هذا ما عهد عبد الله، فلان أمير المؤمنين، الى فلان بن فلان حين ولاه أعمال البريد بناحية كذا. أمره بتقوى الله وطاعته، واستشعار خوفه ومراقبته، في سر أمره وعلانيته، وان يجرى أمره فيما أستكفاه أمير المؤمنين أياه، بحسب ما بدأ به من الاصطناع، وقدره عنده من الكفاية والاطلاع.
وأمره أن يؤثر الصدق فيما ينهيه، والحق فيما يعيده ويبديه، وان يختار من يستعين به في عمله، ويشركه في أمانته من يثق بصناعته، ونزاهته وطيب طعمته، وتحريه الصدق فيما يصدر عن يده ولهجته، وأن يكون من يستعمله [من] «٤٧» أهل الكفاية والغناء دون من يستعمل منهم على العناية «٤٨» والهوى.
وأمره، أن يعرف حال عمال الخراج والضياع فيما يجري عليه أمرهم، ويتتبع ذلك تتبعا شافيا، ويستشفه استشفافا بليغا، وينهيه على حقه وصدقه ويشرح ما يكتب به منه.
[ ٥٠ ]
وأمره أن يتعرف «٤٩» حال عمارة البلاد وما هي عليه من الكمال والاختلال، ويجري في أمور الرعية فيما يعاملون به من الانصاف، والجور والرفق والتعسف، فيكتب به مشروحا ملخصا مبينا مفصلا.
وأمره أن يتعرف ما عليه أحوال الحكام في أحكامهم، وسيرتهم «٥٠» وسائر مذاهبهم، وطرائقهم ولا يكتب من ذلك، الا بما يصح عنده ولا يرتاب به.
وأمره أن يتعرف «٥١» حال دار الضرب، وما يجري عليه مما يضرب فيها من العين والورق، وما يلزمه الموردون من الكلف، والمؤن ويكتب بذلك على حقه وصدقه.
وأمره أن يوكل بمجلس عرض الاولياء واعطياتهم، من يراعيه ويطالع ما يجري فيه، ويكتب بما يقف «٥٢» عليه من الحال في وقته.
وأمره «٥٣» أن يكون ما ينهيه من الاخبار شيئا يثق بصحته، ولا يدخل شبهة في شيء منه، ويوعز «٥٤» الى خلفائه وأصحابه أن لا ينهوا اليه الا ما يثبتونه، وكانوا على الثقة منه، وأن يحتاطوا في ذلك بما يحتاط به في مثله من شهادة، فيما يمكن الشهادة فيه وأخذ الخطوط بما يتهيأ «٥٥» أخذها به، واقامة الشواهد والدلائل، بما يمكن اقامتها عليه، وان لا يرووا عن شيء لا يعلمونه، ولا يحابوا أحدا بستره وان يكتموا أخبارهم ولا يذيعوها ولا يخلدوا الى كشفها وافشائها، فان في ذلك اذا جرى وهنا ولمن أراد الحيلة متطرفا.
[ ٥١ ]
وأمره أن يمتنع وجميع أصحابه في النواحي وخلفائه عليها من أن يكونوا سببا في محاباة أحد بالشفاعة له أو التوصل الى دفع حق يجب عليه.
وأمره أن يعرض المرتبين لحمل الخرائط «٥٦» في عمله ويكتب بعدتهم، وأسمائهم، ومبالغ أرزاقهم، وعدد السكك في جميع عمله وأميالها ومواضعها ويوعز الى هؤلاء المرتبين، بتعجيل الخرائط المنفذة على أيديهم. وفي الموقعين في اثبات المواقيت، وضبطها حتى لا يتأخر أحد منهم عن الاوقات، التي سبيله ان يرد السكة فيها. وان يفرد لكل ما يكتب فيه من أصناف الاخبار كتبا بأعيانها، فيفرد أخبار القضاة، وعمال المعادن والاحداث، وما يجرى مجرى ذلك كتبا، وبأخبار الخراج، والضياع، وأرزاق الاولياء، وما يجرى من دور الضرب والاسعار وما يقع فيه الحل والعقد والاعطاء، والاخذ كتبا ليجرى كل كتاب في موضعه ويكتب في بابه «٥٧» فيحصل العمل ويملك نظامه. هذا عهد أمير المؤمنين اليك، فكن به متمسكا ولما مثله لك ذاكرا، وبه أخذا، وعليه عاملا، والله يوفقك «٥٨» لما يحمده أمير المؤمنين فيك ويرضاه من فعلك، ويعلم به صواب اختياره إياك.
ولو ذهبت الى أن اتي، في كل وجه من وجوه المكاتبات بمثال، لطال الكتاب ولم نأت على آخر الابواب، ولكنا نقتصر «٥٩» على ما مر فأن فيه كفاية ومجزا، ولما يأتي مما لم نذكره مثالا ومحتدا ان شاء الله وبه القوة والحول.
[ ٥٢ ]