كانت شمشاط، وقليقلا «٣٠٤»، وخلاط، وأرجيش، وباجنيس تدعى أرمينية الرابعة وكانت كورة البسفرّجان، ودبيل، وسراج طير، وبغروند، تدعى أرمينية الثالثة، وكانت جرزان تدعى أرمينية الثانية «٣٠٥» . وكانت السيسجان، وأران تدعى أرمينية الاولى، ويقال:
ان شمشاط وحدها كانت تدعى أرمينية الرابعة، وكانت قليقلا، وخلاط، وأرجيش، وباجنيس، وسراج طير، وبغروند، ودبيل، والبسفرجان تدعى أرمينية الثالثة. والسيسجان وأران تدعى أرمينية الثانية، وتفليس، وهي جرزان تدعى أرمينية العليا. وكانت جرزان وأران في أيدي الخزر، وسائر أرمينية في أيدي الروم يتولاها صاحب أرميناقس وهو الذي تسميه العرب في هذا الوقت الارميناق، وكانت الخزر تخرج فتغير فربما بلغت الدينور فوجه قباذ بن فيروز الملك قائدا من عظماء قواده في اثنى عشر الفا فوطئ بلاد أران، وفتح ما بين النهر الذي يعرف بالرس الى شروان. ثم ان قباذا لحق به فبنى بأران مدينة البيلقان، ومدينة برذعة، وهي مدينة الثغر كله، ومدينة قبلة وهي الخزر، ثم بنى سد اللبن فيما بين أرض شروان وباب اللّان، وبنى على سد اللبن ثلثمائة وستين مدينة خربت بعد
[ ٣٢٢ ]
بناء الباب والابواب، ثم ملك بعد قباذ «٣٠٦»، ابنه انوشروان «٣٠٧»، فبنى مدينة الشابران. ومدينة مسقط، ثم بنى مدينة الباب والابواب، وسميت الابواب لانها بنيت على طرق في الجبل وأسكن ما بنى من هذه المواضع قوما سماهم السياسيجين «٣٠٨» وبنى بأرض أران «٣٠٩» أبواب شكن، والقمبيزان وبنى الدرذوقيّة وهي اثنا عشر بابا، كل باب منها قصر من حجارة، وبنى بأرض جرزان مدينة يقال: لها سغدبيل، وأنزلها قوما من السغد وعليها مسلحة، وبنى مما يلي الروم قصرا يقال له باب فيروزقباذ «٣١٠»، وقصرا، يقال له باب لاذقة، وقصرا آخر يقال له، باب بارقة، وهو على بحر طرابزندة، وبنى باب اللّان، وباب سمسخي، وبنى قلعة الجردمان، وقلعة شمشلدي، وفتح انوشروان جميع ما كان في أيدي الروم من أرمينية، وعمر مدينة دبيل وحصنها، وبنى النشوى وهي قصبة كورة [البسفرجان] «٣١١» وبنى حصن ويص وقلاعا بأرض السيسجان، منها قلعة الكلاب، وساهيونس، وأسكن هذه الحصون والقلاع ذوي الباس والنجدة من سياسيجية، ثم
[ ٣٢٣ ]
كتب أنو شروان الى ملك الخزر بعترة «٣١٢» ويحتال عليه لبناء الحائط وقد اقتصصنا ذلك في المنزلة التي قبل هذه، وذكره في هذا الموضع اعادة، وملك أنو شروان ملوكا «٣١٣» رتبهم وجعل لكل منهم شاهية ناحية، فمنهم خاقان الجبال وهو صاحب السرير ويدعى وهرازرا «٣١٤» نشاه، وملك اللكز، ويدعى جرشانشاه، وملك ليران ويدعى ليرانشاه، وملك شروان ويدعى شروانشاه، وملك صاحب بخ علي بخ، وصاحب زريكران عليها، وأقر ملوك جبل القبق على ممالكهم، وصالحهم على الاتاوة. ولم تزل أرمينية في أيدي الفرس حتى ظهر الاسلام. فرفض من السياسيجين «٣١٥» حصونهم ومدائنهم حتى خربت، وغلب الخزر والروم على ما كان في أيديهم بديا «٣١٦» .
