لا يَخْتلِفُ العلماء في جميعِ المذاهبِ: أنَّ المرأةَ يجبُ عليها ألَّا تَلْبَسَ لباسًا ملتصِقًا يَصِفُ جسمَها، ولا أنْ تلبَسَ شَفَّافًا يُبْدِي لونَ أو هيئةَ ما يجبُ عليها سَتْرُه مِن بَدَنِها، وهُنَّ المقصوداتُ بقولِه ﷺ في أحدِ الصنفَيْنِ مِن أهلِ النارِ: (نِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ) (١)؛ يعني: لا هي كاسيةٌ ولا هي عارِيَةٌ؛ لشُفُوفِ لباسِها ووَصْفِه، وفي» المسنَد» عن أسامةَ بنِ زَيْدٍ ﵄، قال: كَسَانِي رسولُ اللهِ ﷺ قُبْطِيَّةً كَثِيفَةً مما أهدَاها له دِحْيَةُ الكَلْبِيُّ، فكَسَوْتُها امرأتي، فقال: ما لَكَ لم تَلْبَسِ القُبْطِيَّةَ؛ قلتُ: كسوتُها امرأتي، فقال: (مُرْها فلْتَجْعَلْ تحتَها غِلَالَةً؛ فإنِّي أخافُ أن تَصِفَ حجمَ عِظامِها) (٢).
وقد أجمَعَ الصحابةُ والتابعونَ على النهيِ عنه؛ فقد
_________________
(١) أخرجه مسلم (٢١٢٨)؛ من حديثِ أبي هريرة ﵁.
(٢) أخرجه أحمد في «مسنده» (٥/ ٢٠٥ رقم ٢١٧٨٦ و٢١٧٨٨).
[ ٧٥ ]
جاءَ عن عمرَ ﵁ مِن وجوهٍ؛ أنَّه كان ينهى النساءَ عن لُبْسِ ما يَصِفُ وَيشِفُّ؛ رواه جماعةٌ كعبدِ اللهِ بنِ خُبَيْبٍ الجُهَنِيِّ، وعبدِ الله بنِ أبي سَلَمَةَ، وأبي يزيدَ المُزَنِيِّ، وأبي صالِحٍ، ومسلمٍ البَطِينِ، وسُليمانَ بنِ مُسهِرٍ؛ كلُّهم يرويه عن عُمَرَ (١)، ورواه نافعٌ عنِ ابنِ عُمَرَ (٢)، وعكرمةُ عنِ ابنِ عباسٍ ﵄ (٣).
وقد روى مالكٌ في «الموطَّأ»، عن علقمةَ بنِ أبي علقمةَ، عن أُمِّه؛ أنَّها قالَتْ: «دخلتْ حفصةُ بنتُ عبدِ الرحمنِ على عائشةَ أُمِّ المؤمِنِين، وعلى حفصةَ خمارٌ رقيقٌ، فشقَّقَتْهُ عائشةُ وكَسَتْها خمارًا كثيفًا» (٤)؛ واللِّبَاسُ مالٌ مُحترَمٌ لا يُتلَفُ إلا للنهيِ عنه وتحريمِه.
وروى ابنُ أبي شيبةَ، عن ميمونِ بنِ مِهْرانَ، قال: «لا بأسَ بالحَرِيرِ والدِّيبَاجِ للنساءِ؛ إنما يُكْرَهُ لهنَّ ما يَصِفُ
_________________
(١) انظر: «مصنف عبد الرزاق» (٩٢٥٣ و١٢١٤٢)، و«مصنف ابن أبي شيبة» (٢٥٢٨٨ و٢٥٢٨٩)، و«تاريخ المدينة» لابنِ شَبَّةَ (٣/ ٧٩٣)، و«السنن الكبرى» للبيهقي (٢/ ٢٣٤).
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في «مصنفه» (٢٥٢٩١).
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة في «مصنفه» (٢٥٢٩٠).
(٤) أخرجه مالك في «الموطأ» (٢/ ٩١٣).
[ ٧٦ ]