أخرج مالك في الموطأ عن زيد بن أسلم مرسلا أن النبي (قال لرجلين: "أيكما أطَبّ؟ " قالا: يا رسول الله وفي الطب خير؟ قال: "أنزَلَنا الداء الذي أنزل الدواء"١.
_________________
(١) ١ فتح الباري ج١٠ ص١٣٤، نيل الأوطار ج٨ س٢٢٥، زاد المعاد لابن القيم ص٢.
[ ٢٠٥ ]
وفي صحيح البخاري قال: حدثنا عطاء بن أبي رباح عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء".
ولمسلم عن جابر رفعه: "لكل داء دواء، فإذا أصيب دواء الداء برأ بإذن الله تعالى".
ولأبي داود من حديث أبي الدرداء رفعه: "إن الله جعل لكل داء دواء؛ فتداووا ولا تتداووا بحرام".
من جملة هذه الأحاديث يعلم أن التداوي مطلوب شرعا، وأن الداء والدواء من قدر الله ﷿، وعلى حد سواء.
وإذا كان التداوي مطلوبا فهل هو مطلوب بكل ما يظن أنه دواء، وسواء أكان هذا الدواء حلالا أم حراما؟
أما كون التداوي مطلوبا بدواء هو حلال فهذا أمر لا مرية فيه بمقتضى هذه الأحاديث التي تقدمت.
أما التداوي بمحرم فهذا ما يحتاج الأمر فيه إلى تفصيل.
فعن وائل بن حجر أن طارق بن سويد الجعفي سأل النبي ﷺ عن الخمر، فنهاه عنها، فقال: إنما أصنعها للدواء، قال: "إنه ليس بدواء ولكنه داء". رواه أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي وصححه.
وعن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ: "إن الله أنزل الداء والدواء، وجعل لكل داء دواء؛ فتتداووا ولا تتداووا بحرام". رواه أبو داود.
وقال ابن مسعود في المسكر: "إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم". ذكره البخاري.
وعن أبي هريرة قال: "نهى رسول الله ﷺ عن الدواء الخبيث؛ يعني السم". رواه أحمد ومسلم وابن ماجه والترمذي.
وهل الخمر إلا سم، كما أوضح الطب الحديث في التفصيل الذي أوردناه آنفا؟.
والناظر في هذه الأحاديث يجد التصريح بأن الخمر ليست بدواء، بل إن الأمر لا يقف عند هذا الحد ولكن جاوزه إلى التصريح كذلك بأنها داء.
إذن يحرم التداوي بها كما يحرم شربها، وكذلك سائر الأمور النجسة أو المحرمة.
وإلى هذا ذهب الجمهور الراسخ من أهل العلم.
[ ٢٠٦ ]
ويقول الشيخ أبو زهرة في كتابه (العقوبة) ص١٨٥:
إن الخمر محرم لغيبته، فلا يباح ولو للتداوي؛ لأن الخمر لا تتعين طريقا للعلاج حيث غيرها من الدواء الطاهر يفي بالغرض، وما قال طبيب منذ نشأ الطب إلى اليوم أن في الخمر فائدة طبية لا توجد في غيرها.
وحقيقة فإن من يقرأ رأي الطب الحديث - الذي يقوم على البحث والاختبارات المعملية والاكتشافات العلمية - يرى أن محمدًا ﷺ قال فيها كلمة الحق؛ كيف لا وهو الذي ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى.
يقول الدكتور أوبرلوس، رئيس قسم الأمراض النفسية في جامعة لندن، في أكبر وأشهر مرجع طبي بريطاني - مرجع برايس الطبي -: "إن الكحول هو السم الوحيد المرخص بتداوله على نطاق واسع في العالم كله، ويجده تحت يديه كل من يتصور أنه يهرب من مشاكله.
ولذا يتناوله بكثرة كل مضطربي الشخصية، ويؤدي هو إلى اضطراب الشخصية ومرضها، إن جرعة واحدة من الكحول تسبب التسمم وتؤدي إما إلى الهيجان أو الخمود، وقد تؤدي إلى الغيبوبة.
أما شاربو الخمر المدمنون فيتعرضون للتحلل الأخلاقي الكامل مع الجنون"١.
وقد كان يعتقد قديما وإلى عهد قريب أن الخمر لها منافع طبية، ولكن الاكتشافات العلمية بينت أن هذا الاعتقاد وهم لا نصيب له من الصحة، وصدقت هذه الاكتشافات أنها حقا داء وليست بدواء٢، وبما شهدت به الأعداء كما يقولون.
ومنافع الخمر كلها موهومة؛ لأن هذه المنافع إما مادية بالنسبة لمن يبيعها ويتجر فيها فردا كان أو شركة أو دولة؛ فإن ما يعود إلى المجتمع أفدح وأعظم بكثير من هذا الكسب المادي، فالخسارة المؤكدة هي الخراب السلوكي والصحي مما لا يمكن أن يعوضه مال مهما بلغ.