قالوا: وقد كانت أمور الروم تشتت في بعض الازمنة، وصاروا كملوك الطوائف من الفرس، فملك أرمنياقس وهو بلد الارميناق رجل منهم، ثم مات فملكته بعده امرأته تسمى (قالى) فبنت مدينة قاليقلا وسمتها قاليقالا، وتفسيره (احسان قالى)، فأعربت ذلك العرب، وقالوا: قاليقلا.
فأما على يد من جرى فتح أرمينية في الاسلام، فانه لما استخلف عثمان بن عفان كتب الى حبيب بن مسلمة الفهري وكان ذا أثر جميل في فتوح الشام وغزو الروم. وقد علم ذلك منه عمر ثم عثمان، فيأمره بغزو أرمينية. فنهض اليها في ستة آلاف، ويقال: في ثمانية آلاف من أهل الشام والجزيرة، فأتى قاليقلا فاناخ عليها وخرج اليه أهلها، فقاتلهم حتى
[ ٣٢٤ ]
الجأهم الى المدينة فطلبوا الامان على الجلاء والجزية «٣١٧» فجلا كثير منهم فلحقوا ببلاد الروم، وأقام حبيب فيمن معه بها أشهرا، ثم بلغه ان بطريق أرمنياقس قد جمع للمسلمين جمعا عظيما، وانضمت اليه أمداد أهل اللّان وافخار، وسمندر من الخزر، فكتب الى عثمان يسأله المدد، وكتب الى معاوية يسأله ان ينفذ اليه من أهل الشام والجزيرة، من يرغب في الجهاد أو الغنيمة، فبعث اليه معاوية ألفى رجل، أسكنهم قاليقلا وأقطعهم بها القطائع، وجعلهم مرابطة بها. ولما ورد على عثمان كتاب حبيب كتب الى سعيد بن العاص بن سعيد بن العاص، وهو عامله على الكوفة، يأمره بامداده بجيش عليهم سلمان بن ربيعة الباهلي، وهو سلمان الخيل، وكان خيرا غزاء، فسار اليه سلمان في ستة آلاف رجل من أهل الكوفة، وأقبلت الروم ومن معها، فنزلوا على عبر الفرات، وقد أبطأ على حبيب المدد فبيتهم «٣١٨» بمن معه من المسلمين، فأجتاحوهم وقتلوا عظيمهم، وورد سلمان وقد فرغ المسلمون من عدوهم فطلب أهل الكوفة اليهم، أن يشركوهم في الغنيمة، فلم يفعلوا حتى تغالظ حبيب وسلمان في القول، وتوعد بعض الشاميين سلمان بالقتل، فقال الشاعر:
وان تقتلوا سلمان نقتل حبيبكم وان ترحلوا نحو ابن عفان نرحل «٣١٩»
[ ٣٢٥ ]
وكتب الى عثمان، فكتب أن الغنيمة باردة لاهل الشام وكتب الى سلمان يأمره بغزو أران، قالوا: ولم تزل مدينة قاليقلا مذ فتحت ممتنعة بمن فيها من أهلها، حتى خرج الطاغية في سنة ثلاث وثلاثين ومائة، فحصر أهل ملطية وهدم حائطها، وأجلى من بها من المسلمين [الى الجزيرة] «٣٢٠»، ثم نزل مرج الحصى ووجه كوشان الارمني «٣٢١»، حتى أناخ على قاليقلا فحصرها، وأهلها يومئذ قليل، فنقب أخوان من الارمن من أهل قاليقلا ردما كان في سورها وخرجا الى كوسان، فأدخلاه المدينة، فغلب عليها وقتل وسبى، وهدمها وساق ما حواه الى الطاغية، ففرق السبي على أصحابه.
فلما كانت سنة تسع وثلاثين ومائة فادى المنصور بمن كان حيا من أسارى قاليقلا، وعمرها، ورد من فادى به اليها، وندب اليها جندا من أهل الجزيرة، وغيرهم، وقد كان طاغية الروم خرج «٣٢٢» الى قاليقلا في خلافة المعتصم بالله، فهدم سورها «٣٢٣» فانفق المعتصم عليها حتى حصنها.
