قالوا: لما هادن رسول «٣٨» الله ﵇، قريشا عام الحديبية على أن يأمن بعضهم بعضا، وانه من أحب أن يدخل في عهد قريش دخل.
كانت كنانة فيمن دخل في عهد قريش وخزاعة في عهد النبي ﵇ «٣٩» .
ثم ان رجلا من خزاعة سمع رجلا من كنانة ينشد هجاء [في] «٤٠» رسول الله ﵇ «٤١» فوثب عليه فشجه فهاج ذلك بينهم الشر وأعانت قريش بني كنانة وخرج معهم رجال فبيتوا خزاعة وهم غازون فكان ذلك مما نقضوا به العهد وقدم على رسول الله ﵇ «٤٢» عمرو بن سالم بن حصيرة الخزاعي فقال:
[لاهم] «٤٣» اني ناشد محمدا حلف أبيه وأبينا الأتلدا
فانصر هداك الله نصرا أبدا وأدع عباد الله يأتوا مددا
وانما قال: الأتلدا لانه كان بين عبد المطلب وخزاعة حلف قديم فلما أحست قريش وبان «٤٤» فعلها قالوا: لابي سفيان بن حرب انطلق فاجد الحلف واصلح بين الناس فقدم المدينة فلقي أبا بكر فقال له: يا أبا بكر
[ ٢٦٢ ]
أجد الحلف واصلح بين الناس فقال أبو بكر «٤٥»: قطع الله ما كان منه متصلا وابلى ما كان منه جديدا، فقال أبو سفيان: ما رأيت شاهد عشيرة شرا منك فانطلق الى فاطمة، فقالت له: ألق عليا، فلقيه فذكر له مثل ما ذكر لابي بكر، فقال له: «أنت سيد قريش فأجد الحلف واصلح بين الناس» فضرب أبو سفيان يمينه على شماله، وقال: «قد جددت الحلف واصلحت بين الناس» . ثم انطلق حتى أتى مكة. وقد كان النبي ﵇ «٤٦»، قال: ان أبا سفيان قد أقبل وسيرجع راضيا بغير قضاء حاجة، فلما رجع الى أهل مكة أخبرهم الخبر، فقالوا: «تالله ما رأينا أحمق منك ما جئتنا بحرب فنحذر ولا بسلام فنأمن» . وجاءت خزاعة تشكوا ما أصابهم فقال رسول الله: «اني قد أمرت بأحدى القريتين، مكة، والطائف» «٤٧» . وخرج في أصحابه فقال: «اللهم اضرب على آذانهم فلا يسمعوا حتى نبغتهم «٤٨» بغتة» . وأغذ السير «٤٩» حتى نزل (مر الظهران) وقد كانت قريش، قالت:
لابي سفيان، ارجع، فلما بلغ [مر] «٥٠» الظهران رأى النيران والاخبية، قال: ما شأن الناس كأنهم أهل عرفة، وغشيته خيول رسول الله فأخذوه
[ ٢٦٣ ]
أسيرا، فأتى به النبي صلى الله عليه «٥١» . وجاء عمر فأراد قتله فمنعه العباس وأسلم فدخل على رسول الله، فلما كان عند صلاة الصبح تحشحش الناس وضوءا للصلاة «٥٢»، فقال أبو سفيان: للعباس بن عبد المطلب، ما شأنهم أيريدون قتلي، قال: لا، ولكنهم قاموا للصلاة، فلما دخلوا في صلاتهم رآهم اذا ركع رسول الله، ركعوا، واذا سجد سجدوا، فقال: تالله ما رأيت كاليوم طواعية، قوم جاءوا من هاهنا، ومن هاهنا، ولا فارس الكرام، ولا الروم ذوات القرون، فقال العباس: يا رسول الله، ابعثني الى أهل مكة، أرغبهم في الاسلام، فبعثه ثم بعث في أثره، فقال: ردوا عليّ عمي لا يقتله المشركون فأبى أن يرجع حتى أتى مكة، فقال: أي قوم أسلموا تسلموا أتيتم، اتيتم، واستبطنتم باشهب بازل، هذا خالد بأسفل مكة وهذا الزبير بأعلاها وهذا رسول الله في المهاجرين والانصار، وخزاعة، فقالت قريش: وما خزاعة المجدعة الانوف «٥٣» . وجمعت قريش أوباشها وأتباعها وقالوا: نقدم هؤلاء فان أصابوا ظفرا كنا معهم وان أصيبوا أعطينا الذي نسأل «٥٤»، فقال رسول الله: للانصار وقد كان جمعهم، وقال لابي هريرة لما بعثه لجمعهم، لا يأتيني الا أنصاري، فكانوا مطيفين به من سائر الناس أترون أوباش «٥٥» قريش، قالوا نعم، فقال: باحدى
[ ٢٦٤ ]
يديه على الاخرى يشير ان اقتلوهم ثم قال: «وافوني بالصفا» فانطلقوا، فما يشاء أحد أن يقتل أحد الا قتله، فجاء أبو سفيان فقال: يا رسول الله، أبيدت «٥٦» خضراء «٥٧» قريش [فلا قريش] «٥٨» بعد اليوم، فقال رسول الله: «من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن، ومن وضع السلاح فهو آمن» «٥٩» . فقال بعض الانصار أدركت الرجل رغبة في قرابته ورأفة بعشيرته، وجاء رسول الله صلى الله عليه «٦٠» الوحي، وكان اذا جاءه لم يخف علينا، فقال: يا معشر الانصار قلتم كذا، قالوا: قد كان ذلك يا رسول الله، قال: كلا اني عبد الله ورسوله، هاجرت الى الله واليكم، فالمحيا محياكم، والممات مماتكم، فجعلوا يبكون، ويقولون: والله ما قلنا الذي قلناه الا للضن برسول الله. وأقبل الناس الى دار أبي سفيان وأغلقوا أبوابهم ووضعوا أسلحتهم، وأقبل رسول الله ﵇ الى الحجر فاستلمه ثم طاف بالبيت وأتى على صنم كان الى جنب الكعبة وفي يده قوس فأخذ بسيتها وجعل يطعن في عيني الصنم ويقول «جاء الحق وزهق الباطل ان الباطل كان زهوقا» «٦١» .
