أما الارضون التي تصلح للاقطاع فمنها، رواه طاووس عن النبي ﵇ «١» من انه قال «٢»: «عادي «٣» الارض لله ولرسوله ثم هي لكم» .
وسئل طاووس عن قوله (لكم) ما يراد به قال: يقطعونه الناس، وقال أبو عبيد القاسم بن سلام: في العادي انه كل أرض كان لها ساكن في قديم الدهر فانقرضوا حتى لم يبق بها أحد فحكمها الى الامام، ومثله فيما يصلح للاقطاع «٤» موات الارض مما لم يستحييه أحد وجملة الامر ما لم يقع عليه ملك مسلم، ولا معاهد فان حكم ذلك الى الامام يقطعه من اختار، فأما اقطاع النبي صلى الله عليه «٥»، الزبير «٦» بن العوام أرضا ذات نخل وشجر.
فان أبا عبيد القاسم بن سلام «٧» ذكر أن هذه الارض «٨» هي التي كان سليط الانصاري عمرها، وذلك ان رسول الله صلى الله عليه «٩» كان قد أقطع سليط هذا أرضا من الموات فأحياها وعمرها. وكان اذا خرج اليها عاد فأخبر
[ ٢١٥ ]
بوحي قد نزل لم يكن عرفه فانطلق الى النبي صلى الله عليه «١٠»، فاستعفاه منها وذكر انها تشغله عنه وانه لا حاجة له بها «١١»، هذه سبيله فارتجعها صلى الله عليه «١٢» منه فقال له الزبير: اقطعنيها يا رسول الله فأقطعه أياها.
وأما اقطاعة ﵇ «١٣» ابيض بن حماد المازني الملح الذي بمأرب فأن ابيض بن حماد كان استقطع الملح الذي بمأرب فأقطعه رسول الله صلى الله عليه «١٤» أياه فلما ولى، قيل له يا رسول الله انما اقطعته الماء العد «١٥» فارتجعه منه لانه انما اقطعه ذلك وهو عنده أرض موات يحييها فلما تبين انه ماء عد ارتجعه، وقال أبو عبيد القاسم بن سلام: ان الماء العد هو الذي له مواد تمده مثل العيون والابار، وسنه النبي ﵇، ان الناس جميعا شركاء في الكلأ والماء والنار. وأما أقطاعه ﵇، بلال بن حارث العقيق «١٦» وهو من المدينة التي أسلم أهلها عليها راغبين في الاسلام غير مكرهين عليه فأنه لم يأت في الاقطاع أعجب من هذا ووجه ما روي عن ابن عباس: من أن النبي ﷺ لما قدم المدينة جعلوا له كل أرض
[ ٢١٦ ]
لا يبلغها الماء ليصنع بها ما شاء. وقال، بعض الرواة: انه انما أقطع بلال بن الحارث العقيق لان العقيق من أرض مزينة ولم تكن لاهل المدينة قط.
وأما اقطاع عثمان بن عفان، عثمان بن العاص الثقفي الارض التي تعرف بشط عثمان بالبصرة، فان البصرة كلها كانت يومئذ سباخا فأقطعه أياها فاستخرجها وأحياها. والسباخ موات ان كانت لا تنبت الا بعلاج، وكذلك الارض يغلب عليها الغياض والاجام، وكذلك الارض التي يركبها الماء ويقيم فيها حتى يحول بين الناس وبين أزدراعها والانتفاع بها كالبطائح فان جميع ذلك اذا عولج حتى يصلح للازدراع جرى مجرى المستحيا من الموات الذي يقع عليه الاقطاع وقد اقطعت الائمة من ذلك أجمع ومما كان لهم خالصا من الضياع التي ورثوها وملكوها بوجه من وجوه الملك.
ومن الارضين التي كان عمر بن الخطاب أصفاه من السواد أصناف عشرة، حفظ منها أرض من قتل في الحرب، وكل أرض كانت لكسرى، وكل أرض كانت لاهل بيته وخاصته وكل دير بريد وكل مغيض ماء وأرض من هرب من المسلمين، وكان ارتفاع ذلك في السنة سبعة آلاف «١٧» ألف درهم فلما كان يوم الجماجم وأحرق الديوان وثب كل قوم على ما يليهم فأضافوه الى أرضهم. فلما قام عثمان بن عفان، رأى ان عمارة ذلك أردّ على المسلمين من تعطيله فأعطاه من رأي اعطاءه أياه ليعمروه ويؤدوا ما يجب للمسلمين فيه. وهذه هي أرضون القطائع بالسواد.
[ ٢١٧ ]
فالاقطاع هو ان يدفع الائمة الى من يرون أن يدفعوا اليه شيئا مما ذكرناه فيملك المدفوع ذلك اليه رقبته بحق الاقطاع ويجب عليه فيه العشرة والايغار هو أن تحمي الضيعة من أن يدخلها أحد من العمال وأسبابهم بما يأمر الامام به من وضع شيء عليها يؤدي في السنة أما في بيت المال «١٨» أو في غيره من الامصار. وزعم قوم ان الايغار، انما أخذ من قولهم أوغرت صدر فلان اذا أحميته وهذا ان كان هكذا فقد غلط المشتق فيه لان «١٩» الحمى من الاسخان، يقال: أحميت، ومن المنع يقال: حمي واللفظان مختلفان كما ان المعنيين مختلفان أيضا. والتسويغ هو ان يسوغ الانسان من خراجه شيئا في السنة وكذلك الحطيطة ومثلها التريكة والطعمة هي ان يدفع الى الرجل الضيعة يستغلها مدة حياته حتى اذا مات ارتجعت بعده.
والفرق بين الطعمة والاقطاع، ان الاقطاع يكون لعقبة من بعده والطعمة ترتجع منهم.
[ ٢١٨ ]