ثم سار حبيب بعد فتحه قاليقلا الى خلاط، فأتاه بطريقها بكتاب عياض بن غنم، الذي صالحه فيه على ماله وبلاده، وقاطعه على ما يؤديه من الاتاوة فانفذ حبيب ذلك له. وقاطع صاحب مكس، وهي من نواحي البسفرّجان «٣٢٤» عن بلادة وكتب له كتاب صلح وأمان ووجه الى قرى أرجيش، وباجنيس، بمن غلب عليها، وجبى جزية رؤوس أهلها، ولم
[ ٣٢٦ ]
يعرض لبحيرة (الطريخ) ولم تزل هذه البحيرة مباحة حتى ولي محمد بن مروان بن الحكم الجزيرة وأرمينية، فحوى صيدها وكان يستغلها، ثم صارت لمروان بن محمد فقبضت عنه.
قالوا: ثم سار حبيب حتى نزل مرج دبيل فسرب الخيول اليها، ثم زحف حتى نزل على بابها فتحصن أهلها، ورموه فوضع عليها المنجنيق الى أن طلبوا الامان والصلح، فأعطاهم أياه وسارت خيله حتى غلب على جميع قرى دبيل، ووجه الى سراج طير، وبغروند فأتاه بطريقهما فصالحه على أتاوة يؤديها، وعلى مناصحة المسلمين وقراهم، ومعاونتهم على أعدائهم.
ثم أتى حبيب النشوى ففتحها على مثل صلح دبيل، وقدم عليه بطريق البسفرجان فصالحه على جميع بلاده على خراج يؤديه في كل سنة. ثم أتى السيسجان فحاربه أهلها فهزهم وغلب على ويص وصالح أهل القلاع بالسيسجان على خراج يؤدونه، ثم سار الى جرزان فلقيه رسول بطريقها وأهلها، فأدى اليه عنهم رسالة يطلبون فيها الامان والصلح، فكتب لاهل تفليس أمانا وشرط عليهم انه على أهل كل بيت منهم دينار، وعلى الا يجمعوا بين أهل البيوتان تخفيفا للجزية وليس عليهم أن يفرق بينهم تكثيرا لها، وعلى أن يؤدوا الاتاوة عن أرضهم.
وفتح حبيب خوارح «٣٢٥» وكسفربيس، وكسال، وخنان، وسمسغي، والجردمان، وكستسجي «٣٢٦»، وشوشت، وبازليت صلحا على حقن دماء أهلها، واقرار مصلياتهم وحيطانهم وعلى أن يؤدوا أتاوة عن أراضيهم ورؤوسهم، وصالح أهل قلرجيت وأهل ثرياليت وخاخيط، وخوخط، وارطهال، وباب اللان، وصالح الصنارية والدودانية «٣٢٧» على أتاوة،
[ ٣٢٧ ]
وسار سلمان بن ربيعة الباهلي حين أمره عثمان بالمسير الى أران ففتح مدينة البيلقان صلحا على ان آمنهم على دمائهم وأموالهم وحيطان مدينتهم واشترط عليهم اداء الخراج والجزية. ثم أتى سلمان برذعة فعسكر على نهر يقال له (الثرثور) «٣٢٨» مسافة ما بينه وبينها أقل من فرسخ وأغلق أهلها أبوابها فعاناها أياما وشن الغارات في قراها وكانت زروعها مستحصدة فصالحوه على مثل صلح البيلقان وفتحوا أبوابها فدخلها وأقام بها وسرت خيله ففتحت شفشين والمسقوان، وأوذ، والمصريات، والهرحليات، وتبار، وهي رساتيق وفتح غيرها من أران، ودعا أكراد البلاسجان الى الاسلام فقاتلوه فظفر بهم وأقر بعضهم بالجزية وأدى بعض الصدقة وهم قليل.
