قال أبو الفرج: ليس يسع لكاتب «٢» ان يتعرض للكتابة «٣» في شيء من ذلك، دون أن يكون قد جمع الى بعض ما قدمناه من فنون الكتابة، الاضطلاع من الحكم الذي يحتاج الى أن يمر به في الشرطة «٤» على ما اذا مر به، لم يكن غريبا فيه، وذلك ان أكثر عمله مجازاة الجناة على جناياتهم، فمنها وهو ما للسلطان أقامته على الجناة في الحياة الدنيا، دون مجازاة الله في الاخرة. وهو القود «٥»، والقصاص «٦»، والحدود «٧»، في القتل وسائر الجنايات، أو المطالبة بالدية والارش «٨» ممن يقبل ذلك منه، ان لم يقع العفو من المجنى «٩» عليه وأوليائه أو الصلح.
[ ٦٥ ]
فلنبدأ بأول الجنايات وأغلظها وهو القتل، فنقول: ان القتل على ثلاثة أوجه «٩»: يكون أحدها، العمد، والثاني: الشبيه بالعمد، والثالث:
الخطأ. فأما العمد: فهو ما تعمد «١٠» به المقتول من الضرب بالحديد، أو السلاح، أو غير ذلك، مما فيه دليل على اعتماد النفس.
وأما شبيه العمد، فهو ما تعمد المقتول به من عصا أو سوط، أو حجر أو غير ذلك، مما أشبهه.
وأما الخطأ: فهو ما أصاب المقتول، مما تعمد به غيره، وليس [القود] «١١» في جميع ذلك، الا في العمد وحده. وجاء عن النبي صلى الله عليه «١٢»، قال «١٣»: (لا قود الا بالسيف، فأما شبه العمد، ففيه الدية على عاقله القاتل، وعلى القاتل الكفارة) . وهو ما قاله الله تعالى: فتحرير رقبة [فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين وكذلك في الخطأ، أيضا. ولو ان جماعة] ١»
اشتركوا في قتل رجل تعمدا لكان على جميعهم القود «١٥» .
واذا قتل الحر المملوك، فان عليه القصاص لقول الله تعالى «١٦»، (النَّفْسَ
[ ٦٦ ]
بِالنَّفْسِ)
. وكذلك المرأة اذا قتلت الرجل عمدا، والرجل يقتل المرأة عمدا «١٧» .
وان اشترك الرجال والنساء في قتل عبد، أو صبي، أو امرأة عمدا فان عليهم جميعا القصاص. واذا قتل الرجل المسلم رجلا، من أهل الذمة عمدا، فان عليه القصاص «١٨» فيه أيضا. وقد أقاد «١٩» رسول الله صلى الله عليه «٢٠»، رجلا مسلما برجل من أهل الذمة، وقال «٢١»: (أنا أحق من وفى بذمته) .
واذا اجتمع نفر من المسلمين على قتل رجل من أهل الذمة، فان على جميعهم فيه القصاص، ولا قصاص بين الصبيان بعضهم في بعض. واذا جنى الصبي على رجل في النفس، أو في ما دونها فلا قود ولا قصاص عليه، لان عمد الصبي خطأ. وكذلك المجنون اذا أصاب في حال جنونه «٢٢» .
فأما في حال صحته فهو والصحيح سواء. وجميع جنايات الصبيان، والمجانين في حال جنونهم، يعقله العاقلة، ولا يقتص الرجل من أبيه، ولا من أمه، ولا من جده، ولا من جدته في العمد ولا في الخطأ. وانما يلزم كل واحد منهم، أرش الجناية في ماله.
[ ٦٧ ]
فأما ما دون النفس من الجنايات، فالقصاص فيها اذا كانت عمدا على المماثلة، الشيء بمثله، الا أن يكون ذلك في عظم يخاف فيه من القصاص التلف «٢٣»، فان السنة جاءت بأن لا قصاص في عظم، ما خلا السن، وجميع الشجاج «٢٤» فيها قصاص الا الهاشمة، والمنقلة، والامة لقلة بلوغ هذه الشجاج «٢٥» الى العظم، ولا قصاص بين العبيد والاحرار، ولا بين العبيد بعضهم، ولا بين النساء فيما دون النفس. ولو اجتمع جماعة على جناية فيما دون النفس، من رجل لم يكن على واحد منهم مثل، الذي على الاخر من القصاص، كما كان ذلك في النفس بلى، عليهم الارش في أموالهم.
