الامم والاجيال المخالفة للاسلام «٢» مكتنفة له من جميع أطرافه ونهايات أعماله منهم. [المتقارب من] «٣» دار مملكته ومنهم المتباعد عنها، وكانت ملوك الطوائف الذين ملكهم ذو القرنين يؤدون الاتاوة الى ملك الروم خمسمائة وأحد عشرة سنة الى ان جمع أردشير بن بابك المملكة بعد مشقة فينبغي أن يكون المسلمون لصنوف أعدائهم أشد حذرا منهم للروم، وقد جاءت بذلك آيات ليظهر بها حقيقة ما قلته، والله الموفق للمصلحة بقدرته، فلما كانت الروم على ما وصفت وجب أن نقدم الكلام في الثغور المقابلة لبلدهم على الكلام في غيرها، فنقول: ان هذه «٤» الثغور منها برية تلقاها بلاد العدو. وتقاربه من جهة البر، ومنها بحرية تلقاه وتواجهه من جهة البحر، ومنها ما يجتمع فيه الامران وتقع المغازي من أهله في البر والبحر والثغور البحرية على الاطلاق بسواحل الشام ومصر كلها، والمجتمع فيه الامران غزو البر والبحر.
[ ١٨٥ ]
الثغور المعروفة بالشامية، فلنبدأ بذكرها وهي: طرسوس وأذنة، والمصيصة، وعين زربة، والكنيسة، والهارونية، وبياس، ونقابلس، وارتفاعها نحو المائة ألف دينار، ينفق في مصالحها وسائر وجوه شأنها، وهي المراقب، والحرس، والفواثير، والركاضة، والموكلين بالدروب، والمخايض، والحصون، وغير ذلك مما جانسه من الامور والاحوال، ويحتاج الى شحنتها من الجند والصعاليك. وراتب مغازيها، الصوائف، والشواتي، في البر والبحر في السنة على التقريب مائتي ألف دينار وعلى المبالغة، وهي أن يتبع ثلثمائة ألف دينار، والذي يلقاها في بلاد العدو ويتصل بها، أما من جهة البر فالقبادق «٥» ويقرب منها الناطلوس «٦»، ومن جهة البحر سلوقية وعواصم هذه الثغور، وما وراءها الينا من بلدان الاسلام، وانما سمي كل واحد منهما عاصما لانه يعصم الثغر ويمده في أوقات النفير، ثم ينفر اليه من أهل انطاكية والجومة وقورس «٧» .
ثم يلي هذه الثغور عن يمينها وجهة الشمال منها الثغور المعروفة بالجزرية. وأول ما يحاد الثغور الشامية منها مرعش، ويليه ثغر الحدث وكان يلي هذه زبطرة، فخربت أيام المعتصم، وكان له عند النهوض الى بلاد العدو حتى فتح عمورية- الحدث «٨» المشهور- فلما انتهى الى موضع زبطرة بنى مكانها وبالقرب منها حصونا لتقوم مقامه، وهي الحصون المعروفة «٩» بطبارجي، والحصن المعروف بالحسينية، والحصن المعروف ببني المؤمن، والحصن المعروف بابن رحوان. ثم يلي
[ ١٨٦ ]
هذه الحصون ثغر كيسوم. ثم ثغر حصن منصور. ثم ثغر شميشاط «١٠»، ثم ثغر ملطية «١١» . وهو الخارج في بلد العدو من جميع هذه الحصون، وكل واحد بينه وبين بلد العدو، درب وعقبة. وثغر ملطية مع بلد العدو في بقعة وأرض واحدة، وكان يواجه هذه الثغور، ويقابلها من بلد الروم خرشنة وعمل الخالدية، فحدث في هذا الوقت بينهم وبين الروم والارمن الذين في جملة ميلح الارمني في بلد كان يسكنه قوم يسمون السالفة، وهم من الروم الا انهم يخالفونهم في كثير من أديانهم، وكان [هؤلاء] «١٢» مع المسلمين يعينونهم في غزواتهم، ويتوفر على المسلمين المعونة بهم، الى أن رحلوا دفعة واحدة عن هذا الموضع، باساءة أهل الثغور معاشرتهم وقلة اشراف المدبرين على أمرهم، فتفرقوا في البلاد وسكن مكانهم هؤلاء الارمن.
