قالوا: كانت أول وقعة واقعها المسلمون الروم في خلافة أبي بكر بأرض فلسطين، وعلى الناس «٢٣٣» عمرو بن العاص، ثم ان عمرا فتح غزة في خلافة أبي بكر. ثم فتح بعد ذلك سبسطية، ونابلس، على ان أعطاهم «٢٣٤» الامان على أنفسهم وأموالهم، ومنازلهم على أن الجزية في رقابهم والخراج في أرضهم، ثم فتح مدينة لد وأرضها ثم فتح يبنى، وعمواس، وبيت جبرين، وفتح، يافا. وقيل: بل فتحها معاوية، وفتح رفح مثل ذلك. ثم قدم أبو عبيدة عليه بعد فتح قنسرين ونواحيها، وذلك في سنة ست عشرة وهو محاصر ايلياء. وهي مدينة بيت المقدس، وطلب أهل ايلياء من أبي عبيدة الامان، والصلح على مثل ما صولح عليه أهل «٢٣٥» مدن الشام، من اداء
[ ٢٩٩ ]
الجزية والخراج، والدخول فيما دخل فيه نظراؤهم، على أن يكون المتولى للعقد لهم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، فكتب أبو عبيدة بذلك الى عمر، فقدم عمر، فنزل الجابية من دمشق ثم صار الى ايلياء فأنفذ صلحهم وكتب به «٢٣٦» لهم، وكان فتح ايلياء في سنة سبع عشرة.
ثم كان طاعون عمواس سنة ثماني عشرة فتوفي فيه خلق من المسلمين، وكان ممن توفي فيه أبو عبيدة بن الجراح، ومعاذ بن جبل، وشرحبيل بن حسنة. فلما أتت عمر بن الخطاب وفاة أبي عبيدة، كتب الى يزيد بن أبي سفيان بولاية الشام، مكانه، وأمره أن يغزو قيسارية، وقد قال قوم:
ان عمر انما ولى يزيد الاردن وفلسطين. وانه ولي أبا الدرداء دمشق، وولي عبادة بن الصامت حمص.
وقال الواقدي: اختلف علينا في أمر قيسارية.
فقال قائلون: فتحها معاوية وقال آخرون: بل فتحها عياض بن غنم بعد وفاة أبي عبيدة، وهو خليفته «٢٣٧» [وقال قائلون: فتحها عمرو بن العاص] «٢٣٨» وقال قائلون: خرج عمرو الى مصر، وخلف ابنه عبد الله بن عمرو فكان الثبت «٢٣٩» من ذلك. والذي أجمع عليه من يوثق بقوله، ان أول الناس حاصرها عمرو بن العاص نزل عليها في جمادي الاولى سنة ثلاث عشرة، فكان يقيم عليها ما أقام، فاذا كان للمسلمين اجتماع في أمر عدوهم سار اليهم فشهد اجنادين، وفحل، والمرج، ودمشق، واليرموك. ثم رجع الى قيسارية فحاصرها وخرج الى مصر من قيسارية، ثم لما ولى يزيد بن
[ ٣٠٠ ]
أبي سفيان وكان أخاه معاوية محاصرا «٢٤٠» فيسارية، وتوجه الى مصر مطعونا فمات بها.
وقال غير الواقدي: ولى عمر بن الخطاب، يزيد بن أبي سفيان، فلسطين مع ما ولاه من أجناد الشام، فكتب اليه أن يغزوا قيسارية، وقد كانت حوصرت قبل ذلك، فنهض اليها في سبعة عشر ألفا فقاتله أهلها، ثم حصرهم، ومرض في آخر سنة ثمان عشر، فمضى الى دمشق، واستخلف عليها معاوية ففتحها، وكتب اليه بفتحها، فكتب به يزيد الى عمر. ويقال: ان معاوية فتحها بعد موت يزيد. وكان عمر ولى معاوية الشام بعد موت أخيه يزيد فشكر له أبو سفيان ذلك. وقال يا أمير المؤمنين وصلتك رحم. وكانت مدة حصار قيسارية، سبع سنين، وفتحها في شوال سنة تسع عشرة ففتحها «٢٤١» معاوية قسرا، بعد ان كان يئس من فتحها، ولما فتحت وجد فيها من المرتزقة سبعمائة ألف، ومن السامرة ثلاثين ألفا، ومن اليهود مائتي ألف، ووجد بها ثلثمائة سوق قائمة، وكان يحرسها على سورها كل ليلة مائة ألف «٢٤٢»، وكان سبب فتحها يهودي دل المسلمين على طريق، في سرب فيه الماء الى حقوى الرجل، فدخلها المسلمون من ذلك الموضع، وكبروا «٢٤٣» فيها فأراد الروم أن يهربوا من السرب فوجدوا المسلمين عليه، وكان بها خلق من العرب، ومنهم شقراء التي يقول فيها حسان بن ثابت الانصاري: «٢٤٤»
[ ٣٠١ ]
تقول شقراء لو صحوت عن الخمر لاصبحت مثري العدد
وقدم سبي قيسارية على عمر، وكانوا أربعة آلاف رأس، فأنزلوا الجرف، ثم قسمهم عمر على يتامى الانصار، وجعل بعضهم في الكتاب والاعمال للمسلمين، وكان من قتل بقيسارية من مقاتلة المشركين ثمانين ألفا، وكتب عمر الى معاوية، يأمره بتتبع ما بقى من فلسطين ففتح عسقلان صلحا بغير كيد «٢٤٥»، وأخربت الروم عسقلان في أيام ابن الزبير، فلما ولي عبد الملك بن مروان بناها وحصنها ورم قيسارية وبنى بها بناء كثيرا، وبنى مسجدها، وبنى أيضا صور وعكا الخارجة وكانت هذه سبيلها، ولم تكن مدينة الرملة قديمة وانما كان موضعها رملة، فولى الوليد بن عبد الملك سليمان بن عبد الملك جند فلسطين فنزل لدّ، ثم أحدث مدينة الرملة ومصرها، وكان أول ما بنى منها قصره، والدار التي تعرف بدار الصباغين، وجعل في الدار صهريجا، ثم اختط المسجد الجامع وبناه، وولى الخلافة قبل استتمامه، فبنى فيه بعد خلافته، وأتمه عمر بن عبد العزيز، ونقص من خطة سليمان، وقال: أهل الرملة يكتفون بهذا، وبنى الناس في الرملة بعد بنائه أياها المنازل بأذنه، واحتفر لاهل الرملة قناتهم التي تدعى بردة واحتفر بها آبارا، والنفقة عليها من مال السلطان محتسب بها في جماعات العمال الى هذا الوقت، لان المعتصم بالله كان يحل بها.
[ ٣٠٢ ]