ووجه الى شمكور وهي مدينة قديمة من فتحها ولم تزل مسكونة الى ان أخربها السياوردية الذين كانوا تجمعوا عند انصراف يزيد بن أسيد السلمى عن أرمينية فغلظ أمرهم وكثرت بوايقهم «٣٢٩»، ثم عمرها بغامولى المعتصم في سنة أربعين ومائتين وهو آنذاك والي أرمينية وأذربيجان، وأسكنها قوما من الخزر خرجوا راغبين في الاسلام، ونقل اليها التجار من برذعة وسماها (المتوكلية) نسبة الى المتوكل، ثم سار سلمان الى مجمع البرس، والكرخلف برزنج، وعبرا الكر ففتح قبله وصالح صاحب شكن والقمبيران على أتاوة، وصالحه أهل خيزان، وملك شروان وسائر ملوك الجبل، وأهل مسقط والشابران، ومدينة الباب، ثم أغلقت بعده ولقيه
[ ٣٢٨ ]
خاقان في جيشه «٣٣٠» خلف نهر البلنجر، فقتل في أربعة آلاف من المسلمين (﵏) . وفيه وفي قتيبة بن مسلم يقول ابن جمانة الشاعر «٣٣١» الباهلي:
وإن لنا قبرين قبرا بلنجر وقبرا بصين استان يالك من قبر «٣٣٢»
ولما ورد على عثمان نعي سلمان، كتب الى حبيب بأن يكون مقيما بالثغور الشامية والجزرية للغزو بها، وولى أرمينية حذيفة بن اليمان العبسي، فشخص الى برذعة ووجه عماله على ما بينهما وبين قاليقلا. ثم أمره عثمان بتخليف صلة بن زفر العبسي، على عمله والانصراف اليه.
وولي عثمان المغيرة بن شعبة أرمينية وأذربيجان، ثم عزله وولي القاسم ابن ربيعة بن أمية بن أبي الصلت الثقفي. ثم ولى الاشعث بن قيس لامير المؤمنين علي بن أبي طالب (رحمة الله عليه) «٣٣٣» أرمينية وأذربيجان ثم وليها عبد الله بن حاتم بن النعمان بن عمرو الباهلي لمعاوية فمات بها، فولاها
[ ٣٢٩ ]
معاوية أخاه عبد العزيز «٣٣٤» فبنى مدينة دبيل وحصنها وكبر مسجدها، وبنى مدينة النشوى ورم مدينة برذعة، ويقال: انه جدد بناءها وأحكم حصن الفارقين حولها وجدد بناء مدينة البيلقان، وكانت هذه المدن متشعثة مستهدمة ويقال: ان الذي جدد بناء برذعة محمد بن مروان في أيام عبد الملك ابن مروان.
ولما كانت فتنة ابن الزبير انقضت «٣٣٥» أرمينية وخالف أحرارها واتباعهم، فلما ولي محمد بن مروان لاخيه عبد الملك ظفر بهم فقتل وسبى وغلب على البلاد، ثم وعد من بقى منهم أن يفرض لهم في الشرف «٣٣٦» وجمعهم لذلك في كنائس من عمل خلاط فاغلقها عليهم ووكل بأبوابها ثم حرقهم فيها، وولى سليمان بن عبد الملك أرمينية عدي بن عدي ابن عميرة الكندي، وكان عدي بن عميرة ممن نزل الرقة مفارقا لعلي ابن أبي طالب (﵀) ثم أقره عليها عمر بن عبد العزيز، وهو صاحب نهر عدى بالبيلقات. ثم يزيد بن عبد الملك، معلق بن صفار البهراني، ثم عزله وولي الحارث بن عمرو الطائي، وولى الجراح بن عبد الله الحكمي، فنزل برذعة فرفع اليه اختلاف المكاييل بها وموازينها فأقامها على العدل والوفاء واتخذ، مكيالا يدعى الجراحي فأهلها الى اليوم يتعاملون به.