واذا قطع الرجل يدا لرجل من نصف الساعد، أو رجله من نصف الساق، فلا قصاص في ذلك لانه من غير مفصل، وعليه فيه الدّيه، وحكومة عدل فيما قطعه من المفصل على المفصل. [واذا] «٢٦» اقتص لرجل من آخر في يد، أو عين، أو شجة، فمات المقتص منه، فان ديته على عاقلة المقتص له.
وان قطع الرجل الواحد يد رجلين اليمنى والشمال، فعليه أن تقطع يداه كلتاهما. فان قال: اني قطعت اليمنى من كل واحد فعليه أن تقطع يمينه لهما جميعا، وتكون دية اليد الاخرى في ماله لهما جميعا نصفين بينهما.
[ ٦٨ ]
واذا حضر أحدهما قبل الاخر، فأراد أن يقتص له، فعل ذلك ولم ينتظر الذي لم يحضر، لانه ليس في هذا شركة، فاذا حضر المتأخر بعد ذلك، كانت له الدية في مال القاطع الاول. واذا أغرق الرجل رجلا، فلا قصاص عليه، وعلى عاقلته الدية، من قبل انه كان يجوز أن يفلت من الماء، ولا يجر مجرى العمد. ولو أن رجلا خنق رجلا حتى مات، أو طرحه في بئر فمات، أو ألقاه من أعلى جبل، أو سطح فمات، لم يكن عليه القصاص، وكانت الدية على عاقلته «٢٧» . فان كان خناقا معروفا، فعليه القصاص. وكذلك لو سقى رجل رجلا سما فقتله، لم يكن عليه فيه قصاص، وكانت الدية على عاقلته. ولو أنه أعطاه أياه فشربه هو، لم يكن عليه في ذلك، ولا على عاقلته شيء من قبل انه لم يكرهه على شربه.
وأما الديات، ففي النفس الدية موفرة. وكذلك في المازن، وهو كلما دون قصبة الانف، وفي اللسان كله، وفي بعضه أيضا. اذا منع الكلام الدية، وفي الذكر الدية كاملة. وكذلك في الحشفة، وفي الصلب اذا منع الجماع، أو جدب فأن عاد الى حاله فلم ينقصه ذلك شيئا، ففيه حكم عدل.
وفي الرجل اذا ضرب على رأسه فذهب عقله، الدية كاملة. وفي احدى العينين أو الاذنين، أو الشفتين، أو الحاجبين، اذا لم ينبتا، أو اليدين، أو الرجلين، أو الاثنتين، وغير ذلك مما في الانسان منه اثنان، نصف الدية، وفي الاثنتين الدية كاملة، وفي كل اصبع من الاصابع عشر الدية، وفي كل مفصل من الاصابع نصف دية الاصبع، وفي كل سن نصف عشر الدية «٢٨» .
[ ٦٩ ]
والشجاج «٢٩» مختلفة «٣٠» فيها الدامية «٣١»، وهي التي تدمي الرأس، وفيها حكم عدل. الباضعة، وهي التي تبضع اللحم، ومنزلتها فوق منزلة الدامية، وفيها حكم عدل بأكثر من ذلك. والسمحاق، وهي التي فوق هاتين، انما بينها وبين العظم جلدة فيها حكم عدل، بأكثر من حكم الاوليتين. وفي الموضحة، وهي التي توضح العظم نصف عشر الدية. وفي الهاشمة، وهي التي تهشم العظم عشر الدية. وفي المنقلة وهي التي تخرج منها العظام، عشر ونصف عشر الدية. والآمة، وهي التي تصل الى الجوف، تسمى أيضا الجائفة، فيها ثلث الدية، فان نفذت ففيها ثلثا الدية. ودية المرأة في النفس، وفيما دون ذلك نصف دية الرجل. واذا ضرب الرجل بطن امرأة، فألقت جنينا ميتا غلاما، أو جارية، فعليه غرة عبد أو امة، أو عدل خمسمائة «٣٢» درهم «٣٣» . وفي ثدي المرأة، اذا قطعا الدية كاملة، وفي كل واحد منهما نصف الدية، وكذلك في الحلمتين. وذكر الخصي، وذكر العنين، ولسان الاخرس، واليد الشلاء، والرجل العرجاء، والعين العوراء، حكم
[ ٧٠ ]
عدل. كذلك في الضلع، والترقوة، اذا كسرا وما جرى مجراهما حكم عدل «٣٤» .
