قال [أبو الفرج]: لما أخذ أمر الفرس يضمحل، ودولتهم تضعف، وسلطانهم يهن، وتدابيرهم تفسد «١»، وسياستهم تضطرب «٢»، فسدت نقودهم، فقام الاسلام ونقودهم من العين والورق، غير خالصة فما زال الامر على ذلك الى أن اتخذ الحجاج دار الضرب، وجمع فيها الطباعين، فكان المال يضرب للسلطان مما يجتمع له من التبر، وخلاطة الزيوف «٣»، والبهرجة «٤» . ثم أذن للتجار في أن تضرب لهم الاوراق، واشغل الدار من فضول ما كان يؤخذ من الاجور، وختم على أيدي الصناع والطباعين وذلك في سنة خمس وسبعين. ثم نقش على الدراهم (الله أحد الله الصمد)، فسميت المكروهة لان الفقهاء كرهوها «٥» . ثم لما «٦» ولى عمر بن هبيرة «٧» العراق، ليزيد
[ ٥٩ ]
بن عبد الملك، خلص الفضة أبلغ تخليص، وجود الدراهم وأشتد في العيار.
ثم لما ولى خالد بن عبد الله القسري العراق «٨»، لهشام بن عبد الملك، اشتد في النقود أكثر من اشتداد ابن هبيرة، حتى أحكم أمرها أبلغ من أحكامه على الطباعين وأصحاب العيار، وقطع الايدي، وضرب الابشار «٩»، فكانت الهبيرية، والخالدية، واليوسفية «١٠»، أجود نقود بني أمية. ولم يكن يقبل المنصور من نقودهم في الخراج غيرها. فسميت الدراهم الاولى المكروهة. ثم جود العيار في أيام الرشيد، وأيام المأمون، وأيام الواثق، حتى كانت الائمة المعمول عليها في دور الضرب ما جمع عياره، من ثلاثة دنانير مضروبة في تلك الاول الثلاث وهي على هذا الى الان.
فأما الورق، فان الدراهم كانت في أيام الفرس مضروبة على ثلاثة أوزان، درهم منها على وزن المثقال، وهو عشرون قيراطا «١١»، ودرهم
[ ٦٠ ]
وزنه اثنا عشر قيراطا «١٢»، ودرهم وزنه عشرة قراريط «١٣» . فلما احتيج في الاسلام الى الزكاة، أخذ الوسط من مجموع ذلك، وهو اثنان وأربعون «١٤» قيراطا. فكانت أربعة عشر قيراطا من قراريط الدينار، وكانت الدراهم في أيام الفرس، يسمى منها البعض مما وزن الدرهم فيه مساو لوزن الدينار، العشرة. وزن عشرة، ومما الدرهم منه اثنا عشر قيراطا، العشرة وزن ستة ومما الدرهم منه عشرة قراريط، العشرة وزن خمسة. فلما ضربت الدراهم الاسلامية على الوسط من هذه الثلاثة الاوزان قيل في عشرتها وزن سبعة لانها كذلك «١٥» .
فلهذه العلة يفيد ذكر الاوزان في الصكاك، بأن يقال وزن سبعة، جريا على المذهب الاول، الذي كان يحتاط فيه لوجود الأوزان الثلاثة في الدراهم في ذلك الوقت، والان فما أرى يوجد من الاوزان الاول شيء.
فأما ديوان دور الضرب، فأمر العمل فيه جار، على نحو مما شرحناه، من أمر الدواوين المتقدم ذكرها في نصب الدفاتر، ووضع الحسبانات، ولكل ناحية من النواحي في أجرة الدار. والنقد رسم يجري «١٦» الامر عليه، ومسلك للامر في استيفائه «١٧» بحقه.
[ ٦١ ]
فأما ديوان الجهبذة «١٨»، فأعماله أيضا، نحو أعمال سائر الدواوين المذكورة أحوالها، والذي تجري فيه من الاموال، هو مال الكسور والكفاية والوقاية والرواج، وما يجرى مجرى ذلك من توابع، أصول الاموال.
ثم ما ستزيده شرارة الجهابذة، من الفضول على هذه التوابع، بسبب اعنات «١٩» من عليه مال من أهل الخراج، ومن يجري مجراهم في النقود، والصروف وما يرتفقون به من التأخيرات والتقديم عن من يتعذر عليه اداء، في وقت المطالبة ويخرجونه في وجوه النفقات، فان بعضهم لما وجد ذلك في بعض لنواحي، زاد في ضمان الجهبذة بتلك الناحية على من هو ضامن لها، ووقع التزايد في هذه الوجوه بالظلم، والعدوان على الرعية وسائر من يقام لهم الجاري، وتطلق لهم النفقة حتى تراقى مال الجهبذة الى جمل وافرة المبلغ، أصل أكثرها عدوان ثم قد زال أكثر ذلك في هذا الوقت لطول الاصول فضلا عن التوابع.
[ ٦٢ ]