قالوا: ولما ولى عبد الله بن سعد بن أبي سرح، مصر والمغرب، وكان عثمان بن عفان متوقفا عن غزوها، ثم انه عزم على ذلك بعد ان استشار فيه، فكتب «٣٧٦» الى عبد الله [بن سعد] «٣٧٧» في سنة سبع وعشرين، ويقال: في سنة ثمان وعشرين، ويقال: في سنة تسع وعشرين يأمره بغزوها وأمده بجيش كثيف فيهم معبد بن العباس بن عبد المطلب، ومروان بن الحكم، والحارث أخوه وعبد الله بن الزبير، والمسور٣٧»
بن مخرمة، وعبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، وعبد الله بن عمر «٣٧٩»، وعاصم بن عمر، وعبيد الله بن عمر، وعبد الرحمن بن أبي بكر، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وبسر بن [أبي «٣٨٠» ارطاة] «٣٨١»، وأبو ذؤيب «٣٨٢» الهذلي الشاعر، وبأفريقية مات.
[ ٣٤٣ ]
فسار عبد الله بن سعد بن أبي سرح، حتى حل بعقوبة «٣٨٣» وكان بها بطريق سلطانه من «٣٨٤» طرابلس الى طنجة فقاتله أياما. ثم ان الله قتله وهرب جيشه فتمزقوا وكان المتولي لقتله عبد الله بن الزبير، وبث ابن أبي سرح السرايا ففرقها في البلاد، فأصابوا غنائم كثيرة. فلما رأى ذلك عظماء أفريقية طلبوا الى عبد الله [ابن سعد] «٣٨٥» أن يأخذ منهم ثلثمائة قنطار من ذهب على أن يكف عنهم، ويخرج من بلادهم فقبل ذلك. وقال الواقدي: ان هذا الصلح بلغ ألفي ألف وخمسمائة ألف وعشرين ألفا. فدل على ان القنطار ثمانية آلاف وأربعمائة دينار «٣٨٦» .
فلما صالح عبد الله بن سعد أهل أفريقية رجع الى مصر، ولم ينزل على أفريقية أحدا، ولم يكن لها حينئذ قيروان «٣٨٧» ولا مصر جامع. فلما قتل عثمان وقد كان محمد بن أبي حذيفة بن عتبة ابن ربيعة تغلب على مصر وانغلها على عثمان، وكان الوالي على مصر من قبل معاوية، عمرو بن العاص، ثم عزله معاوية. وولي معاوية بن حديج السكوني فبعث في سنة خمسين الى أفريقية عقبة بن نافع بن عبد قيس بن لقيط الفهري، فبناها واختط قيروانها، وكان موضوعها غيضة ذات شجر وطرفاء فيها السباع والحيات التي لا ترام، وبنى بها المسجد الجامع، ووجه ابن نافع،
[ ٣٤٤ ]
بسر بن أبي ارطاة الى قلعة على أيام من القيروان عنده «٣٨٨» معدن الفضة، وبالقرب من مدينة تدعي مجانة فافتتحها وقتل وسبى فسميت تلك القلعة قلعة بسر، وهي تعرف بذلك الى اليوم. وقد كان علي بن أبي طالب، رضوان الله عليه «٣٨٩»، ولي قيس بن سعد بن عبادة الانصاري مصر، ثم عزله واستعمل محمد بن أبي بكر الصديق، ثم عزله وولي مالك الاشتر، فاغتيل بالقلزم، فأعاد اليها محمد بن أبي بكر، فقتله معاوية بن حديج وأحرقه في جوف حمار، ثم عزل معاوية بن أبي سفيان، معاوية بن حديج، وولى مصر والمغرب، مسلمة بن مخلد الانصاري، فولى المغرب، أبا المهاجر مولاه فلما ولي الامر يزيد بن معاوية رد عقبة بن نافع الى عمله من المغرب، فغزا السوس الادنى وهو خلف طنجة، وجول فيما هناك لا يعرض له أحد بقتال، فانصرف «٣٩٠» ومات يزيد بن معاوية، وبويع لابنه معاوية بن يزيد وهو أبو ليلى، فنادى الصلاة جامعة، ثم تبرأ من الخلافة وجلس في بيته ومات بعد شهرين.
