لما فرغ أبو بكر من أمر أهل الردة، رأى توجيه الجيوش الى الشام فكتب الى أهل مكة، والطائف، واليمن، وجميع العرب بنجد «١٦٦»، يستنفرهم للجهاد ويرغبهم في غنائم الروم، فسارع الناس اليه من بين محتسب وطامع، وأتوا المدينة من كل أوب، فعقد ثلاثة ألوية لثلاثة رجال، لخالد بن سعيد بن العاص بن أمية، ولشرحبيل بن حسنة وهي أمه، وأبوه عبد الله بن المطاع الكندي، وكانت حسنة مولاة معمر بن حبيب بن وهب بن حذافة بن جمح، ولعمرو بن العاص بن وائل السهمي. وكان عقده هذه الالوية، يوم الخميس غرة صفر سنة ثلاث عشرة، وذلك بعد مقام الجيش معسكرين بالجرف المحرم كله، وأبو عبيدة يصلي بهم،
[ ٢٨٤ ]
وكان أبو بكر، أراد أبا عبيدة أن يعقد له فاستعفاه من «١٦٧» ذلك، قالوا:
ولما عقد أبو بكر لخالد بن سعيد، كره ذلك عمر، وقال: انه رجل فخور سيجعل الامر على المغالبة والتعصب فبعث أبو بكر أبا أروى الدوسى، فأخذ اللواء منه ودفعه الى يزيد بذى الروة، فسار به أخوه معاوية يحمله بين يديه، وصار جيش خالد مع يزيد وسار خالد محتسبا في جيش شرحبيل.
وتقدم أبو بكر الى عمرو بن العاص أن يسلك طريق آئلة عامدا لفلسطين.
وأمر يزيد أن يأخذ طريق تبوك وكتب الى شرحبيل في أن يأخذ طريق تبوك أيضا. وكان العقد لكل أمير على ثلاثة آلاف رجل، فلم يزل أبو بكر يتبعهم الامداد حتى صار مع كل أمير منهم سبعة آلاف وخمسمائة رجل، ثم تتامّ جمعهم «١٦٨» بعد ذلك أربعة وعشرون ألفا. وروي الواقدي: ان أبا بكر ولي عمرا فلسطين، وشرحبيل الاردن ويزيد دمشق، وقال: اذا كان بكم قتال فأميركم من تكونون في عمله.
وروي: انه أمر عمرا مشافهة أن يصلي بالناس اذا اجتمعوا واذا تفرقوا صلى كل أمير بأصحابه، وأمر الامراء أن يعقدوا لكل قبيلة لواء يكون فيهم. وقالوا: فلما صار عمرو بن العاص الى أول عمل فلسطين كتب الى أبي بكر يعلمه كثرة عدد العدو وعدتهم وسعة أرضهم ونجدة مقاتلتهم، فكتب أبو بكر الى خالد بن الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم وهو بالعراق، يأمره بالمسير الى الشام فقال قوم: انه جعله أميرا على الامراء في الحرب، وقال آخرون: بل كان أميرا على أصحابه الذين شخصوا من العراق معه وكان المسلمون اذا اجتمعوا
[ ٢٨٥ ]
لحرب أمره الامراء فيها لبأسه وقوة مكيدته، فأول وقعة كانت بين المسلمين وعدوهم بقرية من قرى غزة يقال لها داثن كانت بينهم وبين بطريق «١٦٩» غزة، فأقتتلوا فيها قتالا شديدا. ثم ان الله أظهر أولياءه وهزم أعداءه وفض جمعهم وذلك قبل قدوم خالد بن الوليد عليهم. ثم بلغهم ان ستة قواد من الروم نزلوا العربة فسار اليهم أبو أمامة الصدي بن عجلان الباهلي، في كثف من المسلمين، فهزمهم، وقتل أحد القواد، ثم صاروا الى الدابية، فاتبعهم فهزمهم وغنم المسلمون غنما حسنا. ولم يمر المسلمون منذ فصلوا من الحجاز بشيء من الارض الى موضع الوقعة الا غلبوا عليه بغير حرب وصار في أيديهم.
ورد كتاب أبي بكر، على خالد بن الوليد وهو بالحيرة فخلف المثنى ابن حارثة الشيباني على ناحية الكوفة، وسار في شهر ربيع الاخر سنة ثلاث عشرة في ثمانمائة، ويقال: في ستمائة، ويقال في خمسمائة، وأتى عين التمر ففتحها عنوة، وأتى صندوداء وبها قوم من كندة، وأياد، والعجم، فقاتلوه فظفر بهم وخلف بها سعد بن عمرو بن حزام الانصاري فولده اليوم بها. وبلغه ان جمعا لبني تغلب «١٧٠» بالمضيّح، والحصيد مرتدين، وعليهم ربيعة بن بجير فأتاهم فقاتلهم فهزمهم وسبى وغنم وبعث بالسبي الى أبي بكر، فكانت منهم أم حبيب الصهباء بنت حبيب بن بجير، وهي «١٧١» أم عمر بن علي بن أبي طالب «١٧٢» . ثم أغار على مياه مر بها في طريقه منها
[ ٢٨٦ ]
قرار وهو ماء لكلب، ومنها [الى] «١٧٣» سوى وهو ماء لهم أيضا. ومر بناحية قرقيسيا، فخرج اليه صاحبها في خلق فتركه وانحاز الى البر ومضى لوجهه فأتى أركة وهي- ارك- وأغار على أهلها وحاصرهم ففتحها صلحا على شيء أخذ منهم، وأتى دومة الجندل، ففتحها ثم أتى قصم فصالحه بنو مشجعة بن التيم «١٧٤» بن النمر بن وبرة بن تغلب بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة، وكتب لهم أمانا. ثم أتى تدمر من عمل حمص فأمتنع أهلها وتحصنوا ثم طلبوا الامان، فآمنهم على أن يكونوا ذمة وعلى أن يقروا «١٧٥» المسلمين، ورضخوا لهم، ثم أتى القريتين فقاتله أهلها فظفر وغنم ثم أتى حوارين من سنير فأغار على مواشي أهلها فقاتلوه، وقد جاءهم مدد [أهل] «١٧٦» بعلبك، وأهل بصرى، وهي مدينة حوران، فظفر بهم فسبي وقتل ثم أتى مرج راهط، فأغار على غسان في يوم فصحهم وكانوا نصارى، فسبى وقتل ووجه بسر بن أبي ارطاة العامري من قريش، وحبيب بن مسلمة الفهري الى غوطة دمشق، فأغار على قرى من قراها وصار خالد الى الثنية «١٧٧» التي تعرف بثنية العقاب من دمشق، فوقف عليها ساعة ناشرا رايته وهي راية كانت لرسول الله ﵇، سوداء فسميت ثنية العقاب. يومئذ والعرب تسمى الراية عقابا، ونزل خالد الباب الشرقي، ويقال:
احفظ لي هذا العهد فوعده ذلك. ثم سار حتى انتهى الى المسلمين وهم بقناة بصرى، ويقال: انه أتى الجابية وبها أبو عبيدة في جماعة من المسلمين فألتقيا ثم مضيا الى بصرى.
[ ٢٨٧ ]