أو منافع طبية وصناعية، وكلها أمر موهوم؛ فالواقعون في أسرها يعتقدون أنها تفتح الشهية، وعلى هذا الاعتقاد الكاذب استعملت قديما وحديثا في أغلب بلاد العالم تحت تأثير هذا المعتقد، فهي تفتح الشهية أول الأمر لأنها تزيد من إفراز حامض المعدة (كلور الماء) .
_________________
(١) ١ كتاب الخمر بين الطب والفقه ص٢١. ٢ نفس المرجع.
[ ٢٠٧ ]
ولكنها بعد فترة تسبب التهاب المعدة الذي يترتب عليه بالتجربة المؤكدة فقدان الشهية، وكثيرا ما يعقبه القيء المتكرر، وآخرها سرطان المريء١.
وبعد، فإن من يتتبع موضوع التداوي بالمحرم يجد أن المتفيهقين الذين أباحوه بحجة الاضطرار لم يفهموا مطلقا معنى الاضطرار الدافع لاستعمال المحرم، فالاضطرار هو التيقن من هلاك النفس بانعدام ما يؤكل أو يشرب، فيصبح إنقاذا وقتيا من الفناء أن يأكل الميتة ويشرب الخمر، ولا يأثم بذلك، ولا حد يقام عليه عندئذ، وكذا إذا فعله جهلا أو بالشبهة التي تدرأ الحدود، إذًا فلا يجوز مطلقا التداوي بها؛ لقول الرسول الكريم ﷺ: "إن الله لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليها"، ولقوله في الخمر كما أسلفنا: "إنه ليس بدواء ولكنه داء"، فهل بعد قول الرسول وما ثبت به قوله الشريف من تجارب الواقع مجال لتقول بإباحة التداوي بالخمر؟
ننتقل بعد هذا العرض إلى بيان بعض الأحكام التي تتعلق بالخمر، والتي بينها الفقهاء، حتى يكون للناس حجة بعد هذا.
أولًا: حكم من أنكر تحريم الخمر:
معلوم أنه لا خلاف بين العلماء في أن المتخذ من عصير العنب النيئ إذا غلا واشتد يكون خمرا، أما المتخذ من غير ذلك من المسكرات فهو محل خلاف بينهم، وهذا الاختلاف له أثره في الحكم بتكفير مستحل الخمر المتخذ من عصير العنب النيئ إذا غلا واشتد وقذف بالزبد؛ لإجماعهم على تحريمه وتسميته خمرا حقيقة وشرعا، وثبوت تحريمها بالدليل القطعي.
أما غيرها فيما اختلف العلماء في تسميتها خمرا وإن اتفق على حرمته؛ فإنه لا يحكم بكفر مستحلها وإنما يحكم بفسقه، وإن كان يستحق العقاب بالشرب عندهم.
انظر إلى قول الشافعي في شرح المنهاج٢: "وحقيقة الخمر المسكر من عصير العنب وإن لم يقذف بالزبد، وتحريم غيرها بنصوص دلت على ذلك، ولكن لا يكفر مستحل قدر لا يسكر من غيره للخلاف فيه، أي من حيث الجنس لحل قليله على قول الجماعة، أما المسكر بالفعل فهو حرام إجماعا كما حكاه الحنفية فضلا عن غيرهم، بخلاف مستحله من عصير العنب الصرف الذي لم يطبخ ولو قطره؛ لنه مجمع عليه". انتهى.
_________________
(١) ١ كتاب (الخمر بين الطب والفقه) ص٢٢. ٢ نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج ج٨/ص١١، نيل الأوطار ج٨ ص١٩٣، فتح الباري ج١٠ ص٥١.
[ ٢٠٨ ]
عن أبي أمامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "لا تذهب الليالي والأيام حتى تشرب طائفة من أمتي الخمر، ويسمونها بغير اسمها". رواه ابن ماجه١.
وعن عبادة بن الصامت ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "لتستحلن طائفة من أمتي الخمر باسم يسمونها إياه". رواه أحمد وابن ماجه وقال: "تشرب" مكان "تستحل".
ومن هذا يتضح أن من استحل الخمر بعد تحريمها الذي تعددت نصوصه من الكتاب والسنة والإجماع - مهما تنوعت طرقه وقويت أساليبه وانتشر أمره انتشارا فاحشا بما في ذلك بلاد الإسلام - فهو مرتد عن دينه؛ لإنكاره معلوما من الدين بالضرورة.