فولى عبد الله بن الزبير مصر ابن جحدم، وهو عبد الرحمن ابن عقبة الفهري، فاخرج عن مصر. ويقال: قتل بها فولى مروان عقبة بن نافع ولما استقام الامر لعبد الملك بن مروان بعد فتنة ابن الزبير استعمل أخاه عبد العزيز بن مروان على مصر فولى أفريقية زهير بن قيس البلوي ففتح تونس ثم انصرف الى برقة وبلغه ان جماعة من الروم خرجوا من مراكب كانوا فيها فعاثوا فتوجه اليهم في جريدة خيل فاستشهد ومن كان معه فولى
[ ٣٤٥ ]
عبد العزيز بن مروان، حسان بن النعمان الغساني مكانه، فغزا ملكة البربر الكاهنة فهزمته فأتى قصورا في حيز برقة فنزلها فسميت قصور حسان الى اليوم، ثم ان حسان غزاها ثانية فقتلها وسبى سبيا من البربر وبعث «٣٩١» بهم الى عبد العزيز وهم السبي الذين ذكر نصيب الشاعر انه رآهم عند عبد العزيز بن مروان فلم ير وجوها أحسن من وجوههم.
ثم وجه عبد العزيز بن مروان موسى بن نصير مولى بني أمية، وأصله من عين التمر، ويقال بل هو من بلى «٣٩٢» من اراشة، ويقال، هو من لخم، واليا على أفريقية ففتح طنجة وبلغت خيله السوس الادنى وبينه وبين السوس الاقصى مسيرة نيف وعشرين يوما، ثم لما كانت خلافة عمر بن عبد العزيز ولى المغرب اسماعيل بن عبيد الله بن المهاجر مولى بني مخزوم فسار أحسن سيرة ودعا البربر الى الاسلام [و] «٣٩٣» كتب عمر بن عبد العزيز اليهم في ذلك كتبا فأسلم منهم خلق وغلب الاسلام على نواحي المغرب مذ ذاك.
وولي يزيد بن عبد الملك فولى يزيد بن مسلم مولى الحجاج «٣٩٤» أفريقية [والمغرب فقدم أفريقية] «٣٩٥» في سنة اثنتين ومائة وكان حرسه من البربر فوسم على يد كل منهم حرسي فأنكروا ذلك وكرهوا سيرته فقتلوه فولى يزيد بن عبد الملك مكانه بشر بن صفوان الكلبي فضرب عنق عبد الله بن موسى بن نصير صبرا لانه اتهمه بتأليب الناس على يزيد بن مسلم. ثم ولى هشام بن عبد الملك فأقر بشر بن صفوان أيضا، فتوفي بالقيروان سنة تسع
[ ٣٤٦ ]
ومائة، فولى هشام مكانه عبد الله «٣٩٦» بن عبد الرحمن القيسي «٣٩٧» . ثم استعمل بعده عبد الله بن الحبحاب مولى بنى سلول، فأغزى عبد الرحمن بن حبيب بن أبي عبيدة بن عقبة بن نافع الفهري السوس، وأرض السودان فظفر ظفرا لم يظفر مثله أحد. ثم ولى بعد ابن الحبحاب، كلثوم بن عياض القشيري، فقدم أفريقية في سنة ثلاث وعشرين، فقتل فولي بعده حنظلة ابن صفوان الكلبي، أخا بشر بن صفوان فقاتل الخوارج، وتوفي هناك، وهو وال وقام الوليد بن يزيد بن عبد الملك فخالف عليه عبد الرحمن بن حبيب الفهري وكان محببا في ذلك الثغر لما كان من اثار جده عقبة بن نافع فيه فمكث متغلبا عليه، وقام يزيد بن الوليد فلم يبعث الى المغرب عاملا «٣٩٨»، وقام مروان فكاتبه عبد الرحمن بن حبيب. وأظهر