وابتنوا الحصون المنيعة. ثم صارت لهم العدة الكثيفة والمعرة الشديدة، وارتفاع هذه الثغور مع ملطية سبعون ألف دينار يصرف منها في مصالحها أربعون ألف دينار، ويبقى ثلاثون ألف دينار. ويحتاج لنفقة الاولياء والصعاليك على التجزئة، مائة ألف وعشرون ألف دينار، [تضاف الى البقية وعلى المبالغة مائة وسبعون ألف دينار] «١٣» . تنضاف اليها تتمة مائتا «١٤» ألف دينار سوى نفقات المغازي في أوقاتها، وهذه الثغور هي الواسطة ومنها كانت تقع المغازي فان احتيج الى الغزو منها كانت النفقة حسب الغزاة.
وعواصم هذه الثغور دلوك ورعبان، ومنبج. ويلي هذه الثغور عن يمينها أيضا وفي جهة الشمال، الثغور المسماة بالبكرية وهي: سميساط، وحاني، وملكين. وحصونها منها: جمح. ومنها حوران ومنها الكلس وغيرها.
[ ١٨٧ ]
ثم ثغر قاليقلا في جهة الشمال عن هذه الثغور زيادة، الا انه كالمنفرد لما بينه وبينها من المسافة البعيدة، والذي تقابله هذه الثغور من أعمال الروم على الارمنياق، وبعض «١٥» عمل الخالدية ويقرب منها عمل افلاجونية «١٦» المتصل ببلاد الخزر، وارتفاع هذه الثغور في السنة ألف ألف وثلثمائة ألف درهم، تحتاج نفقاتها في مصالحها وحصونها وأرزاق شحنها الى هذا المقدار وزيادة ألف ألف وسبعمائة ألف تتمة ثلاثة آلاف ألف درهم «١٧» .
أما الثغور البحرية وهي سواحل جند حمص، أنطرسوس «١٨» وبلنياس «١٩»، واللاذقية، وجبلة، والهرياذة، وسواحل جند دمشق، عرقة، وطرابلس، وجبيل، وبيروت، وصيدا، وحصن الصرفند، وعدنون.
وسواحل جند الاردن، صور، وعكا، وبصور صناعة المراكب وسواحل جند فلسطين قيسارية، وارسون، ويافا، وعسقلان، وغزة. وسواحل مصر، رفح، والفرما، والعريش، ومقدار ما يغزو في الغزاة من مراكب الثغور الشامية، ما يجتمع اليها من مراكب الشام ومصر من الثمانين الى المائة، والغزاة اذا عزموا عليها في البحر كوتب أصحاب مصر والشام في العمل على ذلك، والتأهب له يجتمع بجزيرة قبرص ويسمى ما يجتمع منها الاسطول، كما يسمى ما يجتمع من الجيش في البر المعسكر، والمدبر لجميع أمور المراكب الشامية والمصرية صاحب الثغور الشامية ومقدار النفقة على المراكب اذا غزت من مصر والشام نحو مائة ألف دينار.
[ ١٨٨ ]
واذ قد ذكرنا أمر الثغور الرومية وأسبابها، فلا بأس أن نذكر أحوال الروم ما ينتفع بعلمها، فأول ذلك بترتيب جيوشهم وهو ان البطريق يكون رئيسا على عشرة آلاف مع كل بطريق «٢٠»، طرماخان «٢١»، وكل طوماخ على خمسة آلاف، ومع كل طوماخ خمسة طربخارين كل طربخار على ألف ومع كل طربخار خمسة قمامسة كل قومس على مائتين، ومع كل قومس خمسة قنطرخين كل قنطرخ [على أربعين ومع كل قنطرخ] أربعة داقرخين «٢٢» كل داقرخ «٢٣» على عشرة «٢٤» .
