قد قسمت الامم المعمور من الارض على ضروب من الاقسام فأول الاقسام ما يروي ان الله بعث ملكين فقسما الارض ثلاثة أقسام وأتيا بالقسمة الى نوح فكتبا له ثلاث قرع على تسمية بنيه سام، وحام، ويافث وألقيا القرع «٢» في اناء، وقالا: أدخل يدك فاخرج على اسم واحد. فأدخل يده على اسم سام فخرج من وسط الارض وهو من حد النيل الى حد الترك.
ثم أدخل يده المرة الثانية على اسم يافث فخرج له من حد سام الى مستدار بنات نعش. ثم أدخل يده المرة الثالثة على اسم حام فخرج من حد سام الى مطلع سهيل، فلما رأى ذلك ﵇ سر به اذ صار فيما يخص به سام ثلاث أماكن مقدسة يعبد فيها الله وهو مكة، وبيت المقدس، وطور سيناء.
فأعلم ذلك سام ودعا له بالبركة ولا يزال الله يعبد ويمجد في قسمه. واستخلفه على ولده وجعل الوصية اليه ودعا لكل واحد منهم بالصلاح «٣» فلما أراد نوح
[ ١٣٨ ]
تفصيل القسمة بين ولده على ما خرجت القرعة خرج لسام ما بين النهرين، نيل مصر والفرات، وما بعد ذلك الى أرض حلوان. ثم ما ارتفع في الشمال الى الروم والبرجان وما على سيف البحر في الجانبين عنها على نهر جيحان ثم في المشرق الى تخوم أرض عدن والشجر.
وخرج ليافث من حد حلوان الى أرض خراسان والجبل، وأرض أصبهان، والديلم، وبرجان، والببر، والطيلسان والترك، والخزر والارمن واللان.
وخرج لحام مما يلي: اليمن من بلاد الزنج والهند والسند والصين، ثم في الغرب بلاد النوبة والبجة والبربر والجزائر من البحار المشرقية والمغربية كلها. فهذه قسمة الارض على ما أجراها نوح في ولده وبارك في ولد سام خاصة ودعا بأن تكون النبوة «٤» فيهم، وكانت شهادة الابد.
وكانت الملوك تقسم مملكتها أربعة أقسام، فجزء منها أرض الترك والخزر، وهو ما بين مغارب الهند الى مشارق الروم. وجزء ما بين أرض الترك الى الهند، وهو أرض السودان وجزء من عمان الى مكران وكابل وسجستان وطخارستان. وجزء ينسب الى بلاد فارس ويسمى بلد الجامعين، وهو ما بين نهر بلخ ومنتهى أذربيجان وأرمينية الى الفرات والقادسية.
وكانوا أيضا يعتقدون في هذا القسم انه سرة الارض ووسطها، وانه لذلك اعتدلت ألوان أهله واقتدرت أجسامهم، فخلوا من شقرة الروم، وسواد الحبشة، وغلظ الترك والخزر، ودماثة أهل الصين، ويقال: انهم كانوا يجزون البلاد على المشرق والمغرب والشمال والجنوب، وكانوا يسمون ما بين مطلع الشمس في أطول النهار الى مطلعها في أقصره خراسان، وهو الى صاحب ربع المشرق وما بين مغيب الشمس في أطول النهار ومغيبها في أقصره
[ ١٣٩ ]
جزء ايران. وهو المغرب للشمس فكان الى صاحب ربع المغرب، وما بين مطلع الشمس في أول النهار الاقصر الى مغيبها في آخر النهار الاطول (يمرون) وهي ناحية الجنوب، وكان ذلك الى والي اليمن، وما بين مطلع الشمس في أول النهار الاطول الى مغيبها في آخر النهار الاقصر (باصر) وهي ناحية الشمال فكان ذلك الى أول أذربيجان هذه قسمة الفرس.