[ ٢٦٥ ]
ولما فرغ ٦»
من طوافه أتى الصفا فعلاه حتى نظر الى البيت ثم رفع يديه يحمد الله ويدعوه وقد جاء في بعض الروايات، ان رسول الله صلى الله عليه [وسلم] «٦٣»: قال: يوم فتح مكة، لا يتبعن مدبر ولا يجهزن «٦٤» على جريح، ولا يقتلن أسير. وكانت غزوة الفتح في شهر رمضان سنة ثمان، وأقام رسول الله بمكة الى الفطر، ثم توجه لغزوة حنين، وولي مكة عتاب بن اسيد بن أبي العيص، ابن أمية، وأمر رسول الله ﵇ «٦٥»، بهدم الاصنام ومحو الصور التي كانت في الكعبة. وقال «٦٦»: اقتلوا ابن خطل «٦٧» ولو كان متعلقا باستار الكعبة فقتله، أبو برزة الاسلمي وكانت له قينتان تغنيان بهجاء رسول الله فقتلت احداهما. ويقال: في الاخرى انها بقيت حتى كسرت لها في أيام عثمان ضلع فماتت. وفي حديث آخر ان قينة، هلال بن عبد الله وهو ابن خطل «٦٨» الادرمي جاءت الى النبي [صلى الله عليه] «٦٩» متنكرة فأسلمت وبايعت وهو لا يعرفها، فلم يعرض لها فأسلم عبد الله بن الزبعرى السهمي قبل أن يقدر عليه وكان النبي صلى الله عليه «٧٠» قد أباح في يوم الفتح دمه. وخطب رسول الله يوم فتح
[ ٢٦٦ ]
مكة. فقال «٧١» «الحمد لله الذي صدق وعده، ونصره جنده، وهزم الاحزاب وحده، الا ان كل مأثرة كانت في الجاهلية، وكل دم، وكل دعوى موضوعة تحت قدمي الا سدانة البيت وسقاية الحاج» «٧٢» . وقال رسول الله في خطبته «الا ان مكة حرام ما بين أخشبيها ولم يحل لاحد قلبي ولا يحل لاحد بعدي [ولم تحل لي الا] «٧٣» ساعة من نهار، لا يختلى خلاها ولا يعضد عضاها ولا ينفر صيدها ولا يلتقط لقطتها الا أن يعرّف- أو يعرف-» . فقال العباس «الا الاذخر فانه للقيون وطهور البيوت، فقال النبي: الا الاذخر» .
وفي حديث آخر ان النبي ﵇ قال «٧٤» «مكة حرام لا يحل بيع رباعها «٧٥» ولا أجور بيوتها» وفي حديث آخر مرفوع الى عائشة انها قالت «٧٦»: «قلت لرسول الله أبن لك بناء يظلك من الشمس بمكة، فقال:
لا انما هي مناخ من سبق» «٧٧» .
[ ٢٦٧ ]
وقال بعض المفسرين في قوله «سواء العاكف فيه، والباد»، البادى من يخرج من الحاج والمعتمرهم سواء في المنازل ينزلون «٧٨» حيث شاءوا غير انه لا يخرج أحد من بيته. وقد جاءت عن كثير من الائمة أحاديث في تسوية الثبور بين أهل مكة وغيرهم ممن «٧٩» يحج وكراهية ايجاد الابواب، على دورها حتى ينزل البادي حيث شاء ورخص أكثر فقهاء الحجاز وغيرهم في ذلك وفيما أبنته الناس بمكة، أن يتناول منه مثل البقل وسائر الزروع، ورخص في الرعي، أن يرعى اذا لم يحتش منه ورخص عطاء في القضيب للسواك وما جرى مجراه.