ثم عبر الكر وسار حتى قطع النهر المعروف بالسمور وغزا بلاد الخزر فقتل منهم مقتلة عظيمة، وقاتل أهل بلاد حمزين ثم صالحهم على أن ينقلهم الى رستاق خيزان، وجعل لهم منه قريتين وأوقع بأهل غوميك وسبى منهم، ثم قفل فنزل شكى، وشتى «٣٣٧» جنده ببردغة، والبيلقان وجاشت الجزر
[ ٣٣٠ ]
وعبرت الرس فحاربهم في صحراء ورثان ثم انحازوا الى ناحية أردبيل فواقعهم على أربعة فراسخ منها مما يلي أرمينية فأقتتلوا ثلاثة أيام فأصيب ومن كان معه فسمى ذلك النهر نهر الجراح ونسب جسر كان عليه الى الجراح أيضا. ثم ان هشام بن عبد الملك ولى مسلمة أخاه أرمينية وانفذ على مقدمته سعيد بن عمرو بن أسود الجرشي ومعه أسحق بن مسلم العقيلي وأخوته، [و] «٣٣٨» جعونه بن الحارث العامري، وذفافة، وخالد ابنا عمير بن الحباب السّلمي، والفرات بن سلمان الباهلي، والوليد بن القعقاع العبسي فواقع الخزر وقد حاصروا ورثان فكشفهم عنها فأتوا ميمذ من عمل أذربيجان، فلما تهيأ لقتالهم أتاه كتاب مسلمة يلومه على قتال الخزر قبل قدومه، ويعلمه انه قد ولى أمر عسكره عبد الملك بن مسلم العقيلي، فلما سلم العسكر أخذه رسول مسلمة فقيده وحمله الى برذعة، وانصرف الخزر فاتبعهم مسلمة وكتب بذلك الى هشام فكتب اليه:-
أتتركهم بميمذ قد تراهم وتطلبهم بمنقطع التراب
وأمره باخراج الجرشي من السجن، وصالح مسلمة أهل خيزان وأمره بحصنها فهدم واتخذ بها ضياعا تدعى في هذا الوقت حوز خيزان، وسالمه ملوك الجبل [وصار اليه شروانشاه، وليرانشاه، وطبرانشاه، وفيلانشاه وجرشانشاه] «٣٣٩» وصار اليه صاحب مسقط وصمد لمدينة الباب، ففتحها وكان في قلعتها ألف أهل بيت من الخزر فحاصرهم ورماهم بالحجارة، ثم بحديد اتخذه على هيئة الحجارة فلم ينتفع بذلك، فعمد الى العين التي كان انوشروان أجرى منها الماء الى صهريجهم، فذبح الغنم والبقر وألقى
[ ٣٣١ ]
الفروث والحلتيت فيها، فلم يلبث ماؤهم الا ليلة حتى دود وأنتن وفسد، فلما جن عليهم الليل هربوا وأخلوا القلعة وأسكن مسلمة مدينة الباب والابواب أربعة وعشرين ألفا من أهل الشام على العطاء، فأهل الباب الى اليوم لا يدعون عاملا «٣٤٠» يدخل الا ومعه مال يفرقه فيهم.
ثم ولى هشام بعد مسلمة، سعيدا الجرشي فأقام بالثغر سنتين، ثم ولاه مروان بن محمد فنزل كسال وهو بنى مدينتها من برذعة على أربعين فرسخا ومن تفليس على عشرين فرسخا. ثم دخل أرض الخزر مما يلي باب اللان وأدخلها أسيد بن زافر السلمي، أبا يزيد معه ملوك الجبال من ناحية الباب والابواب. فأغار مروان على صقالبة كانوا بأرض الخزر فسبى منهم عشرين ألف أهل بيت فأسكنهم خاخيط ثم انهم قتلوا أميرهم وهربوا فلحقهم وقتلهم.
