أجمعت الاحاديث والسنن وآراء الفقهاء على انه لا شيء من الصدقة تجب، في الابل الى ان تبلغ خمسا، فاذا بلغت خمسا ففيها شاة الى تسع، فاذا زادت واحدة [ففيها شاتان الى أربع عشرة] «١» فاذا زادت واحدة ففيها ثلاث شياه الى تسع عشرة فاذا زادت واحدة ففيها أربع شياه الى أربع وعشرين، فاذا زادت واحدة ففيها بنت مخاض، فان لم توجد في الابل بنت مخاض فابن لبون ذكر الى خمس وثلاثين، فاذا زادت واحدة ففيها بنت لبون الى خمس وأربعين، فاذا زادت واحدة ففيها حقة طروقة الفحل «٢» الى ستين، فاذا زادت ففيها جذعة الى خمس وسبعين، فاذا زادت واحدة ففيها بنت لبون الى تسعين، فاذا زادت واحدة ففيها حقتان طروقتا الفحل الى مائة وعشرين، فاذا بلغت الابل مائة وعشرين وقع الاختلاف وليس فيما قبل ذلك اختلاف الا في حديث يروى عن علي بن أبي طالب «٣»: وليس بالمصحح عنه، وهو ان الابل اذا بلغت خمسا وعشرين، ففيها خمس شياه. فأما فيما بعد المائة والعشرين، ففي القول المنسوب الى علي، يكون في مائة وخمس وعشرين حقتان وشاة، وفي مائة وثلاثين حقتان وشاتان وعلى ذلك زيادة شاة في كل
[ ٢٢٧ ]
خمس يزيد الى مائة وخمس وأربعين فاذا بلغت الابل مائة وخمسة وأربعين كان فيها حقتان وخمس شياه، وفي قول أهل العراق وبه كان يقول سفيان، حقتان وبنت مخاض، فاذا كملت الابل مائة وخمسين ففيها ثلاث حقاق، فان زادت على ذلك استؤنفت بها أيضا كما ابتدأت أول مرة الى المائتين فاذا بلغتها كانت فيها أربع حقاق، فاذا زادت استؤنفت بها أيضا على ما فسرنا.
فهذا قول علي ومذهب أهل العراق. أما مالك وأهل الحجاز فيقولون: ان الزيادة على المائة والعشرين مما دون العشرة شنق «٤» لا يعتد به، ويعني بالاشناق ما بين الفريضتين من الاعداد التي اذا زادت لم يعتد بزيادتها في الفريضة ويسمى ذلك في البقر الاوقاص. والاشناق، مأخوذ من شنق القربة وهو أن تملأ حتى يشتال براسها، فكان زيادة على الملأ فاذا بلغت مائة وثلاثين، قالوا: ان فيها بنت لبون «٥»، وحقة وفي مائة وأربعين حقتان، وبنت لبون في مائة وخمسين ثلاث حقاق وفي مائة وستين أربع بنات لبون «٦»، [وفي مائة وسبعين ثلاث بنات لبون وحقة] «٧» وفي مائة وثمانين حقتان وبنتا لبون وفي مائة وتسعين ثلاث حقاق وبنت لبون، وفي مائتين أو أربع حقاق، وعلى هذا يعملون في كل ما يزيد يأخذون من كل خمسين حقة أو من كل أربعين بنت لبون، ويقولون: ان الفرائض في الابل اذا تجاوزت الغنم في أول الامر الى
[ ٢٢٨ ]
الابل لم تعد بعد ذلك غنما. وروي عن علي بن أبي طالب «٨» ﵀ انه قال: اذا لم يوجد في الابل السن التي توجبها الفريضة فاخذ المصدق المسن التي فوقها رد شاتين أو عشرة «٩» دراهم، وبهذا كان «١٠» يأخذ سفيان وكان يقول: عشرة دراهم أو دينار، وكان الاوزاعي يقول: اذا لم يوجد السن التي تجب أخذت قيمتها وكان مالك يقول: انه لا يبدل سن مكان سن الا ما جاءت فيه الرخصة من أخذ ابن لبون بنت مخاض. ذهب سفيان الى الاثر الذي رواه عن علي بن أبي طالب «١١»، وذهب اليه الاوزاعي: الى انه ليست تتساوى قيم ما بين كل سنين.