فأما عدة جيوشهم، فمنها بقسطنطينية «٢٥» وهي حضرة الملك أربعة وعشرون ألفا منهم الفرسان ستة عشر ألفا، والرجالة ثمانية آلاف، فينقسم الفرسان أربعة أقسام، أولها الاسخلارية، وصاحبهم الدمستق الكبير وهو صاحب فرض الفروض، والرئيس على الجماعة وعدتهم أربعة آلاف فارس.
[ ١٨٩ ]
والصنف الثاني الحسف وهم أربعة آلاف فارس. والصنف الثالث أوقومس، وهم للحرس وصاحبهم طريخان وعدتهم أربعة آلاف. والصنف الرابع، قيدار طين وهم يخرجون مع الملك اذا خرج في سفر وعدتهم أربعة [آلاف] «٢٦» وينقسم الرجالة قسمين فالاول منهما يسمون اتليمسا وعدتهم أربعة آلاف راجل. والباقي يسمون موبرة وعدتهم أربعة آلاف.
أما في سائر الاعمال، وهي أربعة عشر عملا منها، قدر الخليج القاطع لبلد الروم الذي ينصب نحو الشام، وقد تقدم ذكره ثلاثة أعمال أحدها، طافلا «٢٧» وهو البلد الذي فيه قسطنطينية وحده من جهة المشرق الخليج المقدم ذكره. ومن جهة الجنوب بحر الشام، ومن جهة الشمال بحر الخزر، ومن جهة المغرب سور ممدود من بحر الشام الى بحر الخزر، طوله مسيرة أربعة أيام، وهو من القسطنطينية على مرحلتين. ويعرف الذي يليه بتراقية، وحده من جهة المشرق السور المقدم ذكره، ومن الجنوب مقدونية. ومن الغرب بلاد البرجان. ومن الشمال بحر الخزر وطوله مسيرة أحد عشر يوما، وعرضه من بحر الخزر الى عمل مقدونية مسيرة ثلاثة أيام، والوالي عليه يعرف بالاصطرطيقوس «٢٨» وجنده خمسة آلاف رجل [ودون الخليج أحد عشر عملا أحدها عمل افلاجونية «٢٩» وجنده عشرة آلاف رجل] «٣٠» . ثم يليه نحو الغرب عمل الافطي ماطي «٣١»، وتفسير هذه اللفظة بالعربية الاذن والعين لان هذا العمل سره بلاد الروم، وليس أهله أصحاب حرب [لانه]
[ ١٩٠ ]
لا يبلغ اليهم مغازي المسلمين ولا غيرهم، وحده الغربي الخليج والشمالي «٣٢» بحر الخزر والشرقي عمل افلاجونية والجنوبي الابسيق وجنده أربعة آلاف رجل. ثم يلي الافطي ماطي «٣٣» عمل الابسيق وحده الغربي الخليج والشمالي «٣٤» الافطي ماطي، والجنوبي عمل الناطلوس «٣٥»، والشرقي عمل الترقسيس «٣٦» . وجنده ستة آلاف رجلا. ثم يلي الابسيق عمل الترقسيس وحده من جهة الغرب، الخليج، ومن الشمال الابسيق، ومن المشرق الناطلوس، ومن الجنوب بحر الشام، وجنده ستة آلاف رجلا، ثم يليه عمل الناطلوس «٣٧» وتفسيره المشرقي، وهو أكبر أعمال الروم له حد الى الابسيق في الغرب ومن الجهة الجنوبية سلوقية عند بحر الشام. ومن جهة المشرق عمل القبادق، ومن الشمال البقلار «٣٨»، وجنده خمسة عشر ألف رجلا، وفيه مدينة عمورية التي فتحها المعتصم، ويليه عمل سلوقية ناحية بحر الشام وأحد حدوده من المغرب الناطلوس ومن الجنوب البحر، ومن الشمال الترقسيس ومن المشرق درب الطرسوس ناحية قلمية واللامس وجنده خمسة آلاف رجلا. ثم يليه عمل القبادق، وحده من جهة الجنوب طرسوس وأذنة «٣٩» والمصيصة. ومن جهة المغرب أعمال سلوقية ومن الشمال الناطلوس ومن المشرق أعمال خرشنة، وجنده أربعة آلاف رجلا. ثم يلي ذلك عمل خرشنة
[ ١٩١ ]
واحد حدوده «٤٠» وهو الجنوبي يلي القبادق وحديلي دروب ملطية «٤١» وهو الشرقي [وحد] «٤٢» يلي عمل الارمينات وهو الشمالي وحد يلي عمل البقلار٤»
وهو الغربي وجنده أربعة آلاف رجلا. ثم يليه عمل البقلار، فحد منه عمل الناطلوس والافطي ماطي. والثاني القبادق. والثالث خرشنة.
