قالوا: أتى رسول الله ﷺ، السيد، والعاقب وافدا أهل نجران «١٠٢» فسألاه الصلح فصالحهما عن أهل نجران على ألفي حلة، ألف منها في صفر وألف منها في رجب ثمن كل حلة أوقية، والاوقية وزن أربعين درهما فأن أدوا حلة بما فوق الاوقية حسب لهم فضلها، وان أدوا بما دون الاوقية، أخذ منهم النقصان، على ان يقبل «١٠٣» منهم ما أعطوه من سلاح أو خيل أو ركاب، أو عرض من العروض بقيمته قصاصا من الحلل وعلى أن يضيفوا رسل رسول الله ﵇ شهرا، فما دونه ولا يحبسون فوق الشهر، وعلى أن عليهم عارية ثلاثين درعا وثلاثين فرسا وثلاثين بعيرا ان كان باليمن كيد، وان ما هلك من تلك العارية فالرسل ضامنون له حتى يؤدوه، وجعل لهم ذمة الله وعهده الا يفتنوا عن دينهم ومراتبهم، ولا يحشروا، ولا يعشروا «١٠٤»، واشترط الا يأكلوا الربا،
[ ٢٧٢ ]
ولا يتعاملوا به فما زال «١٠٥» أمرهم جاريا على هذا في خلافة أبي بكر، فلما استخلف عمر، قيل: انهم أصابوا الربا وكثروا فخافهم على الاسلام، فأجلاهم، وكتب لهم بأن من وقعوا بأرضه من أهل العراق، والشام فليوسع لهم من خريب «١٠٦» الارض، وقال قوم: من خريب الارض ما اعتملوا من شيء فهو لهم فكان أرضهم باليمن، فتفرقوا فنزل بعضهم «١٠٧» النجرانية بناحية الكوفة، ودخل يهود نجران مع النصارى في الصلح اذ كان اليهود كالاتباع لهم. فلما استخلف عثمان بن عفان، كتب الى الوليد بن عقبة بن أبي معيط وهو عامله على الكوفة «أما بعد فان العاقب، والاسقف، وسراة أهل نجران، أتوني بكتاب رسول الله ﵇، وأروني شرطا من عمر، وقد سألت عنه أبن حنيف «١٠٨» فأنبأني انه كان بحث عن أمرهم فوجده ضارا للدهاقين لروعهم «١٠٩» عن أرضهم، واني قد وضعت عنهم من جزيتهم مائتي حلة لوجه الله وعقبى لهم «١١٠» من أرضهم، واني أوصيك بهم فأنهم قوم لهم ذمة» . فكان صاحب النجرانية بالكوفة يبعث رسله الى جميع من بالشام «١١١» والنواحي من أهل نجران يجبونهم ما يقسمه «١١٢» عليهم لاقامة الحلل فلما كانت أيام معاوية أو يزيد شكوا اليه
[ ٢٧٣ ]
تفرقهم وموت من مات واسلام من أسلم منهم وأحضروه كتاب عثمان بما حطه عنهم، وقالوا: قد أزددنا ضعفا «١١٣» فوضع عنهم مائتي حلة اخرى، تتمه أربعمائة حلة، فلما ولى الحجاج بن يوسف العراق، وخرج عليه ابن الاشعث اتهم الدهاقين بموالاته فردهم الى ألف وثمانمائة حلة. ثم لما ولى الامر عمر بن عبد العزيز شكوا اليه فناءهم والحاح الاعراب عليهم وظلم الحجاج أياهم، فأمر باحصائهم فوجدوا على العشر من عدتهم الاولى، فقال: أرى هذا الصلح انما هو عن جزية رؤوسهم وليس هو بصلح عن أرضهم وجزية الميت والمسلم ساقطة فألزمهم مائتي حلة قيمتها ثمانية آلاف درهم.
فلما ولي يوسف بن عمر الثقفي العراق في أيام الوليد بن يزيد ردهم الى أمرهم الاول عصبية للحجاج. فلما استخلف أبو العباس «١١٤» عمدوا الى طريقه «١١٥» فألقوا فيه الرياحين ونثروا عليه فأعجبه ذلك من فعلهم ثم انهم رفعوا اليه أمرهم، وأعلموه قلتهم وما كان من أمر عمر بن عبد العزيز، ويوسف بن عمر ومتوا اليه بخؤولته في بني الحارث بن كعب وتكلم فيهم عبد الله بن الربيع الحارثي، وصدقهم الحجاج بن ارطاة، فردهم الى مائتي حلة قيمتها ثمانية آلاف درهم. ثم لما حج الرشيد وشخص الى الكوفة رفعوا اليه وشكوا أعنات العمال اياهم، فكتب لهم بالمائتي حلة كتابا وأمر أن يعفوا من معاملة العمال وأن يكون مؤداهم في بيت المال بالحضرة.
[ ٢٧٤ ]