وكره مالك أن يأخذ غير الفرض. وقال: اذا وجب على رب المال سن فعليه أن يأتي بها وفيه مشقة على الناس، وكان النبي ﵇ «١٢» يأمر به التيسير عليهم. وهذا في شأن الابل وما يخالطه الصغار منها. فأما اذا كانت كلها صغارا مثل الخيران «١٣» والسقاب «١٤» ففيها اختلاف فسفيان يقول: انه يرد المصدق على رب المال بفضل ما سن من السنن التي تؤخذ وبين الربع «١٥» والسقيب. ومالك يقول: انه يؤخذ منها مثل ما يؤخذ من
[ ٢٢٩ ]
المسان ولا يرد المصدق الفضل على رب المال، وقال بعض الناس: لا صدقة في الصغار ولا شيء على ربها. وقال بعضهم: فيها واحدة منها. فأما اذا جاء المصدق فوجدها أربعا مثلا، وقد كان الحول حال عليها وهي خمس فأهل العراق يقولون تلزمه أربعة أخماس وشاة يذهبون الى ان الصدقة قد كانت وجبت عليها مع مضي الحول، فلما ذهب بعضها سقط من الصدقة بحسابه.
ومالك يقول: لا شيء فيها لان الصدقة انما تجب على رب المال يوم يصدق، وكذلك اذا كانت ناقصة عما تجب فيه الفريضة فكملت يوم يحول الحول عليها. فان كانت خمسا حولين ولم يحضر المصدق فان سفيان يقول: ان فيها اذا حضر واحدة للسنة الاولى وليس عليها للسنة الثانية شيء. وقال مالك: عليه شاتان، ذهب سفيان الى ان السنة الثانية لم يكن خمسا تامة لما لزمه فيها من الدين، وانها خمس الا قيمة شاة. وأخذ مالك بسنة عمر انه آخر الصدقة عام الرمادة «١٦» فلما أحيا الناس عقل عليهم عقالين.
فأما ما روى عن النبي ﵇ «١٧» انه قال: (لا ثناء في الصدقة) «١٨» فأن أبا عبيد القاسم ابن سلام «١٩» قال: «ان أصل الثناء في كلامهم ترديد الشيء وتكريره بالجهل «٢٠» ووضعه في غير موضعه»، وتفسير ذلك ان الصدقة اذا تأخرت عن قوم عاما لحادثة تكون حتى تتلف أموالهم لم تثن عليهم في قابل صدقة العام الماضي لكنهم يؤخذون بما في أيديهم للعام الحاضر،
[ ٢٣٠ ]
قال: وفيها تأويل آخر وهو انه لا تؤخذ الصدقة «٢١» في عام مرتين، قال:
والتأويل الاول أعجب اليّ» . ومالك يرى في الابل العوام الصدقة وأهل العراق على خلاف ذلك وما يتعامل الناس به اليوم انها تؤخذ في السائمة فقط. وأما تفسير الاسنان فأولها الجذعة «٢٢» وهي التي لها سنة ثم ابنة المخاض وهي التي تنمخض امها بولد آخر في بطنها ولها سنتان. ثم ابنة اللبون، وهي التي قد ولدت امها ولدا آخر فصار لها لبن ولها ثلاث سنين.
ثم الحقة، وهي التي قد استحقت أن يحمل عليها أربع سنين.
والعراب والنجاتي في وجوب ما على الابل من الصدقة واحد. فأما صدقات البقر فالاجماع من أهل العراق وأهل الحجاز، ان في كل ثلاثين بقرة تبيعا جذعا، وهو الذي قد استوت قرناه وأذناه في كل أربعين بقرة مسنة، والمسن هو الثنى، فما زاد وليس بين جميع الفقهاء خلاف في ان الحوادث والعوامل «٢٣» من البقر لا صدقة فيها الا مالك بن انس فأنه يرى في العوام الصدقة والناس كلهم على خلاف ذلك ولا خلاف بينهم أيضا في الاوقاص «٢٤» من البقر، وانه لا شيء فيها وهي ما بين الفريضتين واذا خالطت البقر الجواميس فسنتها واحدة. وأما صدقات الغنم فأن الاجماع من أهل العراق والحجاز انه لا شيء فيها دون الاربعين منها فاذا بلغت الاربعين ففيها شاة
[ ٢٣١ ]
الى مائة وعشرين فاذا زادت على ذلك واحدة ففيها شاتان الى المائتين، فاذا زادت واحدة ففيها ثلاث شياه الى الثلاثمائة، فاذا زادت الغنم على ذلك ففي كل مائة منها تامة شاة، واذا كانت الغنم حسانا «٢٥» وسخالا فالجميع محسوب فأن كانت كلها صغارا ففي ذلك الخلاف.