والرابع الارميناق، وجنده ثمانية آلاف رجل، وعمل الارميناق فحد منه يلي الافلاجونية، والثاني عمل البقلار، والثالث عمل خرشنة، والرابع عمل الخالدية وبحر الخزر، أربعة آلاف رجلا. ثم الخالدية، وحد منه بلاد أرمينية، والثاني بحر الخزر، والثالث عمل ارميناق، والرابع أيضا من عمل الارميناق. وجنده أربعة آلاف رجلا، فجميع جيش الاحد عشر عملا التي مقابلتنا «٤٤» سوى من لا معول عليه، وانما هو من يحشر فارسا وراجلا، سبعون ألف رجلا.
ثم نتبع ذلك بوصف أحد «٤٥» أيام الغزوات ليكون علم ذلك محصلا محفوظا، فنقول ان اجهدها «٤٦» مما يعرفه أهل الخبرة من الثغريين أن تقع الغزاة التي تسمى الربيعية لعشرة أيام تخلو من ايار، بعد أن يكون الناس قد أربعوا دوابهم، وحسنت أحوال خيولهم، فيقيمون ثلاثين يوما، وهي بقية ايار «٤٧» وعشرة من حزيران، [فأنهم يجدون الكلأ في بلد الروم ممكنا، وكأن دوابهم ترتبع ربيعا ثانيا، ثم يقفلون فيه فيقيمون الى خمسة وعشرين
[ ١٩٢ ]
يوما، وهي بقية حزيران] «٤٨»، وخمسة من تموز حتى يقوى ويسمن الظهر، ويجتمع الناس لغزو الصائفة ثم يغزون لعشر تخلط من تموز، فيقيمون الى وقت قفولهم ستين يوما.
فأما الشواتي فأني رأيتهم جميعا يقولون: «ان كان لابد منها فليكن مما لا يبعد فيه ولا يوغل وليكن مسيرة عشرين ليلة، بمقدار ما يحمل الرجل لفرسه ما يكفيه على ظهره، وان يكون ذلك في آخر شباط، فيقيم الغزاة الى أيام تمضي من آذار، فأنهم يجدون العدو في ذلك الوقت أضعف ما يكون نفسا ودوابا «٤٩»، ويجدون مواشيهم كثيرة ثم يرجعون ويربعون دوابهم يتسابقون.
