قال أبو الفرج: قد ذكرنا في المنزلة الثالثة، من أمر البلاغة ووجه تعلمها وتعريف الوجوه المحمودة فيها، والوجوه المذمومة منها، ما اذا وعي «١» كان الكاتب واقفا به على ما يحتاج اليه، وبينا في المنزلة الرابعة عند ذكر مجلس الانشاء وجوها من المكاتبات في الامور الخراجية، ينتفع بها ويكون فيها تبصير لمن يروم المكاتبة في معناها. وقد وجب الان ان نذكر من المكاتبات في الامور التي تخص «٢» ديوان الرسائل، ما يكون به مجزيا لمن أراد الكتاب في معناه، وتطريق لمن قصد الكتاب في سواه مما يجري مجراه. واذا وصفنا ذلك وأتينا به كنا مع ما تقدم في المنزلتين الثالثة، والرابعة قد استوعبنا أكثر ما يحتاج اليه في أمر الترسل الذي به قوام هذا الديوان، لانه ليس يجري فيه شىء من الحسبانات، ولا من سائر الاعمال خلال المكاتبات وما يتصل بها ويحتاج المتولي له الى أن يكون متصرفا في جميع فنون المكاتبات، واضعا لما ينشئه في موضعه، اذ كان للوزير أن يأمر بالمكاتبة في كل فن من الفنون المعروفة والغريبة الواردة. ومما يحتاج الى ذكره في هذا الموضع، لينتفع بمروره مسامع من يؤثر التمهر في هذه الصناعة، ما حكي عن أحمد بن يوسف بن القاسم
[ ٣٧ ]
أبن صبيح «٣» كاتب المأمون، وكان يتولى له ديوان الرسائل انه، قال:
أمرني [المأمون] «٤» أمير المؤمنين، ان أكتب بالزيادة في قناديل المساجد الجامعة، في جميع الامصار، في ليالي شهر رمضان، قال: ولم يكن سبق الى هذا المعنى أحد، فآخذه واستعين ببعض ما قاله، فأرقت مفكرا في معنى أركبه، ثم نمت فرأيت في المنام كأن آتيا أتاني، فقال: قل فان فيها أنسا للسابلة، وإضاءة للمتهجدة، ونشاطا للمتعبدين ونفيا لمكامن الريب، وتنزيها لبيوت الله عن وحشة الظلم. فهذا وما جرى مجراه من الامور الغريبة، انما يحتاج الكاتب فيها الى أن يكون متمهرا في أصل الترسل عارفا [بوجوه المعاني، فأنه يتفرع له فيه ما يرفعه، بل هاهنا وجوه قد كتب في أمثالها، ولها مذاهب يحتاج الى معرفتها، والوقوف على رسومها] «٥»، ولا غنى بالكاتب عن الوقوف عليها، ونحن نأتي في هذا الموضع، من ذكر ما يكتب «٦» به في الاعلام في المكاتبات، وما له رسم معروف، ومذهب مألوف، فيكون مثالا لمن لم يعرفه، وطريقا الى الخبرة به فأول ذلك عهود القضاة.
[ ٣٨ ]
نسخة عهد لقاض بولاية الحكم في ناحية على ما قررته عليه:
هذا ما عهد عبد الله فلان، أمير المؤمنين، الى فلان بن فلان، حين ولاه الحكم بين أهل كور كذا.
أمره بتقوى الله وخشيته، والعمل بالحق الذي يزلف عنده «٧»، والعدل الذي يوافق مرضاته، فأنه عالم بسعادة من لزم طاعته، وشقوة من أثر معصيته، ورجاء أن يكون لسبل الله متبعا، ولما تناهى عنه من جميل لمذهب مصدقا.
وأمره أن يشعر قلبه تقى الله ورهبته، أشعار من يخالف عقابه ويرجو ثوابه «٨»، فان الله يقول، والحق قوله: (وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَكَفى بِنا حاسِبِينَ)
«٩» ويقول: (فَمَنْ «١٠» يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ)
«١١» .
وأمره أن يتولى ما ولاه أمير المؤمنين بنية «١٢» جميلة، وطوية سليمة وصدر منشرح بالحق، ولسان منبعث بالصدق، ويرغب عند جميع أحواله وسائر أفعاله بما أعد الله من جزيل الثواب، ويخاف ما أعده من أليم العقاب.
وأمره اذا حكم ذلك من نفسه، وأشعره أياها في علانيته، وسريرته، ان يختار عند قدومه البلد، قوما من أهل الصلاح والامانة، والستر والصيانة والعلم، بكتاب الله وسنة نبيه (صلى الله عليه)، فيجعلهم أصحاب مسايلة، فان رجوع العاقل انما هو الى أعوانه، وبهم يصلح أو يفسد شأنه.
[ ٣٩ ]
وأمره أن يجعل مجلسه عند تحاكم «١٣» الناس اليه، في مسجد الجماعة، من البلد الذي يحله اذ كان اولى المجالس بالمعدلة، لانه مبذول للضعيف ذي الخلة «١٤» والقريب والبعيد النازح المحلة، وأن يخرج اليه اذا خرج بوقار وتؤدة وهدي وسكينة، والا يتعرض للحكم وهو على حال رفض، ولا غرض يحفزانه عن انفاذ ما يبته ويمضيه، ويحولان بينه وبين البت فيما يقطع به ويرتئيه، بل يتقمن «١٥» أعدل حالاته وأرشدها، وأفضل أوقاته وأحمدها، والا ينهض من مجلسه حتى يقضي «١٦» بحق الله عليه في الصبر والمبالغة، واستقصاء ما بين الخصوم من المنازعة، وان يحسن لهم الاصاخة، ويجمل لهم المخاطبة.