ولما بلغ عظيم الخزر كثرة من وطئ به مروان بلاده من الرجال وما هم عليه من النجدة والبأس نخب ذلك قلبه وملاءه رعبا، فلما دنا منه مروان أرسل اليه رسولا يدعوه الى الاسلام، أو الحرب، فقبل الاسلام، وسأل ان يوجه اليه بمن يأخذه عليه، فلما فعل مروان ما سأله من ذلك ليظهر الاسلام، وو أدع مروان على ان أقره على مملكته، وسار مروان نحوه بخلق كثير من الخزر، فأنزلهم ما بين السمور والشابران في سهل أرض اللكز. ثم ان مروان دخل أرض ملك السرير فأوقع بأهلها، وفتح قلاعا فيها ودان له ملك السرير واطاعه وصالحه على ألف راس وخمسمائة جارية سود الشعور والحواجب واشفار العيون في كل سنة، وعلى مائة ألف مدى تصب «٣٤١» في اهراء الباب والابواب، وأخذ منه بذلك الرهن. وصالح مروان توامان على مائة راس وخمسين غلاما، وخمسين
[ ٣٣٢ ]
جارية خماسيين سود الشعور والحواجب وأهداب الاشفار، وعشرين ألف مدى للاهراء في كل سنة، ثم دخل «٣٤٢» أرض زريكران «٣٤٣» فصالحه ملكها على خمسين راسا وعشرة آلاف مدي للاهراء في كل سنة. ثم أتى أرض حمزين فأبى حمزين «٣٤٤» أن يصالحه، وافتتح حصنهم بعد ان حاصرهم فيه شهرا، وأحرق وأخرب ثم نجع بالصلح فكان صلحه على خمسمائة رأس يؤديها دفعة واحدة. ثم لا يكون عليه سبيل وعلى أن يحمل ثلاثين ألف مدى الى أهراء الباب في كل سنة. ثم أتى سندان فأفتتحها صلحا على مائة رأس يعطيه أياها صاحبها دفعة، ثم لا يكون عليه سبيل فيما يستقبل، وعلى أن يحمل في كل سنة الى أهراء الباب خمسة آلاف مدى.
ووظف على طبر سرانشاه عشرة آلاف مدى في كل سنة تحمل الى أهراء الباب ولم يوظف على فيلانشاه شيئا وذلك لحسن «٣٤٥» غنائه وجميل بلائه واحماده أمره ثم نزل مروان على قلعة اللكلز، وقد امتنع صاحبها من اداء شيء من الوظيفة، وخرج يريد صاحب الخزر فقتله راع بسهم رماه وهو لا يعرفه، فصالحه أهل اللكلز على عشرين ألف مدى تحمل الى الاهراء، وولى عليهم خشرما٣٤»
السلمي، وسار مروان الى قلعة صاحب شروان وهي تدعى خرش، وهي على البحر فاذعن بالطاعة والانحدار الى السهل وألزمهم عشرة آلاف مدي في كل سنة، وجعل على صاحب شروان أن يكون في المقدمة اذا بدأ المسلمون لحرب الخزر، ثم في الساقة اذا رجعوا، وعلى فيلانشاه أن يغزوا معهم فقط. وعلى طبر سرانشاه أن يكون في الساقة وفي المقدمة اذا انصرفوا، ثم سار مروان الى الدوادنية فأوقع بهم، ثم جاءه
[ ٣٣٣ ]
قتل الوليد بن يزيد، وخالف عليه ثابت بن نعيم الجذامي، وتقلد مسافر القصاب من أهل الباب من قبل الضحاك الخارجي أرمينية وأذربيجان، والتاثت «٣٤٧» الامور الى أيام أبي العباس فلما كانت تلك الايام تولى أبو جعفر الجزيرة وأرمينية أنقذ قائدا من أهل خراسان فقتل مسافرا وظفر بمن معه من الخوارج.
ثم لما استخلف المنصور ولى يزيد بن اسيد السلمي أرمينية ففتح باب اللان «٣٤٨»، ورتب فيه رابطة من أهل الديوان، ودوخ الصنارية حتى أدوا الخراج، وكتب اليه المنصور يأمره بمصاهرة ملك الخزر ففعل، وولدت له ابنته ابنا فمات وماتت في نفاسها، وبعث الى يزيد نفاطة أرض شروان وملاحتها فجباهما ووكل بهما وبنى يزيد مدينتي ارجيل الكبرى والصغرى، وأنزلهما أهل فلسطين. وكانت أرمينية انتفضت في ولاية الحسن بن قحطبة الطائي بعد عزل يزيد بن اسيد، وبكار بن مسلم العقيلي، وقاتلته الارمن «٣٤٩» ورئيسهم موشائيل «٣٥٠» الارمني فأمده المنصور بجيوش عليها عامر بن اسماعيل [الحارثي] فواقع الحسن، موشائيل. [فقتل وفضت الجموع واستقامت له الامور وهو الذي نسب اليه نهر الحسن بالبيلقان والباغ الذي يعرف بباغ الحسن، وببرذعة والضياع المعروفة بالحسينية.
