وهو من الكتب الجيدة التي ألفها قدامة بن جعفر، ومن الكتب الحسان «١» وبه يقتدي علماء هذا الشأن «٢»، فمن طالعه عرف غزارة فضله وتبحره في العلم «٣» . وأتى فيه بكل ما يحتاج الكتاب اليه، هكذا وصف الاقدمون (كتاب الخراج وصناعة الكتابة) . وقد رتبه قدامة على ثماني منازل- وقيل تسع منازل- خصص كل منزلة منها لبحث موضوع مستقل عن غيره، وقد أيد ذلك جمهرة من الاقدمين.
يقول ياقوت وهو يتحدث عن قدامة:- «قال محمد بن اسحاق:
وله من الكتب كتاب الخراج تسع منازل، وكانت ثمانية فأضاف اليه تاسعا»، وهو يقول «وله كتاب في الخراج رتبه مراتب وأتى فيه بكل ما يحتاج الكاتب اليه» «٤» .
وقال المطرزي، عن قدامة:- «وله تصانيف كثيرة منها كتاب صنعة الكتابة ظفرت به وعثرت فيه على ضوال منشودة، وهو كتاب يشتمل على
[ ١٠ ]
سبع منازل «كذا» وكل منزلة منها تحتوي على أبواب مختلفة ضمنه، خصائص الكتاب والبلغاء فمن طالعه عرف غزارة فضله وتبحره في العلم» «٥» .
والذي بين أيدينا من هذا الكتاب المنازل الاربعة الاخيرة، أما المنازل الاربعة الاولى فلم تصل الينا حتى الان، ولعل يد الحدثان قد امتدت اليها.
وقد شملت هذه المنازل المفقودة- مما أشار اليه قدامة نفسه في المخطوط- أمورا في غاية الاهمية.
قال قدامة، في المنزلة الخامسة، عند التكلم عن ديوان الرسائل قد ذكرنا في المنزلة الثالثة من أمر البلاغة، ووجه تعلمها، ثم تكلم في المنزلة الرابعة عن مجلس الانشاء (أو ديوان الانشاء) فقال:- بينا في المنزلة الرابعة عن ذكر مجلس الانشاء وجوها عن المكاتبات في الامور الخراجية، ينتفع بها ويكون فيها تبصير لمن يروم المكاتبة ومعناها.
أما المنزلتان الاولى والثانية فليس لدينا أي دليل على ما عالج قدامة فيهما.
أما المنزلة الخامسة، فيتكلم قدامة عن دواوين الدولة، ودواوين البريد والسكك والطرق. ونواحي المشرق والمغرب ودراسة جغرافية الارض في المنزلة السادسة. (وقد طبع قسم منه مع كتاب المسالك والممالك لابن خرداذبة) وتكلم عن وجوه الاموال في المنزلة السابعة وشؤون المجتمع الانساني وأسباب قوته وعوامل ضعفه وتدهوره وانحطاطه، ونظم الحكم في البلاد وما ينبغي للحكم وما يجب عليهم في المنزلة الثامنة.
وقد ألف هذا الكتاب في القرن الرابع الهجري. وقد رجح (دي غوية) ان قدامة ألفه بعد سنة ٣١٦ هـ بقليل، ذلك ان قدامة تحدث في ثنايا كتابه
[ ١١ ]
عن (مليح الارمني) على انه معاصر له ويشير أيضا الى اغارة (أسفار الديلمي) على قزوين في سنة ٣١٦ هـ والى الشنائع التي جرت على يد (مرداويج) واتباعه في السنين التالية كحوادث قريبة الوقوع «٦» .
وقد أشار أبو حيان التوحيدي «٧» الى ان قدامة عرض كتابه هذا في سنة ٣٢٠ هـ على علي بن عيسى حيث يقول: وما رأيت أحدا تناهى في وصف النثر بجميع ما فيه وعليه، غير قدامة بن جعفر في المنزلة الثالثة من كتابه.
ثم قال أبو حيان، قال لنا علي بن عيسى الوزير، عرض عليّ قدامة كتابه سنة ٣٢٠ هـ واختبرته فوجدته قد بالغ وأحسن وتفرد في وصف فنون البلاغة في المنزلة الثالثة بما لم يشاركه فيه أحد من طريق اللفظ والمعنى.
وقد نقل قدامة عن كتاب فتوح البلدان للبلاذري. وكتاب المسالك والممالك لابن خرداذبة. وكتاب الاموال لابي عبيد القاسم بن سلام.
وكتاب الخراج ليحيى بن آدم القرشي وذكر آراء كثيرة لبعض الفقهاء كأبي حنيفة، ومالك بن انس، وأبي يوسف، وزفر وسفيان الثوري، وغيرهم.