وأما الروم فأنهم قسموا المعمورة من الارض، أول قسمة ثلاثة أقسام، فجعلوا الاول، من حد البحر المحيط وهو البحر الاخضر من ناحية الشمال، والخليج الذي يخرج الى حد تيطوس من البحر الاخضر الى بحر الروم «٥» وهو البحر الشامي، وكانت هذه القطعة من الارض كالجزيرة لانها من ناحية الشمال والمغرب البحر الاخضر، ومن ناحية الجنوب، وبعض الشرق بحر الشام وسموه باليونانية أروفى والقسم الثاني: أما جهة المغرب فالبحر الاخضر، ومن ناحية الشمال بحر الروم ومن ناحية الجنوب بحر الحبشة، ومن ناحية المشرق عريش مصر وسموا هذا القسم لوبية.
والقسم الثالث، لما بقي من العمران من هذا الحد الى أقصى المشرق وحدود ذلك. أما من جهة المغرب فنيل مصر والعريش وآئلة. وأما من جهة الجنوب فبحر اليمن والهند.
وأما من ناحية المشرق الى أقصى عمارات الصين فسموا هذا القسم أسبنة الكبرى، وحدوا [هذه] «٦» الاقسام الثلاثة بحدود اخرى. فأما أسبنة فآخر حدودها بحر الحبشة من المشرق والى «٧» نهاية المشرقية الى مصر. والحد الثاني عرض الطريق فيما بين هذا البحر وبحر الشام وسواحله،
[ ١٤٠ ]
وجبل اللكام «٨» مادا الى أقصى العمارة من جهة الشمال. والحد الثالث نهاية هذا الحد من جهة هذا الشمال الى المشرق. والحد الرابع أوقيانوس، وهو البحر والمحيط المشرقي والفيافي التي تليه الى بحر الحبشة.
وأما لوبية «٩» فحدها الغربي بحر الحبشة، والحد الثاني غرب الشام وبرقة وأفريقية والاندلس حتى يتصل ببحر أوقيانوس المغربي ١»
. والحد الثالث الجزائر المسماة الخالدات «١١» التي من بحر اوقيانوس المغربي والفيافي التي تليه ذاهبا الى الجنوب. والحد الرابع الفيافي الجنوبية على الاتصال الى أن تعاد الى بحر الحبشة المغربي الذي عند مصر وهو بحر القلزم.
وأما أروفى فحدها من جبال اللكام وما والاها مادا الى بحر اوقيانوس الشمالي، والحد الثاني، اوقيانوس الشمالي ذاهبا الى نهاية العمارة من جهة المغرب. والحد الثالث، أوقيانوس المغربي ذاهبا الى بحر الروم وهو المشترك بين أروفى ولوبية. والحد الرابع، هو البحر الرومي من البحار الى حد ما يلي لوبية ذاهبا حتى ينتهي الى ساحل الشام في تمام «١٢» الحد الاول حتى ينتهي الى جبال اللكام.
[ ١٤١ ]
والقطع المسمى اتينة من هذه القطوع الثلاثة، يأخذ مما يلي الطول من المشرق الى المغرب، منحرفا الى جهة الشمال، والقطع المسمى لوبية، يأخذ من الثلث الثاني قريب من الثلثين مساويا بحر أتينة «١٣» في العرض من الجنوب الى الشمال الى قدر الثلثين من العرض، والباقي للقطع المسمى باروقى وجميع ذلك، فمقداره من جملة مساحة نصف السدس وشيء يسير، لانه لما كان الحول من المشرق الى المغرب مائة وثمانين جزءا، وهو نصف دورة الارض، ووجدت العمارة من خط الاستواء الذي هو غاية الجنوب، انما هو مبلغ ثلاثة وستين جزءا من جهة الشمال، وكان ضرب مائة وثمانين الذي هو النصف في ستين الذي هو السدس [ونصف السدس] «١٤» وقسط الزيادة من مضروب النيف الذي على السدس في النصف الذي يظن يأخذ العشر الجزء من الارض الباقية بعد نصف السدس المعمورة أكثرها ان تجاوز ما بار نصف السدس من الجهة الجنوبية الذي يكون الشمس من المجرى عليه مثل ما لها في المجرى من الجهة الشمالية انه عامر كعمارة ما عندنا والله أعلم، اذا كان وصول من في هذه الجهة الى تلك، ومن في تلك الى هذه متعذرا من ناحيتي الشمال والجنوب فلما بيناه من حال البرد في الشمال والحر في الجنوب.