ثانيًا: تحريم بيع الخمر:
من سنة الإسلام في الأحكام أنه إذا حرم شيئًا حرم ما يكون ذريعة إليه، ومن هنا حرم الإسلام بيع الخمر والانتفاع بثمنها، كما يحرم تمليكها وتملكها بسائر أسباب الملك، ولو لم يكن هؤلاء جميعا من شاربيها.
وقد ذكر ذلك صريحا في المصدر الثاني من مصادر التشريع الإسلامي، وهو السنة الصحيحة التي بلغت بمجموعها حد التواتر، وانعقد عليه المصدر الثالث، وهو الإجماع، وبذلك كان بيع الخمر باطلا عند جميع الأئمة، ولا يترتب عليه ملكها للمشتري، ولا ملك ثمنها للبائع، وكان ثمنها أكلا للأموال بالباطل، أي: بوسيلة محرمة غير مشروعة في ديننا إطلاقا.
وقد روى ذلك مسلم في صحيحه بقوله ﷺ: "يا أيها الناس إن الله يبغض الخمر، ولعل الله سينزل فيها أمرا؛ فمن كان عنده منها شيء فليبعه ولينتفع به"، وما لبثوا إلا يسيرا حتى قال ﵊: "إن الله حرم الخمر، فمن أدركته هذه الآية - يريد ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ..﴾ وعنده منها شيء، فلا يشرب ولا يبع"، فاستقبل الناس بما كان عندهم منها طرق المدينة فسكبوها.
وكذلك ما رواه أحمد والنسائي: لقي رسول الله ﷺ رجلا يوم الفتح - برواية ابن حجر - فقال له: "أما علمت أن الله حرمها؟ " فأقبل الرجل على غلامه
_________________
(١) ١ نيل الأوطار ج١٠ ص٥١.
[ ٢٠٩ ]
وقال له: اذهب فبعها، وكأنّ الرجل فهم أن التحريم قاصر على شربها، فقال له الرسول صلوات الله عليه: "إن الذي حرم شربها حرم بيعها"، فأفرغت في البطحاء.
ثالثًا: تحريم إهدائها والانتفاع بذاتها:
وكما حرم الله بيعها على المسلم حرم عليه أيضا إهداءها إلى غير المسلم، وقد قيل للرسول ﷺ من أحدهم بعد أن بين حرمة بيعها أفلا أكارم لها اليهود؟ فقال: "إن الذي حرمها حرم أن يكارم بها اليهود".
ومن هذا الحكم - وهو حرمة بيعها والانتفاع بثمنها - تقررت حرمة الانتفاع بذاتها على أي نحو من أنحاء الانتفاع؛ من طريق الخلط بغيرها، أو عن طريق الاستغلال، فيحرم أن تدخل في الطعام بأي قدر كان، أو تصفيف الشعر بها كما تفعله بعض السيدات، ويحرم تقديمها على موائد المسلمين مجاملة لغير المسلم، أو بيعها في الفنادق للسياح، كما تفعل وزارت السياحة في معظم البلاد العربية والإسلامية، باسم ترويج السياحة وزيادة الدخل القومي مما حرم الله، وهو في الحقيقة نقص وخراب وليس زيادة، كما يحرم أيضا (الجمارك عليها) .
فكل ما يأتي عن طريق الخمر حرام لا مرية في حرمته، ولا يحل الانتفاع به في أي وجه من الوجوه، كالإعلان عنها على الجدران وفي الصحف كما في كثير من بلاد المسلمين أيضا مع بالغ الأسف، والأشد أسفا أن بعض الدول التي يدين أهلها بالإسلام وينتمون للعروبة، ويتكلمون العربية لغة القرآن الذي حرمت آياته الخمر، تتخذ من الخمر مصدرا من مصادر إنتاجها بمصانع الخمر عندها، وتقوم بتصديرها لشتى الدول، ومن عملائها دول مسلمة أيضا، وأصبح تبعا لذلك شرب الخمر مباحا للجميع، والقانون يحمي السكارى إذا تعرض لهم أحد غيور على دينه.
رابعًا: إهدار قيمتها:
ومن خلال حرمة بيعها وحرمة الانتفاع بها أيضا سقوط تقوّمها في حق المسلم، بمعنى أنها لا تضمن بالإتلاف.
ومما يجب معرفته هنا: أن حق إتلافها إنما أعطاه الإسلام للحاكم خاصة، ولم يعط شيئًا منه للأفراد، حسمًا للخصومات ودفنا للفتن، وبذلك كان للحاكم حق تعزير الأفراد الذين يبيعونها، مهما بلغ التعزير، حتى إن عمر ﵁ كان يحرق على الخمارين بيوتهم، قطعا لمادة الإفساد، ومحافظة على الشخصية الإسلامية التي أعز بها المجتمع المؤمن في عصره الزاهر العظيم.
[ ٢١٠ ]