وأمره أن لا يحابي شريفا لشرفه، اذا كان الحق عليه، ولا يزري بوضيع لضعفه اذا كان الحق معه، وان تكون محاورته لمن علت طبقته، واتضعت منزلته واحدة، حتى لا يبأس «١٧» الضعيف من النصفة، ولا يطمع القوي الظالم في الظفر بالغلبة.
وأمره أن ينظر فيما يرد عليه، فما وجده في كتاب الله وسنة نبيه (صلى الله عليه) أمضاه، وقضى به، وما خالفهما طرحه ولم يعبأ بشيء منه، فان الله تعالى «١٨» يقول: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)
عظة من الله للحكام وتحذيرا لهم وتغليظا عليهم، وحق لامر به يسفك الدم ويستحل الفرج، ويوكل المال ان يقع فيه التغليظ والتشديد، ويقرن به التخويف والتحذير.
[ ٤٠ ]
وأمره ان يتثبت في شهادة الشهود ويثبتها قبلة، ثم يبالغ في المسألة عنهم، والبحث عن حالاتهم، والفحص عن وجوه عدالاتهم، ويجعل رجوعه في ذلك الى أهل الثقة، والامانة ومن ليس بينة «١٩» وبين الذي قيل «٢٠» عنه هوادة، ولا عداوة ولا وصلة يجتز بها منه مبرة، ويستدفع «٢١» معها من جهته مضرة.
وأمره اذا صح أمر الشهود عنده في ثقتهم، وعدالتهم، واستبان وجه القضاء، ان يعجل انفاذه فأن تأخير الحقوق بعد ظهورها، إماتة لها وتغرير بها.
وأمره ان هو أشكل عليه شيء من وجوه «٢٢» الحكم، ان يرجع فيه الى مشاورة أهل الرأي والبصر بالقضاء، ومباحثتهم في ذلك، حتى تصح له قضيته أو يستعجم عليه فيكتب الى أمير المؤمنين فيه، ويفسره «٢٣» له على حقه وصدقه، وقيام من قام من البينة عليه بأسمائهم وأسماء آبائهم وقبائلهم، ليصدر اليه في الجواب ما يكون عمله بحبسه.
وأمره ان يتوقف عن الحكم بإراقة الدماء على جهة القود أو غيره، حتى يكتب الى أمير المؤمنين بصورة الامر، ووجه ما أوجب عنده الحكم، ويستطلع في ذلك رأيه، فان للدم منزلة عند الله، ليست لغيره مما يحكم الناس فيه.
[ ٤١ ]
وأمره أن لا يقبل شهادة فاسق، ولا متهم ولا مريب، ولا ظنين ولا جاز «٢٤» الى نفسه بشهادته، حظا من حظوظ الدنيا، ولا مجلود حدا في الاسلام، الا من عرف الله منه توبة، فأن الله يقبل التوبة عن عباده.
وأمره أن ينفذ ما يرد عليه من كتب القضاة، وشهادة الشهود ويقف عليها وعلى خواتيمها، ويفحص عنها فحصا يأمن معه أن يكون محتالا فيها، فاذا وقف على صحتها أنفذها على حقها وعدلها، الا ان ترى في شيء من ذلك، جورا فاحشا وقضاء مخالفا لمذهب من مذاهب أئمة الفقهاء المشاهير، فيكتب بذلك الى أمير المؤمنين ولا يعتمد بما يفعله منه أبطال حق أو تأخيره، فأنه سيان عند أمير المؤمنين منع ذي حق حقه واعطاء المبطل ما ليس له.
وأمره أن لا يرد قضاء قاض من قضاة المسلمين ولا كتابه، ولا يبطل ذلك ولا يدفعه.
وأمره أن يقبض ما في يد القاضي قبلة من الحجج والكتب، ويعمل عليها من غير رجوع فيها أو تعقيب لها، وان يتسلم منه الاموال التي قبله، والمواريث والودائع التي كانت عنده، ويعمل فيها بحق الله وحكمه.
وأمره أن لا يورث أهل ملتين، وأن يقبل من شهادة «٢٥» بعض أهل الملل على بعض، ولا يقبل شهادتهم على أهل الاسلام، وأن يقبل شهادة المسلمين على جميعهم، لما فضلهم الله به من معرفته، وأصفاهم به من دينه.
وان يحكم بين أهل الملل فيما يتنازعون فيه اليه بحكم الاسلام، فأن حكمه لازم لهم بالذلة والصغار. وان يفحص عن أهل شهادات الزور التي جرت «٢٦»
[ ٤٢ ]
لهم بها العادة، وقد جعلوا ذلك شعارا وطمعة، فان ظفر بأحد منهم جاءه شاهدا «٢٧» عذبه وعاقبه، وشهره وعاقب المشهود له. فتوخ طاعة الله وتقواه، والعمل بما وافق الحق وضاهاه، فان الله مع الذين اتقوا، والذين هم محسنون، ومع من اطاعه وعمل بمرضاته، وعلى من عصاه وأتبع ما نهى عنه.
وأمير المؤمنين يسأل الله، ان يحسن علي العدل عونك، وفي الحكم به توفيقك، وأن يقضي بالصدق على لسانك، ويجعل على الحق ضمير قلبك ومحصول فعلك.