أصله:
وهو أبو الفرج «١» قدامة بن جعفر بن قدامة بن زياد، الكاتب البغدادي «٢» وأبوه أبو القاسم جعفر بن قدامة بن زياد، وقد اختلف المؤرخون في نباهته ومعرفته في الادب، فقد وصفه ابن النديم، في كتابه الفهرست: وصفا يدل على خموله وخلوه من العلم والمعرفة، فقال: «وكان أبوه جعفر ممن لا تفكر فيه، ولا علم عنده» «٣» . ولكن الخطيب البغدادي يخالف رأي ابن النديم ويثنى عليه ثناء كبيرا وعلى معرفته وسعة اطلاعه في فنون الادب والعلم فيقول عنه «انه أحد مشايخ الكتاب وعلمائهم وينعته بوفرة الادب، وحسن المعرفة» ويذكر ان له مؤلفات في صناعة الكتابة، وانه تحدث عن أكابر العلماء الذين تلقى عنهم، والادباء الذين جالسهم، كأبي العيناء الضرير، وحماد بن أسحق الموصلي، ومحمد بن يزيد المبرد ومحمد بن عبد الله بن مالك الخزاعي وغيرهم. ومن رواته أبو الفرج الاصبهاني صاحب كتاب الاغاني، وقد توفي أبو القاسم يوم الثلاثاء لثمان بقين من جمادي الاخرة سنة ٣٢٩ هـ.
[ ٥ ]
أما جده، فأن المعلومات التي بين أيدينا قليلة جدا لا تكفي لا عطاء صورة واضحة عن حياة هذا الرجل، وكل الذي يعرفه المؤرخون عنه ما أورده الجاحظ عنه فقال: «وقال قدامة حكيم المشرق في وصف الذهن شعاع مركوم، ونسيم معقود، ونور بصاص، وهو النار الخامدة، والكبريت الاحمر» «٤» . وكذلك أورد الجاحظ نصا آخر في كتابه، فخر السودان من مجموعة رسائله عند الحديث على قبة قصر غمدان، قال: وفيها يقول قدامة حكيم المشرق وكان صاحب كيمياء:
فأوقد فيها ناره ولو أنها أقامت كعمر الدهر لم تتصرم
لقد كانت حياة قدامة شديدة الخفاء لان المعلومات التي قدمها لنا المؤرخون شحيحة جدا وضئيلة لا تتناسب مع غزارة علمه وسعة مداركه فهي لا تكفي لتكوين صورة حقيقية، واضحة كل الوضوح، وغير كافية للكشف عن جميع الجوانب المضيئة لحياة هذا العالم الفذ.
وأقدم من نوه عن حياة قدامة من المؤرخين والمترجمين ابن النديم صاحب كتاب الفهرست، ولكن هذا الشيء الذي ذكره ابن النديم كان ضئيلا جدا لا يكفي لان يكون الباحث عنه فكرة واضحة فقال:-
«هو قدامة بن جعفر بن قدامة، وكان نصرانيا، وأسلم على يد المكتفي بالله وكان قدامة أحد البلغاء الفصحاء، والفلاسفة الفضلاء ممن يشار اليه في علم المنطق، وكان أبوه جعفر ممن لا تفكر فيه، ولا علم عنده» «٥» .
وممن ذكره أيضا أبو الفرج بن الجوزي في كلمات قليلة جدا فقال عنه:-
[ ٦ ]
«قدامة بن جعفر، أبو الفرج الكاتب له كتاب حسن في الخراج وصناعة الكتابة، وقد سأل ثعلبا عن أشياء» «٦» .
وكذلك ذكره أبو الفتح ناصر بن عبد السيد المطرزي في أثناء شرحه لمقامات الحريري بما يأتي:-
«قدامة هو أبو الفرج قدامة بن جعفر بن قدامة بن زياد، الكاتب البغدادي، المضروب به المثل في البلاغة، وقيل، هو أول من وضع الحساب، وظني انه أدرك أيام المقتدر بالله وابنه الراضي بالله، وله تصانيف كثيرة» «٧» .
وكذلك أبو الفدا قال عنه قولا لا يخرج ولا يختلف عما ذكره ابن الجوزي مما يعطينا فكرة بأنه نقل عنه.
أما الملك الافضل، فلا يكاد يخرج في ترجمته عن ترجمة ابن النديم.
فيقول:-
«قدامة بن جعفر، العلامة الاخباري، الكاتب البليغ، كان فيلسوفا نصرانيا، ثم أسلم، وكان صاحب علوم كثيرة، وله تصانيف مفيدة، ومعرفة بليغة بالمنطق، أخذ عن ابن قتيبة والمبرد. توفي لبضع وثلثمائة» «٨» .
وقد ترجم له العيني بشيء يسير لا يختلف كثيرا عمن ترجم له ممن سبق. فقال: «له كتاب حسن في الخراج وصناعة الكتابة، وقد سأل ثعلبا عن أشياء، وبه يقتدي علماء هذا الشأن» «٩» .
[ ٧ ]
وكل الذي استطعنا ان نستلخصه مما كتبه المؤرخون، ان قدامة كان نصرانيا. وأسلم على يد الخليفة المكتفي بالله العباسي. وكان قدامة أحد البلغاء الفصحاء والفلاسفة الفضلاء ممن يشار اليه في علم المنطق، جالس ابن قتيبة والمبرد وثعلبا. اشتهر بالكتابة والحساب والمنطق والبلاغة ونقد الشعر، وله كتب كثيرة.
وقد ذكر ياقوت الحموي «١٠»: انه تولى الكتابة لابن الفرات، في ديوان الزمام ويقال انه كتب لبني بويه لمعز الدولة البويهي.
توفي سنة ٣٢٨ هـ وقيل سنة ٣٣٧ هـ في أيام الخليفة المطيع العباسي.
وقد وضع كتبا كثيرة هي «١١»:-
١- كتاب الخراج وصنعة الكتابة.
٢- كتاب نقد الشعر (مخطوط) .
٣- كتاب صابون الغم (مخطوط) .
٤- كتاب صرف الهم (مخطوط) .
٥- كتاب جلاء الحزن (مخطوط) .
٦- كتاب درياق الفكر (مخطوط) .
٧- كتاب السياسة (مخطوط) .
٨- كتاب الرد على ابن المعتز فيما عاب به أبا تمام (مخطوط) .
٩- كتاب حشو حشا الجليس (مخطوط) .
١٠- كتاب صناعة الجدل.
١١- كتاب الرسالة في أبي علي بن مقلة وتعرف بالنجم الثاقب (مخطوط) .
[ ٨ ]
١٢- كتاب نزهة القلوب وزاد المسافر (مخطوط) .
١٣- كتاب زهر الربيع في الاخبار (مخطوط) .
١٤- كتاب «نقد النثر» المعروف بكتاب «البيان» من نسخة خطية في مكتبة الاسكوريال في أسبانيا. الرقم ٢٤٢. وقد حققه، طه حسين وعبد الحميد العبادي- القاهرة ١٩٣٣ م.
١٥- كتاب «جواهر الالفاظ» منه نسخة في مدرسة النبي شيت بالموصل.
وصفها الدكتور داود الجلبي في مخطوطات الموصل. ص ٢٠٦، الرقم ٤. وقد طبع في القاهرة سنة ١٩٣٢ م، وطبع طبعة ثانية ١٩٧٩ م.
١٦- تفسير بعض المقالة الاولى من كتاب «سمع الكيان» لارسطو، ذكره الحاج خليفة في كتابه كشف الظنون (استانبول ١٩٤٣) ص ١٠٠٣.
[ ٩ ]