له الطاعة وبعث اليه هدايا فأقره «٣٩٩» مروان على الثغر ومات فولى بعده الياس بن حبيب ثم حبيب بن عبد الرحمن، ثم غلب البربر والاباضية من الخوارج، ودخل محمد بن الاشعث الخزاعي أفريقية واليا عليها في آخر خلافة أبي العباس، في خلق بعض الناس، يقول: في سبعين ألفا وبعضهم يقول في أربعين ألفا فوليها أربع سنين ورم مدينة القيروان ثم عزله المنصور وولي عمر بن حفص بن عثمان بن قبيصة بن أبي صفرة العتكي «٤٠٠» وهو الذي يسمى هزار مرد وكان المنصور به معجبا فدخل أفريقية وغزا منها حتى بلغ بلد البربر، وابتنى هناك مدينة سماها العباسية، ثم ان أبا حازم السدراتي الاباضي من أهل سدراتة، وهو مولى لكندة قاتله فاستشهد
[ ٣٤٧ ]
وجماعة من أهل بيته وانتقض الثغر وهدت «٤٠١» تلك المدينة الى أساسها، وولي بعد هزار مرد، يزيد بن حاتم بن قبيصة بن المهلب فخرج في خمسين ألفا وشيعه المنصور الى بيت المقدس وانفق عليه مالا عظيما فسار يزيد حتى لقى السدراتي بطرابلس «٤٠٢» فقتله ودخل أفريقية، فاستقامت. ثم ولى بعد يزيد بن حاتم روح بن حاتم، ثم الفضل بن روح فوثب الجند عليه فذبحوه وكان الاغلب بن سالم التميمي من أهل مرو الروذ فيمن قدم من المسودة «٤٠٣» من خراسان فولاه موسى الهادي المغرب فجمع له حريش، وهو رجل كان من جند الثغر من أهل تونس- جمعا وسار اليه وهو بقيروان أفريقية فحصره. ثم ان الاغلب خرج اليه فقاتله فأصابه في المعركة سهم فسقط ميتا وأصحابه لا يعلمون ولم يعلم أصحاب حريش أيضا بذلك ثم ان حريشا انهزم وجيشه فأتبعهم أصحاب الاغلب ثلاثة أيام فقتلوا عامتهم وقتلوا حريشا بموضع يعرف بسوق الاحد، وكان ابراهيم بن الاغلب من وجوه جند مصر، فوثب اثنا عشر رجلا معه فأخذوا من بيت المال مقدار أرزاقهم لم يزدادوا على ذلك شيئا وهربوا فلحقوا بموضع يقال له الزاب وهو من القيروان على مسيرة أكثر من عشرة أيام، وعامل القيروان يومئذ من قبل الرشيد هرون بن هرثمة بن اعين وراسل ابراهيم من كان بتلك الناحية من الجند وغيرهم، وأقبل يهدي الى هرثمة ويلاطفه ويكتب اليه بأن الذي دعاه الى ما فعله الخلة، والضرورة، فولاه هرثمة ناحيته واستكفاه أمرها فلما صرف هرثمة وولي بعده ابن العكي ساء أثره في الثغر حتى انتقض عليه فاستشار الرشيد هرثمة في رجل يوليه، فأشار باستصلاح ابراهيم وتوليته فكتب اليه الرشيد بأنه قد صفح عن جرمه وقلده الثغر
[ ٣٤٨ ]
اصطناعا له، فأبتنى ابراهيم القصر الابيض الذي في قبلة القيروان على ميلين منها، وخط الناس «٤٠٤» حوله فبنوا ومصر ما هناك، وبنى فيه مسجدا جامعا بالجص والاجر وجعل له عمد الرخام وسمى تلك المدينة، العباسية فهي اليوم آهلة عامرة وكان من أمر ابن الاغلب ما كان.