قالوا: كانت اليمامة تدعى جو فصلبت امرأة في الجاهلية، يقال لها اليمامة بنت مر بن جديس على بابها، فسميت اليمامة، والله أعلم، وقالوا:
لما كتب رسول الله صلى الله عليه [وسلم] «١٤٣» الى ملوك الافاق في سنة ست «١٤٤» من الهجرة، كتب الى هوذة «١٤٥» بن علي الحنفي، وأهل اليمامة يدعوهم الى الاسلام، وانفذ كتابه بذلك مع سليط بن قيس بن عمرو الانصاري، ثم الخزرجي، فبعثوا الى رسول الله صلى الله عليه [وسلم] «١٤٦» وفدهم وفي الوفد مجاعة بن مرارة فأقطعه رسول الله [صلى الله عليه] «١٤٧» أرضا مواتا سأله أياها، وكان فيهم أيضا مسيلمة الكذاب ثمامة بن كبير «١٤٨» بن حبيب. فقال مسيلمة: لرسول الله [ﷺ] «١٤٩» ان شئت خلينا لك الامر وبايعناك على انه لنا بعدك، فقال رسول الله ﵇ «١٥٠» لا ولا نعمة عين، ولكن الله قاتلك. وكان هوذة بن علي الحنفي، قد كتب الى النبي يسأله أن يجعل الامر له بعده،
[ ٢٨١ ]
على ان يسلم ويصير اليه فينصره، فقال رسول الله صلى الله عليه [وسلم] «١٥١»:
لا ولا كرامة اللهم اكفنيه فمات بعد قليل، فلما انصرف وفد بني حنيفة الى اليمامة ادعى «١٥٢» مسيلمة الكذاب النبوة وشهد له الرّجال بن عنفوة أحد الوفد، بأن رسول الله [ﷺ] «١٥٣» أشركه في أمره، فأتبعته بنو حنيفة وغيرهم ممن باليمامة، وكتب الى رسول الله [﵇] «١٥٤» مع عبادة بن الحارث أحد بني عامر بن حنيفة وهو ابن النوّاحة الذي قتله عبد لله بن مسعود بالكوفة لما بلغه انه وجماعة يؤمنون بكذب مسيلمة كتابا نسخته (من مسيلمة رسول الله، الى محمد رسول الله، أما بعد فأن لنا نصف الارض ولقريش نصفها ولكن قريشا قوم لا ينصفون والسلام عليك. وكتب عمرو بن الجارود الحنفي) . فكتب اليه رسول الله ﵇ (بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد النبي الى مسيلمة الكذاب:
أما بعد، فأن الارض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين، والسلام على من اتبع الهدى، وكتب أبي بن كعب) .
فلما تولى رسول الله ﵇، واستخلف أبو بكر. فأوقع بأهل الردة من أهل نجد وما والاها في أشهر يسيرة. بعث خالد بن الوليد المخزوني الى اليمامة وأمر بمحاربة الكذاب مسيلمة فلما شارفها ظفر بقوم من بني حنيفة فيهم مجاعة [بن مرارة بن سلمى فقتلهم واستبقى مجاعة] «١٥٥» وحمله معه موثقا، وعسكر خالد
[ ٢٨٢ ]
على ميل من اليمامة فخرج اليه بنو حنيفة وفيهم الرّجال «١٥٦» ومحكم بن الطفيل بن سبيع «١٥٧» الذي يقال له محكم اليمامة فرأى خالد البارقة فيهم فقال يا معشر المسلمين قد كفاكم الله مؤونة القوم [و] «١٥٨» قد شهر [بعضهم] «١٥٩» السيوف على بعض. واحسبهم قد اختلفوا، ووقع بأسهم بينهم، فقال مجاعة: وهو في وثاقه، كلا ولكنها الهنداوية، وخشوا «١٦٠» تحطمها فأبرزها للشمس لتلين متونها، ثم التقى الناس فكان أول من لقيهم الرّجال «١٦١» بن عنفوة فقتله الله واستشهد وجوه الناس، وقراء القرآن.
ثم ان المسلمين فاءوا وأثابوا وأنزل الله عليهم نصره فهزم أهل اليمامة وأتبعهم المسلمون يقتلونهم قتلا ذريعا، وقتل محكم والجأوا الكفرة الى الحديقة فسميت يومئذ (حديقة الموت)، وقتل الله مسيلمة في الحديقة، وكان فيمن استشهد في الحديقة أبو دجانة سماك بن خرشة. وكانت الحرب قد نهكت المسلمين، فقال مجاعة: لخالد ان أكثر أهل اليمامة «١٦٢» لم يخرجوا [لقتالكم] «١٦٣»، وانما قتلتم منهم القليل، وقد بلغوا منكم ما أرى وأنا [مصالحك] «١٦٤» عنهم، فصالحه على نصف السبي ونصف الصفراء
[ ٢٨٣ ]
والبيضاء، والحلقة، والكراع، ثم ان خالد توثق منه وبعثه اليهم، فلما دخل اليمامة أمر الصبيان والنساء، ومن باليمامة من المشايخ، ان يلبسوا السلاح ويقوموا على الحصون، ففعلوا ذلك، فلم يشك خالد والمسلمون معه حين نظروا اليهم انهم مقاتلة، فقالوا: صدقنا مجاعة. ثم ان مجاعة خرج حتى أتى عسكر المسلمين، فقال: ان القوم لم يقبلوا ما صالحتك عليه عنهم، واستعدوا لحربك فهذه حصون العرض مملوءة رجالا، ولم أزل بهم حتى رضوا بأن يصالحوا على ربع السبي ونصف الصفراء والبيضاء «١٦٥» والكراع، فاستقر الصلح على ذلك ورضي به خالد وأمضاه وأدخل مجاعة خالدا اليمامة، فلما رأى من بها قال خدعتنا يا مجاع، وأسلم أهل اليمامة فأخذت منهم الصدقات.