لما فتح المسلمون مصر بعث عمرو بن العاص الى النواحي التي حولها الخيل ليطاءهم فكان ممن بعث لذلك، عقبة بن نافع الفهري، وكان نافع أخا العاص لامه في جماعة من المسلمين فدخلت خيولهم أرض النوبة كما تدخل الصوائف بلد الروم فلقى المسلمون بالنوبة قتالا شديدا، ورماة النبل لا يكادون أن يحيطوا فلم يزل المسلمون يغزوهم ويكالبونهم ويأبون صلحهم مدة ولاية عمرو بن العاص، فلما تولى عبد الله بن سعد بن أبي سرح، أجابهم الى الهدنة على ثلثمائة رأس كل سنة، وعلى أن يهدى اليهم طعاما بقدر ذلك.
قال الواقدي: وبالنوبة ذهبت عين معاوية بن حديج الكندي. وقال: أبو عبيد القاسم بن سلام من أشياخه يرفعه الى يزيد بن حبيب ليس بيننا وبين الاساود عهد ولا ميثاق انما هي هدنة على ان يعطوا شيئا من قمح، ويعطونا رقيقا فلا بأس بشراء رقيقهم منهم أو من غيرهم.
وحكى أبو عبيد عن عبد الله بن صالح عن الليث بن سعد انه، قال: انما الصلح بيننا وبين النوبة على الا نقاتلهم ولا يقاتلونا وأن يعطونا رقيقا ونعطيهم بقدر ذلك طعاما فان باعوا نساءهم وأبناءهم، لم أر بذلك بأسا أن يشترى، وكان المهدي أمر بالزام النوبة في كل سنة ثلثمائة رأسا وستين وزرافة على أن يعطوا قمحا وخلا وثيابا وفرشا أو قيمة ذلك. فقد أدعوا ان البقط لا يجب عليهم الا في كل ثلاث سنين مرة واحدة وليس لذلك «٤١٤» ثبت، الا انهم لم يؤدوه منذ سنين كثيرة.
[ ٣٥٢ ]
فأما البجة: فان المتوكل على الله كان أمر بتوجيه رجل يقال له، محمد بن عبد الله القمي واليا على المعدن بمصر، وولى أيضا القلزم، وطريق الحجاز وبذرقة، حاج مصر، فلما وافى المعدن حمل الميرة في المراكب الى بلاد البجة، ووافى ساحلا يعرف بعيذاب، فوافته المراكب هناك، فاستعان بتلك الميرة حتى وصل الى قلعة ملك البجة، وناهضه في عدة يسيرة وخرج اليه البجوي في الدهم على أبل محزمة، فعمد القمي الى الاجراس فقلدها الخيل، فلما سمعت الابل أصواتها تقطعت بالبجويين في الاودية، والجبال وقتل صاحب البجة، فقام بعده ابن أخيه، وطلب الهدنة، فأبى المتوكل ذلك الا أن يطأ بساطه، فقدم سر من رأى وصولح في سنة احدى واربعين ومائتين، على اداء الاتاوة، والبقط، ورد مع القمي «٤١٥» . فأهل البجة على العهد يؤدون ما فورقوا عليه، ولا يمنعون المسلمين العمل في معدن الذهب. وكان ذلك في الشرط عليهم.