اختلف المسلمون في أرض العنوة، فقال بعضهم: يخمس ثم تقسم الاربعة «١» الاخماس بين الذين افتتحوها وقال بعضهم: وذلك الى الامام ان رأى أن يجعلها غنيمة فيخمسها ويقسم الباقي كما فعل رسول الله ﵇ «٢» بخيبر، فذلك اليه وان رأى أن يجعلها فيئا فلا يخمسها ولا يقسمها بل تكون موقوفة على كافة المسلمين كما فعل عمر بأرض السواد، وأرض مصر وغيرها مما افتتحه عنوة فعل والوجهان جميعا فيها قدوة ومتبع لان رسول الله ﵇ «٣» قسم خيبر وصيرها غنيمة وأشار الزبير بن العوام في مصر، وبلال في الشام. بمثل ذلك وهو مذهب مالك بن انس، وجعل عمر بن الخطاب السواد وغيره فيئا موقوفا على المسلمين من كان منهم حاضرا في وقته ومن أتى بعده ولم يقسمه وهو رأي أشار به [عليه] «٤» علي بن أبي طالب رضوان «٥» الله عليه، ومعاذ بن جبل، وبه كان يأخذ سفيان بن سعيد، وذلك رأي من جعل الخيار الى الامام في تصيير أرض العنوة غنيمة وفيئا
[ ٢٠٦ ]
راجعا على الامة في كل سنة، فأما ما فعله رسول الله صلى الله عليه «٦» من تصييره خيبر غنيمة فانه ﵇ اتبع فيه أية محكمة وهي قوله (وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ)
«٧» فهذه آية، الغنيمة وهي لاهلها دون الناس وبها عمل رسول الله ﷺ، وأما الآية التي أخذ بها عمر وذهب اليها علي [﵇] [«٨» ومعاذ لما أشارا عليه بما أشارا به فهي قوله «٩»: (ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ..
الى قوله لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا
وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ
وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ)
«١٠» فان قسم الامام الارض بين من غلب عليها صارت عشرية وأهلها رقيق وان لم يقسمها وتركها للمسلمين كافة فعلى رقاب أهلها الجزية وقد عتقوا «١١» بها وعلى الارض الخراج وهي لاهلها وهو قول أبي حنيفة، والخراج في لغة العرب اسم المكراء والغاية من ذلك حديث النبي ﷺ ان أبا ظبية حجمة فأمر له بصاعين من طعام وكلم أهله فوضعوا عنه من خراجه. واذا اسلم الرجل من أهل العنوة أقرت أرضه في يده يعمرها ويودي الخراج عنها ولا اختلاف في ذلك. وقال قوم: يكون عليه الخراج ويزكى بقيه ما تخرجه الارض بعد اخراج الخراج واذا بلغ الحب خمسة أو سق وكان علي ابن أبي طالب [عليه
[ ٢٠٧ ]
السلام] «١٢» لا يأخذ من أرض الخراج الا الخراج وحده ويقول: لا يجتمع على المسلم الخراج والزكاة جميعا، وأبو يوسف وشريك بن عبد الله يقولان:
في اخرين اذا استأجر المسلم أرضا خراجية فعلى صاحب الارض الخراج وعلى المسلم أن يزكي زرعه اذا بلغ ما يخرج منه خمسة أوسق. وحكى عن الحسن البصري انه لم يكن يرى ذلك وكان يرى ان على صاحب الارض الخراج وليس على المستأجر شيء، وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: جميعا أجور من يقسم غلة العشر على أهل الارض. وروى عن مالك انه قال «١٣»: أجور العشر على صاحب الارض وأجور الخراج من الوسط. وقال مالك، وأبو حنيفة، وسفيان ويعقوب، وابن أبي ليلى، وأبو الزناد، وزفر، ومحمد بن الحسن، وبشر بن غياث: اذا عطل رجل من أهل العنوة أرضه أمر بزراعتها واداء خراجها والا أمر بأن يدفعها الى غيره. وقال أبو حنيفة، والثوري:
في أرض خراج بنى فيها مسلم أو ذمي «١٤»، ضامن حوانيت وغيرها انه لا شيء عليها فان جعلها بستانا ألزمه الخراج. وقال مالك، وابن أبي ذوئيب:
يلزمه الخراج في البناء لان انتفاعه به كانتفاعه بالزرع. وأما أرض العشر فهو أعلم وما يتخذ فيها.
[ ٢٠٨ ]