ولنبدأ بذكر ما يليها من الشمال، فنأخذ ذات اليمين حتى نأتي على أطراف المملكة ووراء الثغور، حتى نعود الى حدود الروم من جهة الغرب، فنقول ان حد الخزر من أرمينية الى خوارزم من خراسان وكان أنو شروان بن قباذ لما ملك بني مدينة الشابران «٥٠» ومدينة مسقط، ومدينة الباب والابواب بأرمينية، وانما سميت أبوابا لانها بنيت على طرق في الجبل، وأسكن من يأتي من بعده قوما سماهم السياسجيين، ثم لما خاف عادية الخزر كتب الى ملكهم يسأله الموادعة والصلح وأن يكون أمرها واحدا وخطب ابنته ليؤنسه بذلك، وأظهر له الرغبة في مصاهرته وبعث اليه بابنة كانت في قصره تبنت بها بعض نسائه، وذكر له انها ابنته، وهدى الخزري اليه ابنته، ثم قدم عليه فالتقيا بموضع يعرف بالبرشلية «٥١» وتنادما أياما
[ ١٩٣ ]
فأنس كل واحد منهما بصاحبه، وأظهر بره وأكرمه. ثم ان انوشروان تقدم الى جماعة من ثقاته، وخاصته أن يكبسوا طرفا من عسكر الخزري ويحرقوا فيه فلما أصبح شكى ذلك الى أنو شروان فأنكر أن يكون علم بشيء منه ولما مضت له ليال، أمر أنو شروان أصحابه بمعاودة ما كان منهم، فلما فعلوا ضج الخزري من فعلهم، حتى رفق أنو شروان به واعتذر اليه فقبل وسكن. ثم ان أنو شروان أمر بطرح النار في ناحية من عسكره فوقعت في الاكواخ التي اتخذت من الحشيش وعيدان الشجر فلما أصبح أنو شروان ضج اليه الخزري، فقال: كاد أصحابك أن يذهبوا بعسكري ويهلكوه ولقد كافأتني بالظنة فحلف له انه لم يعلم بما جرى، فقال له أنو شروان: يا أخي ان جندك وجندي قد كرهوا صلحنا لانقطاع ما انقطع عنهم من المسير في الغارات التي كانت تكون بيننا ولست آمن أن يحدثوا أحداثا تفسد قلوبنا بعد تصافينا وتخالصنا حتى نراجع العداوة بعد الصهر والمودة، والصواب ان تأذن لي في بناء حائط يكون بيني وبينك نجعل له بابا فلا يدخل الينا من عندك الا من أردنا، فأجابه الى ذلك وانصرف الخزري راجعا وأقام أنو شروان لبناء الحائط فبناه وجعله من قبل البحر بالصخر والرصاص، وجعل عرضه ثلثمائة ذراع الى ان ألحقه بالحبال، وأمر بحمل الحجارة في السفن، وان ترمى في البحر حتى اذا ظهرت على وجه الماء بنى عليها وساق الحائط في البحر ثلاثة أميال، فلما فرغ من بنائه علق على المدخل أبواب حديد، ووكل بها مائة فارس يحرسون الموضع، بعد ان كان محتاجا الى خمسين ألفا من الجند. وجعل عليه دبابة فقيل للخزري بعد ذلك انه مكر بك وزوجك غير ابنته، وتحصن منك فلم تقدر «٥٢» له على حيلة فصارت غارة الخزر منذ ذلك الوقت على أطراف أرمينية بعد ان كانوا قد أخربوها.
[ ١٩٤ ]
ثم يلي هذا الموضع أيضا ذات اليمين ثغور الديلم، وجيلان، والببر، والطيلسان. وكان حصن قزوين يسمى بالفارسية كبشوم «٥٣» وتفسيره [الحد المرموق] وبينه وبين الديلم جبل، ولم يزل فيه للفرس «٥٤» مقاتلة من الاسوارية يرابطون فيه، ويدفعون الديلم اذا لم تكن بينهم هدنة ويحفظون تلك الجهة من متلصصتهم، وكانت دشتبى «٥٥» مقسومة بين الري وهمذان، فقسم منها يدعى الرازي وقسم يدعى الهمذاني، وكانت مغازي المسلمين في أول الاسلام، دشتبى، وأبهر. وهو حصن زعموا أن بعض الاكاسرة بناه على عيون وأحوال الديلم، لم تزل مذبذبة لانه لا شريعة لهم محصلة ولا طاعة فيهم مستقرة لانهم بعد فتحهم قد نقضوا، وكفروا غير مرة وكان منهم في هذا الوقت ما كان من الامور المستفظعة، في قتل الاطفال والفجور في المساجد، وترك الصلاة، وفروض الاسلام.