واذا أصاب الرجل ابنه عمدا أو خطأ، فلا قصاص عليه في ذلك، فان كان عمدا ففي ماله الدية، وان كان خطأ فعلى العاقلة، وعليه الكفارة. وكذلك فيما دون النفس فان عليه فيه الارش. واذا سقط انسان على آخر من فوق فقتله فهذا خطأ والدية على عاقلته «٣٥» . والديات فمبالغها كاملة. أما في العين فألف دينار، وفي الورق عشرة آلاف درهم، وفي الابل مائة، وفي الغنم ألف، وفي البقر مائتا بقرة، وعلى أهل الحجاز مائتا حلة، وانما يؤخذ اليوم من ذلك أجمع بالذهب، والفضة، والابل.
فأما «٣٦» سوى ذلك فلا، ولا تعقل العاقلة الا في خمسمائة فما فوق.
والدية اذا لم يكن صلحا تؤدي في ثلاث سنين، والعاقلة عشيرة الرجل الجاني فمن له ديوان النساء، والذرية، ولا يلزم الواحد من العاقلة الا ثلاثة دراهم الى الاربعة، فان زاد قسط الرجل على ذلك، أدخل معهم أقرب القبائل اليهم. فأما الشهادات، فانه لا يجوز شهادة الاعمى على عمد ولا خطأ، ولا شهادة النساء كان معهن رجل أو لم يكن في العمد، ولا فيما يوجب القصاص، ولا يجوز قبول شهادة على اخرى، وكتاب من قاض، وذلك كله في النفس وفيما دونهما سواء. واذا شهد شاهدان على رجل بالعمد، حبس حتى يزكيا، فاذا زكيا بالعمد قتل، وان كانا انما شهدا بالخطإ قضى عليه عاقلته بالدية،
[ ٧١ ]
ويحبس القاتل بعد ان يقرر أو يعاقب، حتى يجد توبة ويحدث خيرا. وكذلك الجراحات، وكلما دون النفس بمنزلة ما في جميع ما ذكرنا. واذا وجد القتيل في محلة قوم، فعليهم أن يقسم منهم خمسون رجلا، ممن يختار أولياء القتيل من صالحي العشيرة، أنهم ما قتلوا ولا علموا «٣٧» قاتلا، ثم يغرمون الدية تغرمة العاقلة، وهم أهل الديوان في ثلاث سنين، فان لم يكمل العدد خمسين رجلا، كرر عليهم الايمان حتى يكمل خمسين [يمينا] «٣٨»، واذا وجد القتيل بين القريتين، أو السكتين، فانه يقاس الى أيهما كان أقرب، فان عليهم القسامة «٣٩» والدية. واذا وجد القتيل في سوق المسلمين، أو في مسجد جماعتهم، فهو على بيت المال وليس فيه قسامة. وان كانت مدينة لا قبائل فيها معروفة، ووجد في بعضها قتيل، كان على أهل المحلة، الذي يوجد ذلك القتيل بين أظهرها، القسامة والدية. فان أبوا أن يقسموا حبسوا «٤٠»، حتى يقسموا خمسين يمينا بالله ما قتلوا، ولا علموا قاتلا، ثم يغرمون الدية. فأما حدود السراق وقطاع الطريق فأن السارق الذي يجب عليه القطع «٤١»، هو الذي يأخذ ما يسرقه من حرز، وعليه القطع اذا أقر، فقوم قالوا: مرة، وقوم قالوا: مرتين فيما قيمة ربع دينار فصاعدا، تقطع «٤٢»
[ ٧٢ ]
يده اليمنى من الزند. وقال: قوم من أصول الاصابع، فان عاد ثانيا، قطعت رجله اليسرى. فان عاد ثالثة، استودع الحبس، ولم يقطع شيء من أداته، لان ذلك غاية النكال، ولم يعطل له شق بأسره. وكذلك ان سرق وكانت يده اليسرى شلا، لم تقطع اليمنى وحبس حتى يظهر توبته، واذا ظفر بالسارق ومعه سرقته أخذت منه، وقطع. فان كان قد استهلكها أو هلكت منه، قطع ولم يضمن لانه لا يجتمع حد وضمان، وان عفا عنه المسروق منه قبل أن يرفعه، أو وهب له ما سرقه هبة صحيحة، بطل القطع.
وان كان ذلك بعد ارتفاعه الى السلطان لم يقبل لان النبي صلى الله عليه، قال «٤٣»: (تعافوا عن الحدود ما لم ترفع) . فان كان مع ما فعل قتل، فان الامام في ذلك بالخيار، أن شاء قطع يده ورجله من خلاف. وان أدخل السارق يده في بيت المال، فأخذ مما فيه شيئا قطع «٤٤» . وان أدخل يده في كم انسان، أو في صندوق ظاهر، فأخذ منه شيئا قطع. وان أخذ السارق جمارا من نخلة، أو ثمرة منها، فانه لا يقطع. للحديث المروى عن النبي صلى الله عليه انه، قال «٤٥»: (لا قطع في ثمر ولا كثر) . والكثر الجمار.