وولي بعد الحسن بن قحطبة عثمان بن عمارة بن خريم، ثم روح بن حاتم المهلبي، ثم خزيمة بن خازم، ثم يزيد بن مزيد الشيباني، ثم عبيد الله بن المهدي، ثم الفضل بن يحيى، ثم سعيد بن سالم، ثم محمد بن يزيد بن مزيد. وكان خزيمة أشدهم ولاية وهو الذي سن المساحة بدبيل والنشوى ولم يكن قبل ذلك.
[ ٣٣٤ ]
ولم يزل بطارقة أرمينية مقيمين في بلادهم يحمي كل واحد منهم ناحيته. ووليهم خالد بن يزيد بن مزيد في خلافة المأمون فقبل هداياهم وخلطهم بنفسه فأفسدهم ذلك وجرأهم على من بعده من عمال المأمون.
ثم ولى المعتصم بالله الحسن بن علي الباذغيسى المعروف بالمأموني الثغر، فأهمل بطارقته وأحراره ولان لهم حتى ازدادوا فسادا على السلطان وكلا على من يليهم من الرعية، وغلب اسحاق بن اسماعيل بن شعيب مولى بني أمية على جرزان، ووثب سهل بن سنباط البطريق على عامل حيدر ابن كاوس الافشين على أرمينية فقتل كاتبه وافلت بحشاشة نفسه، ثم ولى أرمينية عمال كانوا يقبلون من أهلها العفو ويرضون من خراجها بالميسور.
ثم ولى المتوكل على الله يوسف بن محمد بن يوسف المروزي أرمينية لسنتين من خلافته، فلما صار بخلاط أخذ بطريقها بقراط بن اشوط، فحمله الى سر من رأى فأوحش البطارقة والاحرار والمتغلبة ذلك منه. ثم انه عمد عامل له يقال له العلاء بن أحمد الى دير بالسيسجان يعرف بدير الاقداح لم تزل نصارى أرمينية تعظمه وتهدي اليه فأخذ منه جميع ما كان فيه وعسف أهله فأكبرت البطارقة ذلك وأعظمته، وتكاتبت فيه وحض بعضهما على بعض على الخلاف والنقض ودسوا الى الخويثية وهم علوج يعرفون بالارطان في الوثوب بيوسف وحرضوهم عليه لما كان من حملة بقراط بطريقهم ووجه كل امرئ منهم ومن المتغلبة خيلا ورجالا ليؤيدوهم على ذلك فوثبوا به بطرون، وقد فرق أصحابه في القرى فقتلوه وأحتووا على ما كان في عسكره فولى أمير المؤمنين المتوكل على الله بغا الكبير أرمينية فلما صار الى بدليس أخذ موسى بن زرارة وكان ممن هوى قتل يوسف وأعان عليه غضبا لبقراط، وحارب الخويثية فقتل منهم مقتلة عظيمة
[ ٣٣٥ ]
وسبى سبيا كثيرا، ثم حاصر أشوط بن حمزة بن جاجق بطريق البسفرجال وهو بالبلق فاستنزله من قلعته وحمله الى سر من رأى وسار الى جرزان فظفر باسحاق بن اسماعيل فقتله صبرا، وفتح جرزان وحمل من بأران وظاهر أرمينية ممن بالسيسجان من أهل الخلاف والمعصية من النصارى وغيرهم حتى صلح ذلك الثغر صلاحا لم يكن على مثله ثم قدم سر من رأى فى سنة احدى وأربعين ومائتين.