وأما من جهة المشرق «١٥» والمغرب، فليس لعلة ظاهرة لانه ليس يوجد مانع يمنع من النفاذ على الخطوط الموازية لمعدل النهار، في المواضع المغمورة ظاهرا وباطنا، الا انه لم نجد مخبرا يخبر بوصوله الى تلك المواضع ولا رآه راي العين ولعل العائق عن ذلك والمانع منه أحوال أرضية ومن
[ ١٤٢ ]
بحار متعددة المسلك، وجبال شاهقة المصعد، وأودية «١٦» لا يمكن فيها المنحدر، ومفاوز يتعذر فيها وجود ما يشرب، وما جاء «١٧» من هذه الاسباب ما يقطع.
فأما قسمة ما هو عامر من الارض بالاقسام المسماة الاقاليم، فأنهم جعلوها سبعة وبدوا قسمتها من خط الاستواء، وهو مبتدأ الجنوب حيث تكون أرض الحبشة، والهند الى غاية العمارة في الشمال، على حسب ما بيناه فيما تقدم. وفرضوا الاقاليم وأخذوا في الطول من المشرق الى المغرب، وجعلوا الاقاليم على التوالي واحدا بعد واحد، الى حيث تكون ساعات نهار الصيف «١٨» فيه عشرون ساعة، والليل أربع ساعات.
والاول من الاقاليم وحده من المغرب الجزائر التي في البحر الاخضر، وناحية الاندلس الى أقصى عمارات الصين، ومسافة ما بين هذين الموضعين اثنا عشر ألف ميل، وطول ذلك من الزمان اثنتا عشرة ساعة، أما يوم أو ليلة لان الشمس اذا غابت في هذه الجزائر طلعت بالصين وعرض الاقاليم الاول من تحت معدل النهار الى مقدار ما يبعد عنه بعشرين درجة وثلاث عشرة دقيقة. وأطول نهار وسطه ثلاث عشرة ساعة يزيد على الاستواء ساعة ويسمى هذا الاقليم الاول مرايس «١٩» وهي مدينة الحبشة.
وأما الاقليم الثاني من حد الاقليم الاول في العرض وهو عشرون درجة وثلاث عشرة دقيقة الى سبع وعشرين درجة واثنى عشر دقيقة وأطول النهار في وسطه ثلاثة عشرة ساعة ونصف يزيد على الاستواء ساعة،
[ ١٤٣ ]
ولا طول فيه الى ناحية الجنوب اذا كانت الشمس في الجوزاء والسرطان واسمه أقليم أسوان وهي المدينة التي على تخوم البجة «٢٠» وأرض مصر.
والاقليم الثالث من حد الاقليم الثاني في العرض وهو سبع وعشرون درجة واثنتا عشرة دقيقة الى تمام ثلاث وثلاثين درجة وتسع وأربعين دقيقة، وأطول نهار وسطه عشرة ساعة ويسمى اقليم مصر.
والاقليم الرابع من حد الاقليم الثالث التي تتمته ثماني وثلاثين درجة وثلاث وعشرين دقيقة وأطول نهار وسطه أربع عشرة ساعة ونصف ويسمى اقليم انطرسوس «٢١» .
والاقليم الخامس من غاية الاقليم الرابع الى تمام، اثنتين وأربعين درجة وثماني عشرة دقيقة، وأطول نهار وسطه خمس عشر ساعة ويسمى اقليم روذش.
والاقليم السادس من غاية الخامس الى تتمه سبع وأربعين درجة ودقيقتين وأطول النهار في وسطه خمس عشرة ساعة ونصف ويسمى اقليم بنطوس. لان خطه على وسط بحر بنطوس «٢٢» .
والاقليم السابع من حد الاقليم السادس الى تتمته ثمان وخمسين درجة وخمسين دقيقة وأطول نهار وسطه ست عشرة ساعة وما تبلغه العمارة فيما بعد ذلك منسوب الى هذا الاقليم.
[ ١٤٤ ]