روى الكلبي «٢١٦»: ان أبا عبيدة لما فرغ من أمر دمشق، قدم أمامه خالد بن الوليد، وملحان بن زياد الطائي، فلما توافوا بحمص قاتلهم أهلها، ثم لجأوا الى المدينة وطلبوا الامان والصلح، فصالحوه على مائة ألف وسبعين «٢١٧» ألف دينار.
وقال الواقدي وغيره. بينما المسلمون على أبواب دمشق، اذ أقبلت خيل للعدو، فخرجت اليهم جماعة من المسلمين، فلقوهم بين بيت لهيا والثنية، فولوا منهزمين نحو حمص على طريق قارا، وأتبعوهم حتى وافوا حمص، ورآهم الحمصيون وكانوا
[ ٢٩٦ ]
منخوبين «٢١٨» لهرب هرقل عنهم، وما كان يبلغهم «٢١٩» من قوة كيد المسلمين وبأسهم وظفرهم، وكفوا أيديهم عنهم، فأخرج الحمصيون اليهم النزل، وأقام المسلمون على الاربط٢٢»
وهو النهر الذي يمر بانطاكية ويصب في البحر، وما كان على المسلمين السمط بن الاسود الكندي «٢٢١» . ثم لما فرغ أبو عبيدة من أمر دمشق، واستخلف عليها يزيد بن أبي سفيان، قدم حمص على طريق بعلبك، فنزل باب الرستن «٢٢٢» فصالحه أهل حمص على ان أمنهم على أنفسهم، وأموالهم وسور مدينتهم وكنائسهم، وأرحائهم، واستثنى عليهم ربع كنيسة يوحنا للمسجد، واشترط الخراج «٢٢٣» على من أقام منهم، ثم استخلف بحمص، عبادة بن الصامت الانصاري، ومضى نحو حماة فتلقاه أهلها مذعنين فصالحهم على الجزية في رؤوسهم، والخراج في أرضهم، ومضى نحو شيزر، فخرجوا يكفرون ورضوا بمثل ما رضي به أهل حماة، وبلغت خيله الزراعة، والقسطل، ثم مر «٢٢٤» أبو عبيدة بمعرة «٢٢٥» حمص وهي التي تنسب اليوم الى النعمان بن بشير الانصاري «٢٢٦» فخرجوا يقلسون بين يديه، ثم أتى أفامية، ففعل أهلها مثل ذلك،
[ ٢٩٧ ]
وأذعنوا بالخراج والجزية واستتم أمر حمص. وأتى عبادة بن الصامت [الانصاري] اللاذقية، فقاتله أهلها فكادهم عبادة حتى دخل باب المدينة، وفتحها عنوة وكبر على الحصن، وبنى عبادة باللاذقية مسجدا جامعا ووسع بعد ذلك، وفتح المسلمون مدينة تعرف ببلدة على فرسخين من جبلة عنوة.
ثم أنها خربت وجلا أهلها فأنشأ معاوية جبلة وكانت حصنا «٢٢٧» للروم جلوا عنها عند فتح المسلمين حمص. وفتح المسلمون مع عبادة أيضا أنطرطوس، وكان حصنا، ثم جلا أهله عنه، فبنى معاوية مدينة أنطرطوس ومصرها، وأقطع المقاتلة بها القطائع، وكذلك فعل بمرقية وبلنياس، وبيت «٢٢٨» سلمية. ثم أن صالح بن علي بن عبد الله بن العباس اتخذها وبنى وولده فيها ومصروها، ونزلها من نزل من ولده فهي لهم وارضوها.
ثم جمع هرقل جموعا عظيمة من الروم، وأهل الشام، والجزيرة وأرمينية، تكون زهاء مائتي ألف، وولى أمرهم رجلا من خاصته، وبعث على مقدمته جبلة بن الايهم الغساني، في مستعربة الشام من لخم وجذام وغيرهم، وعزم على محاربة المسلمين والعمل على انه ان ظفر والا دخل قسطنطينية، واجتمع المسلمون فرجعوا اليه فاقتتلوا على اليرموك- وهو نهر- أشد قتال وأبرحه، وكان اجتمع من المسلمين لهم يومئذ نحو أربعة وعشرين «٢٢٩» ألفا، وتسلسلت «٢٣٠» الروم، وأتباعها لئلا يهربوا، فقتل منهم زهاء تسعين ألفا وهرب فللهم فلحقوا بانطاكية، وحلب والجزيرة
[ ٢٩٨ ]
وأرمينية، وفلسطين، وبلغ هرقل خبرهم فهرب من انطاكية الى قسطنطينية، فلما جاوز الدرب قال: «عليك يا سورية السلام» . وكانت وقعة اليرموك في رجب سنة خمس عشرة.
ثم سار أبو عبيدة الى قنسرين وانطاكية ففتحها ولم تزل قنسرين وكورها مضمومة الى حمص حتى جعل يزيد بن معاوية قنسرين، وانطاكية، ومنبج، ودوانها جندا.
فلما استخلف الرشيد أفرد «٢٣١» قنسرين بكورها فصير ذلك جندا، وأفرد منبج، ودلوك، ورعبان، وقورس، وانطاكية، وتيزين «٢٣٢» وسماها العواصم، لان المسلمين يعتصمون بها في ثغورهم فتعصهم.