ومن سرق من أبيه، أو من رحم، يجب عليه نفقته، أو من سارق فان ذلك لا يجب فيه القطع.
[ ٧٣ ]
وأما من أخاف السبيل فان في ذلك أحكاما، منها: انه أخاف السبيل ولم يأخذ مالا، ولم يقتل فانه أن ظفر حبس لقول الله تعالى (أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ)
«٤٦» . فان أخذ مع ذلك مالا تبلغ قيمته عشرة دراهم فصاعدا، فانه تقطع يده ورجله، من خلاف «٤٧» وصلبه وقتله على الخشبة، وان شاء ان يقتله من غير قطع أو صلب فعل. وقطع الطريق، انما يكون بحيث لا يجاب فيه الصريخ. فأما في الامصار «٤٨»، أو ما يقرب «٤٩» منها، فليس ذلك عندهم بقطع للطريق. الا أن يكون ما يفعل منه ليلا. وان تاب قطاع الطريق من قبل أن يقدر عليهم السلطان، فلا «٥٠» حكم عليهم من جهته «٥١» .
فأما من قتل وجنى عليه فلهم أن يفعلوا في ذلك ما شاءوا.
[ ٧٤ ]
وأما حد الزنا، فعلى البكر بالبكر جلد مائة لكل واحد منهما «٥٢» وعلى المحصن بالمحصن الرجم «٥٣» . والاحصان هو أن يتزوج الرجل المسلم البالغ الحر حرة مسلمة، ويدخل بها بعد البلوغ. ولا تقام الحدود عليها في الزنا، الا بعد ان يقر بالزنا، أربع مرات في أربعة أوقات، وبعد أن يسأل عن الزنا، ما هو فاذا أثبته، وعرفه ولم يكن به لوثة في عقله، أقيم حينئذ الحد عليه. فان رجع تحت الحجارة، أو هرب ترك لقول النبي صلى الله عليه «٥٤»، في ما عز بن مالك «٥٥» (الا تركتموه) «٥٦» فاذا أنكر من أول وهلة وجحد، لم يجب عليه شيء الا ان يقوم عليه بينة، وهو أربعة نفر من العدول يشهدون عليه في وجهه، ويصرحون بأنهم رأوه ويصفون الزنا ويثبتونه، فاذا فعلوا ذلك، بدأ الشهود بالرجم، ثم الامام، ثم سائر الناس، وان رجع الشهود بعد ما قتل المرجوم، وجبت عليهم ديته وان رجعوا قبل اقامة الحد عليه «٥٧»، جلدوا لانهم قذفوه، ويدرأ عنه الحد.
وعلى العبد والامة في الزنا جلد خمسين لكل واحد منهما. ومن زنا بامرأة
[ ٧٥ ]
على سبيل الاستكراه وجب عليه الحد دونها، واذا زنا الرجل بامرأة فانزل دون الفرج فعليه التعزير، ومبلغ التعزير، على ما فيه الاختلاف «٥٨» تسعة وسبعون سوطا، وايما شهود شهدوا على حد تقادم، فليسوا بشهود، ولا تقبل «٥٩» شهادتهم لانهم يشهدون بضعن. ومن فعل فعل قوم لوط، وهو إتيان الذكور في أدبارهم، فعليه القتل والرجم.
وروي عن ابن عباس انه قال: يرمى به «٦٠» من أعلى بيت في القرية، ثم يتبع الرجم. وروى عن أمير المؤمنين عليّ صلوات الله عليه، انه هدم حائطا عليه. ومن وجد يأتي بهيمته فعليه التعزيز والسنة، ان تذبح «٦١» البهيمة. فأما حد المفتري، وهو قذف المسلم بالغاية، فأنه يجلده ثمانين اذا طلب المقذوف ذلك، وقامت له البينة «٦٢» . ومن قال، لرجل يا فاسق أو يا فاجر، أو يا خبيث أو ما أشبه ذلك، فأنه يعزر. ومن قال: لمسلم يا يهودي، أو يا نصراني، وما جرى هذا المجرى «٦٣»، فليس في ذلك حد ولكنه يؤدب. فهذه جملة مقنعة للكاتب أن يعلمها، اذا كان لا يسعه أن يجهل هذا المقدار. فأما ان أتي بشيء من تصاريف هذه الاحوال، وهي كثيرة فيحتاج في ذلك الى الفقهاء.
[ ٧٦ ]