ومن الثغور الكبار، ثغر الترك ولهم برية [مما يلي بلاد جرجان] «٥٦» ولبلاد جرجان يخرجون منها وكان أهلها قد بنوا عليها حائطا من آجر تحصنا من غاراتهم الى أن غلبت عليهم الترك وملك أرضها ملك منهم يدعى «٥٧» (صول) ثم فتحها المسلمون ومعظم الترك في الثغر الذي بخراسان ويسمى نوشجان وهو وراء سمرقند في المشرق بنحو ستين فرسخا نحو الشاس وفرغانة، وهو أوائل مسالح الخرلنجية الى حد كمياك «٥٨» . ومن هذا الثغر
[ ١٩٥ ]
الى مدينة التغزغز «٥٩» مسيرة أربعين يوما في براري فيها عيون وكلأ عشرون يوما. ثم ترى كبار خمسة وعشرون يوما، وأكثر أهل تلك القرى مجوس ومنهم زنادقة، ومن مدينة التغزغز «٦٠» بحيرة «٦١» حولها قرى وعمارات، متصلة ولها اثنا عشر بابا من حديد، ويحفظها أتراك كلهم، والغالب عليهم الزندقة. وبين نوشجان «٦٢» الاعلى وبين بلد الشاش أربعون مرحلة للقوافل، ولمغذ السير ثلاثون يوما ونوشجان «٦٣» الاعلى أربع مدن كبار وخمس صغار، ومقاتلة «٦٤» نوشجان «٦٥» في مدينة واحدة على شط بحيرة، وهم: عشرون ألف رجلا بديوان وليس في الاتراك أشد منهم، وهم يحسبون عشرة بازاء مائة من الخرلنجية، والبحيرة التي عليها مدينة التغزغز تحف بها «٦٦» الجبال.
فأما بلاد كيماك فانها من طراز «٦٧» مدينة نوشجان «٦٨» الاسفل التي قلنا انها وراء سمرقند بخمسة وستين فرسخا. يسرة عنها، وفي جهة الشمال وبينها وبين طيراز «٦٩» مسيرة ثمانين يوما في صحارى وبراري واسعة كثيرة الكلأ والعيون وليس يكاد المسلمون يغزون الترك لقول النبي صلى الله عليه (تاركوا الترك ما تركوكم) «٧٠» . وانما ذكرنا بلدهم وأحوالهم لما تقدم من شرطنا أن نذكر الامم المطيفة ببلاد الاسلام والامم المخالفة لهم.
[ ١٩٦ ]
أما التبت منهم فانه يمنة «٧١» بلاد التغزغز «٧٢» في جهة الجنوب، وكان ذو القرنين لما ظفر بفورك «٧٣» ملك الهند وقتله، أقام ببلاد الهند سبعة أشهر، وبعث منه جيوشا الى التبت والصين، فوفد عليه بعض من انفذه، فاعلمه ان سائر ملوك المشرق قد أجمعوا على الدخول في الطاعة، وان يؤدوا اليه الاتاوة لما عرفوا ظفره بدارا وفورك ملكي الفرس والهند، وعدله وحسن سيرته فخلف على أرض الهند من وثق به في ثلاثين ألف [فارس] «٧٤» وسار حتى أتى بلاد التبت، فخرج اليه ملكهم في طراخنته مسلما اليه، وقال له: بلغني عنك أيها الملك من العدل والوفاء، مع الظفر بمن ناؤك لما علمت من ان أمرك كله من الله، وأحببت ان أجعل يدي في يدك ولا أروم مدافعتك، عن شيء تريد ولا قتالك، فان الذي يقاتلك ويغالبك انما يغالب أمر الله، ومغالب أمر الله مغلوب. فأنا وقومي والملك الذي في يدي لك فمر٧»
في جميع ذلك بما شئت، فرد عليه الاسكندر [ردا] «٧٦» جميلا، وقال له:
من عرف حق الله فقد وجب علينا حقه، وأرجو ان تجد عندنا من العدل والوفاء ما ترضى به. واسترشده الى ترك البراري، لا ترك المدن قد كانوا قد دخلوا في طاعته، وسار بين يديه وعرض عليه هدايا فأباها، ولم يزل يعاوده حتى أجاب الى قبولها فحمل اليه «٧٧» أربعة آلاف وقر حمار ذهبا،
[ ١٩٧ ]
ومثلها مسكا فأعطى عشر المسك لروشنك بنت دارا ملك الفرس امرأته «٧٨» .
