حولَه للأجانبِ الأبعَدِين، وهم لا يختَلِفُون في جوازِ كشفِ المرأةِ لوجهِها للأقرَبِين، ولا يخوضونَ في ذلك؛ وإنَّما يذكُرُون الوجهَ اختصارًا لإجازةِ زينَتِه تبغًا مِن الكُحْلِ والقُرْطِ، ويذكُرُون
_________________
(١) أخرجه عبد الرزاق في «مصنفه» (١٢٨٢٩).
(٢) أخرجه عبد الرزاق في «مصنفه» (١٢٨٣٠).
[ ١١٥ ]