قال الله ﵎ «١»: «إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ وَالْعامِلِينَ عَلَيْها وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقابِ، وَالْغارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ»
«٢» .
وقال رسول الله «٣»، ﷺ: «المسألة لا تحل الا لثلاثة، رجل تحمل بحمالة بين قوم، فيسأل حتى يؤديها ثم يمسك، ورجل اصابته جائحة «٤» فاجتاحت ماله فيسأل حتى يصيب قواما من عيش أو سدادا من عيش ثم يمسك. ورجل اصابته فاقة حتى يشهد له ثلاثة من ذوي الحجى من قومه ان قد أصابته فاقة وان قد حلت له المسألة، فيسأل حتى يصيب قواما من عيش أو سدادا من عيش ثم يمسك، وما سوى ذلك من المسائل سحت» .
[ ٢٥١ ]
وقال ﵇ «من سأل من غير فقر فانما يأكل الجمر» «٥»، وقال صلى الله عليه «٦»: «الصدقة لا تحل لغني ولا لذي مرة سوى» «٧» . فأما الفصل بين الغني والفقير فقد جاءت الروايات فيه بأحوال مختلفة ففي بعضها السداد والقوام من العيش وفي البعض انه الغداء والعشاء وفي البعض انه مالك خمسين درهما أو بحسابها من الذهب، وفي البعض أوقية من ورق، والاوقية المأخوذ بها والتي تعمل الفقهاء عليها أربعون درهما. وقد ذهب الى كل ذلك قوم وقال بعضهم: في العوام من العيش انه عقدة القيم «٨» الرجل وعياله سنتهم فاذا ملك هذه العقدة فهناك تحرم عليه الصدقة.
وكان سفيان يأخذ في الغنى انه مالك خمسين درهما وأرى ان مالك بن
[ ٢٥٢ ]
انس «٩» يقول: بالاوقية، وقالوا: ان ذلك يكفه اذا كانت فضلا عن مسكنه الذي يأويه ويأوي عياله ولباسهم الذي غناء بهم عنه، ومملوك ان دعتهم الحاجة اليه. وقد روي عن الحسن، انه سئل عن الرجل تكون له الدار والخادم هل ذلك مانع له من الصدقة، فقال: يأخذها ان احتاج ولا حرج عليه. وروي عن عمر بن عبد العزيز «١٠»: انه كتب في الغارمين «١١» ان يقضي عنهم فكتب اليه انا نجد الرجل له المسكن والخادم والفرس والاثاث.
فكتب عمران المسلم لابد له من مسكن يسكنه، وخادم يكفيه مهنته، وفرس يجاهد عليه عدوه، ومن أن يكون له الاثاث في بيته، وأمر بأن يقضى عمن هذه سبيله، وقد يكون أيضا من الناس المحدود والمحروم من الرزق وهو المحارف «١٢» فاذا كان الانسان كذلك مع اجتهاده في السعي لعياله فأن له حقا في أموال المسلمين لقول الله ﵎ «١٣» «وَفِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ»
. وحكى أبو عبيد القاسم بن سلام «١٤»: ان ابن عباس كان يفسر هذه الآية بأن المحروم، هو المحارف. وقال بعض أهل العراق: ان الصدقة تحل لمن يملك أقل من مائتي درهم، ولو بدرهم واحد، واحتج بحديث «١٥» رسول الله صلى الله «١٦» حين قال: «ان الصدقة
[ ٢٥٣ ]
تؤخذ من أغنيائهم فترد الى فقرائهم» «١٧» وان الفقير هو الذي لا تجب «١٨» عليه الصدقة ومن كان ملكه أقل من مائتي درهم بدرهم واحد لم تجب «١٩» الصدقة عليه. وقال أبو عبيد «٢٠» القاسم بن سلام: أمر عمر بن عبد العزيز الفقهاء أن يكتبوا له السنة في الثمانية الاسهم التي ذكرها الله ﷿ في كتابه فكتب: «ان سهم الفقراء نصفه لمن غزا منهم في سبيل الله، أول غزوة حين يفرض له من الامداد، وأول عطاء يأخذونه ثم تقطع عنهم بعد ذلك الصدقة، ويكون سهمهم من الفيء. والنصف الثاني للفقراء الذين لا يغزون مثل الزمنى والمكث الذي يأخذون العطاء. وسهم المساكين فالنصف منه لكل مسكين به عاهة «٢١» لا يستطيع معها حيلة ولا تقلبا [في الارض] «٢٢» والنصف الثاني للمساكين الذين يستطعمون ويسألون ومن في السجون من أهل الاسلام ممن ليس له أحد. وسهم العاملين عليها فلمن «٢٣» سعى على الصدقات بأمانة وعفاف يعطي على قدر ولائه وما يجمعه من مال الصدقة ولعماله على قدر ولايتهم وجمعهم ولعل ذلك يبلغ قريبا من ربع هذا السهم. ويرد الذي يبقى بعد الذي يعطى عماله على من يغزو
[ ٢٥٤ ]
من الامداد «٢٤» والمشترطة «٢٥» وسهم المؤلفة قلوبهم لمن يفترض «٢٦» له من امداد الناس أول عطاء يعطونه ومن يغزوا مشترطا ممن لا عطاء له وهم فقراء ومن يحضر المساجد من المساكين الذين لا عطاء لهم، ولا سهم ولا يسألون الناس وسهم الرقاب، نصفان لكل مكاتب يدعي الاسلام وهم على أصناف شتى، فلفقهائهم في الاسلام فضيلة ولمن سواهم منهم منزلة اخرى على قدر ما أدى كل واحد منهم من الكتابة وما بقى «٢٧» عليه.
والنصف الباقي تشترى به رقاب ممن قد صلى وصام وقدم في الاسلام من ذكر وانثى ثم يعتقون. وسهم الغارمين على ثلاثة أقسام منهم صنف لمن يصاب في سبيل الله في ماله وظهره، ورقيقه وعليه دين ولا يجد ما يقضيه منه ولا ما يستنفق الا بدين. والصنفان الاخران لمن يمكث ولا يغزوا وهو غارم «٢٨» قد أصابه فقر وعليه دين لم يكن منه شيء في معصية الله لا يتهم في دينه، أو قال ذنبه. وسهم في سبيل الله فمنه لمن فرض له ربع هذا السهم ومنه للمشترط الفقير ربع هذا السهم ومنه لمن تصيبه الجائحة٢»
في ثغره ولمن هو غاز في سبيل الله. وسهم ابن السبيل يقسم ذلك لكل طريق على قدر من يسلكه ويمر به من الناس لكل رجل «٣٠» من ابن السبيل ليس له مأوى ولا أهل يأوى اليهم ويطعم «٣١» حتى يجد منزلا أو يقضى حاجته ويجعل في منازل معلومة على أيدي امناء لا يمر بهم ابن سبيل به حاجة الا آووه وأطعموه، وعلفوا دابته حتى ينفذ ما بأيديهم.
[ ٢٥٥ ]