وقد تقدم وصفه عند ذكر الابل الا ان عمر حكم بأن يعتد بالسخلة ولا يؤخذ بازاء ما عفى عنه مما يضن به رب المال، وقد جاء في الحديث تفسير ذلك منه الربي «٢٦» وهي التي معها ولدها تربيه. والرغوث، وهي التي يرغثها ولدها والرغث، الرضاع، والعرب تضرب المثل فتقول، أكل من الرغوث. الماخض وهي التي تمخض بالولد يذهب ويجيء في بطنها.
والكنوف، وهي التي تربض ناحية من الغنم تطلب الزوج لسفنها. والاكولة، وهي التي يسمنها رب المال ليأكلها.
وفحل الغنم وهو الذي يحتاج اليه رب المال للنكاح «٢٧» وكل ذلك فلا يؤخذ الا ان يشاء رب المال. وجاء في الحديث المصدق وأصحاب الحديث يحققونه فتصير على الخلاف لان المصدق بالتخفيف هو الذي يأخذ الصدقة، والمصدق بالتشديد هو الذي يعطيها، ومع هذا فانه لا يؤخذ في الصدقة رذال المال ومنه الصعراء المائلة العنق، ومنه الاكيلة وهي التي افترسها السبع واستنقذت منه، ومنه أيضا الثولاء، وهي المجنونة ومنه العضباء وهي
[ ٢٣٢ ]
المكسورة القرن. والهرمة وكل ذات عوار. بل يؤخذ في الصدقة الوسطى من كل شيء وليس في أسنان الغنم ما يؤخذ غير سنين كما في البقر أيضا الا انه على الخلطاء في الفحل والمرعى، والحوض، والمراح واحدة مثل أن يكون ثلاثة نفر حالهم في المخالطة على ما قدمنا ذكره واحده وبينهم مائة وعشرون شاة فيلمونّهم جميعا فيها شاة واحدة.
وأهل العراق وسفيان بن سعيد يرون أن الاجتماع والتفرق لا يقعان الا في الملك وان الثلاثة النفر الذين ذكرناهم اذا كان لواحد منهم أربعون شاة يلزمهم فيها ثلاث شياه وفي الابل مثل ذلك حتى انه اذا كان ثمانية خلطاء على الاحوال الموجبة عند أهل الحجاز للمخالطة والاجتماع وبينهم أربعون من الابل لكل واحد منهم خمس منها ان عليهم فيها ثماني شياه. وأما ما جاء في الحديث من انه ما كان بين خليطين فأنهما يتراجعان بينهما بالسوية فأن أهل الحجاز لوضعهم الامر في المخالطة على ما قدمناه اذا كان أربعون شاة مثلا بين خليطين وكان احدهما يملك ثلاثين والاخر عشرا فاوجبوا في الاربعين واحدة انه يجب على رب الثلاثين، ثلاثة أرباعها، وعلى رب العشرة ربعها فان كانت من غنم صاحب الاقل، عاد على صاحب الاكثر ثلاثة ارباع شاة وان كانت من غنم صاحب الاكثر رجع على صاحب الاقل بربع شاة.
وقال أهل العراق: ان هذا انما هو في الخليطين المتفاوضين اللذين لا يعرف احدهما مبلغ غنمة الا ان احدهما يملك الثلثين والاخر الثلث ومثال ذلك مائة وعشرون شاة، فان المصدق ياخذ «٢٨» منها شاتين يجب على صاحب
[ ٢٣٣ ]
الثلثين شاة وثلث وعلى صاحب الثلث ثلثا شاة فرجع صاحب الثلثين لان قسطه من الاصل ثمانون شاة على صاحب الثلث لان قسطه من الاصل، اربعون شاة بثلاث شياه اذ كان ما يلزم صاحب الثمانين شاة وما يلزم صاحب الاربعين شاة أيضا فاذا أخذ من الغنم شاتين كان لصاحب الاكثر فصل ثلاث شياه على خليطة الاخر وهذا أشبه بقوله يتراجعان فيما بينهما بالسوية.
[ ٢٣٤ ]