قال [أبو الفرج]: هذا الديوان، انما جعل استظهارا لتكون الكتب التي يحتاج الى ختمها بخاتم أمير المؤمنين تمر به، ويثبت فيه ولان لخاتم الخليفة من الموقع ما ليس لغيره، وهو رسم كانت الفرس تجرى أمرها عليه، لان الملك منهم اذا أمر بأمر وقعة صاحب التوقيع بين يديه، واثبت في تذكرة عنده.
ثم ينفذ التوقيع الى صاحب الزمام واليه الختم، فينفذه الى صاحب العمل، فيكتب فيه كتابا يبتدأ اثباته في ديوان الاصل. ثم ينفد الى صاحب «١» الزمام، ليعرضه على الملك، ويقابل به ما في التذكرة ويختم بحضرة الملك، أو بحضرة أوثق الناس عنده. وأول من استأنف هذا الديوان ورسم هذا الرسم في الاسلام، زياد بن أبيه، ثم استمر الامر الى هذا الوقت. فأما الخاتم نفسه فكان نقش خاتم النبي (صلى الله عليه) «٢» محمد رسول الله. وكان أبو بكر،
[ ٥٥ ]
وعمر، وعثمان، يختمون به فبينما هو في يد عثمان اذ سقط في البئر، فنزفت البئر فلم يقدر عليه، وذلك في النصف من مدة خلافته، فاتخذ خاتما ونقش عليه محمد رسول الله في ثلاثة «٣» أسطر، قال قتادة: ثم ختم به والامر جاء على ذلك الى هذا الوقت. ويروى ان النبي صلى الله عليه «٤» قال: (صنعت خاتما ولا ينقش أحد على نقشه) «٥» . وكان رجل يقال له معن بن زائدة، نقش في خلافة عمر، على خاتم الخلافة فأصاب به مالا من خراج الكوفة، فبلغ ذلك عمر فكتب الى المغيرة بن شعبة، وانفذ رسولا اليه، وأمره أن يطيع في الرجل رسوله فلما صلى المغيرة العصر، خرج الى الناس، فاشرأبوا ينظرون اليه، حتى وقف على معن بن زائدة، ثم قال للرسول: ان أمير المؤمنين، أمرني أن أطيع أمرك فيه، فأمر «٦» بما شئت، قال له الرسول: أدع لي بجامعة «٧»، فلما أتى بها جعلها في عنق معن، ثم جذبها جذبا شديدا. ثم قال للمغيرة: أحبسه حتى يأتيك أمر أمير المؤمنين فيه، ففعل، وكان السجن يومئذ من قصب فخرج معن من محبسه، وشخص
[ ٥٦ ]
الى عمر كاتما «٨» نهاره سائرا ليله حتى كف الطلب عنه، فلما وصل اليه دنا منه، وقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله، فقال عمر: وعليك من أنت، قال: أنا معن بن زائدة، جئتك تائبا، قال: فلا نجاك الله فلما صلى الصبح، قال للناس: مكانكم هذا معن بن زائدة أنقش على خاتم الخلافة، فأصاب به مالا من خراج الكوفة فما تقولون «٩» . فقال قائل:
اقطع يده، وقال آخر: أصلبه وعلي (صلوات الله عليه) ساكت فقال له عمر: فما تقول «١٠» يا أبا الحسن، قال: هذا رجل كذب كذبة عقوبته في بدنه، فضربه عمر ضربا مبرحا وحبسه فمكث في الحبس زمانا. ثم انه أرسل الى صديق له من قريش فكلم عمر فيه، فقال عمر: ذكرتني الطعن وكنت ناسيا، ثم قال: عليّ بمعن، فلما أتى به ضربه، ثم بعث به الى السجن، فارسل معن الى كل صديق له يسألهم الا يذكروا به عمر، فلم يزل محبوسا مدة اخرى. ثم ان عمر ابتدأ يذكره من نفسه، فدعا به فقاسمه وخلى سبيله.
[ ٥٧ ]