وقسم سائره على أصحابه، وجعل الذهب في بيت ماله، فقال له ملك التبت:
في ان يقدمه في جيوشه الى الصين فأمره الملك باستخلاف ابنه على مملكته فاستخلف مدابيك ابنه في أرضه بعده، وضم اليه الاسكندر صاحبا له في عشرة آلاف، وسار الى الصين في مقدمته والاسكندر في عظم المعسكر في أثره، فخرج صاحب الصين اليه في عشرة عساكر، في كل عسكر مائة ألف، وبعث الى الاسكندر يذكر له ما بلغه عنه من الوفاء، وكرم الفعل، وانه لم يسعه قتاله مع هذه الحال، وانه لو أراد ذلك ما عجز عنه فسأله ان يأمر بما يريده حتى يمتثله، فأجابه الاسكندر، وأمره أن يحمل عشر أرضه على حسبما فعل في غيرها من سائر البلاد، وانه ان لم يفعل استعان الله عليه ولم يهله كثيرة عدده، لان الله قادر على نصرة القليل على الكثير، وبعث اليه بهذا الجواب مع جماعة من الفرس والهند، وأمرهم أن يعرفوه ما كان من عدله في بلادهم، وجميل فعله فيهم وحسن صنيعه اليهم. فرد ملك الصين الجواب بالطاعة ويسأل ان يقبل منه فيما يؤديه من عشر بلاده وصلحه عنه الحرير والفرند وغيره من الآلات، فرضى الاسكندر بذلك وقبله منه، وكان ما فارقه عليه ألف ألف فرندة «٧٩» ألف ألف سرقة «٨٠» حرير وخمسمائة ألف كيمخاوة «٨١» وعشرة آلاف سرج بركبها ولجمها، وسيورها وسائر أدواتها، وألف ألف منا فضة وأدى ذلك.
[ ١٩٨ ]
وأقام الاسكندر في أرضه، حتى بنى مدينة سماها برج الحجارة، وجعل فيها من الفرس خمسة آلاف رجل رابطة رأس عليهم صاحبا له، ويعرف بنوكليديس «٨٢»، وسار من الصين اخذا في جهة الشمال وصاحب الصين معه، حتى انتهى الى أرض شول «٨٣» ففتحها وبنى بها مدينتين، أحدهما شول والاخرى خمدان، وأمر صاحب الصين أن يسكن خمدان بجنوده، وأن يجعل من أصحابه رابطة بشول.
ثم سار متوجها الى ترك البرية حتى فتحهم ودوخهم، وبلغه عن قوم لهم عدد جم من هؤلاء الاتراك، ناحية المشرق من جهة الشمال، انهم مفسدون في الارض فأستشار صاحب الصين فيهم فأخبره انه لا غنيمة عندهم، غير المواشي والحديد، وانه يحيط بهم من ناحية الشمال البحر الاخضر الذي لا مجاز فيه لاحد، ومن ناحية المغرب والجنوب جبال في السماء لا ترام ولا لاحد عليها مسلك، وانه لا منفذ لهؤلاء الاتراك الا من درب واحد ضيق كالشراك، وانهم في زاوية من الارض لو سد عليهم هذا المنفذ بقوا فيها. كفى الناس شرهم وزال عن الارض فسادهم، فعلم الاسكندر وجه الصواب فيما أشار به صاحب الصين، فسد ذلك الوادي وهو السد الذي وصفه الله واقتص خبره في القرآن. ثم رجع ذو القرنين في أرض الترك أصحاب المدائن وأهل الاوثان حتى انتهى الى أرض السغد، فبنى بها سمرقند والمدينة المعروفة بالدبوسية والاسكندرية القصوى. ثم صار الى أرض بخارا، فبنى مدينة بخارا، ثم سار الى أرض مرو فبنى بها مدينتها، وبنى مدينتي هراة، وزرنج، وخرج على جرجان، وأمر ببناء الري وأصفهان، وهمذان، حتى عاد الى أرض بابل فأقام بها سنتين.
[ ١٩٩ ]
فاذا قد أتينا على ذكر ثغور المشرق، فلنرجع الى ناحية الجنوب وبها ثغر البجة والنوبة، وهم مصالحون على ضريبة تسمى البقط، وليس بينهم وبين المسلمين محاربة واستقصاء، أمر صلحهم يكون في المنزلة السابعة، وهي التالية لهذا الباب إن شاء الله وبه القوة.
ثم نذكر بعد ذلك ثغور الغرب فنقول: ان أولها أفريقية وهي المسمى القيروان، ولم يزل مذ افتتح مدبرا من قبل ملك العراق بعد تولى بنى مروان الى ان تغلب عليه في هذا الوقت صاحب المغرب، واستولى عليه وتعداه الى برقة فتغلب عليه زياده.
فأما وراء أفريقية فبلاد تاهرت وبينها وبين أفريقية مسيرة ثلاثين يوما، وهي في يد صاحب الاباضية، وهم ضرب من الخوارج، ووراء تاهرت مسيرة أربعة وعشرين يوما بلد المعتزلة وعليهم رئيس عادل وعدلهم فائض وسيرتهم حميدة، ودارهم طنجة ونواحيها والمستولي عليها في هذا الوقت، ولد محمد بن ادريس بن عبد الله بن حسن بن حسن ﵈، وكان محمد ينزل مليلة وهي آخر مدائن طنجة، فمات بها فانتقل ولده الى فاس «٨٤»، وهم بها الى هذا الوقت، وراء ذلك بلاد الاندلس والمستولى عليها الاموي ومسكنه فيها في قرطبة والاندلس نهاية الغرب. وبها يجتمع البحرين الذين تقدم وصفنا لهما.
تمت المنزلة السادسة من كتاب الخراج وصنعة الكتابة (والحمد لله) «٨٥»
[ ٢٠٠ ]
[المنزلة السابعة]
بسم الله الرّحمن الرّحيم وهي المنزلة السابعة من كتاب الخراج وصناعة الكتابة الباب الاول: في مجموع وجوه الاموال.
الباب الثاني: في الفيء وهو أرض العنوة.
الباب الثالث: في أرض الصلح.
الباب الرابع: في أرض العشر.
الباب الخامس: في احياء الارض واحتجارها.
الباب السادس: في القطائع والصفايا.
الباب السابع: في المقاسمة والوضائع.
الباب الثامن: في جزية رؤوس أهل الذمة.
الباب التاسع: في صدقات الابل والبقر والغنم.
الباب العاشر: في أخماس الغنائم.
الباب الحادي عشر: في المعادن والركاز والمال المدفون.
الباب الثاني عشر: فيما يخرج من البحر.
الباب الثالث عشر: فيما يؤخذ من التجار اذا مرو على العاشر.
الباب الرابع عشر: في اللقطة والضالة.
الباب الخامس عشر: في مواريث من لا وارث له.
الباب السادس عشر: في الشرب.
الباب السابع عشر: في الحريم.
الباب الثامن عشر: في اخراج مال الصدقة.
الباب التاسع عشر: في فتوح النواحي والامصار.
[ ٢٠١ ]